IbrahimA@missouri.edu
أنشر مثل هذه الكلمات أريد بها “توريط” الناس في برنامجي الإنتخابي لرئاسة الجمهورية لا كمنجز (product) جاهز ألقيه على العواهن بل كعملية (process ) من الأخذ والعطاء للتخلص من “دم التاير” الذي في عروق فكرنا. فإن لم نتحوط من تسرب الفكر الذي زجنا في الأزمة سنعيد إنتاجها. ونقد الذهن المعارض مما ابتلاني الله به منذ زمن طويل. فقدمت لكتابي “عبير الأمكنة” (1988) بكلمة ناقدة لهذا الذهن. وعقيدتي أن نقد الذهن المعارض أوجب لأنه الذهن الحاضن للمستقبل. إنه “المستقل في الظل” يتنظر الصعود إلى المسرح. إنني واثق إن لكم ما تصدعون به في هذا التوريط مع مودتي. عبد الله
في نقد الذهن المعارض
1- الشفقة تطير
لعل أصعب ما أواجهه من ذوي النية الحسنة تجاه ترشيحي لرئاسة الجمهورية هو سؤالهم عن برنامجي. ومصدر الصعوبة ليس لأن كتابة برنامج إنتخابي من الأمور العصية. بل لأنني شديد الاقتناع بفساد أي برنامج من هذا النوع نكتبه على عجل وبحكم العادة. فالبرنامج في مثل ظروف الأزمة الوطنية العامة هذه ليس “تفنيط” لما يزعم المرشح انجازه للناخبين. إنه صنو تخييل جديد للوطن الذي وقف حماره في العقبة. وهو شغل للمعارضة بشكل رئيسي. وللأسف لم يقع لنا هذا التخيل أو إعادة التخيل للوطن لأن المعارضة خلال دولة الانقاذ وما قبلها لم تنشغل ببناء هذا الوطن الجديد في الخيال أولاً. فقد كان أكثر همها التخلص من النظام القائم كيفما اتفق. أما تخيل الوطن السعيد المستعاد من الظالمين فهي مهمة لاحقة قد لا تأتي أصلاً.
وأفضل ناقد لمثل هذه المعارضة هو أستاذنا عبد الخالق محجوب. فقد عاشها في حزبه خلال فترة الريئس عبود (1958-1964) ووصفها بأنها “إثارية” اكتفت بمطلب “عودة الجيش إلى الثكنات” دون النفاذ إلى تراكيب القهر في نظامنا الاقتصادي والاجتماعي. وقال إنهم حاربوا نظام عبود كنظام عسكري بينما كانت المهمة الجد هي ان يحاربوه كنظام طبقي بستخدم العسكرية أداة له. ومهما كان الرأي في مصطلح عبد الخالق الطبقي وخلافه فلا يملك المرء إلا أن يقر بأن الرجل ناقد ثاقب للمعارضة متى تنكبت طريق النهضة واقتصرت على المقاومة تهز بها الشجرة لتسقط الثمار حيث تسقط.
وبدات متاعبي مع المعارضة على عهد نظام الريئس نميري. وخرجت على الحزب الشيوعي في 1978 في هذه الملابسات. فقد رأيت حزبي يعود من غنيمة النهضة الوطنية بإياب المقاومة الباسلة الضريرة. وأذكر أنني لقيت في هدأة الليل وستره ناشطاً من رفاقي الشباب في ميدان ما بالحلة الجديدة بالخرطوم. وكنت سكرتيراً لاتحاد الشباب السوداني وقتها. وبدا الرفيق يلعن نظام نميري لأنه ينفق مالاً كثيراً على الدورة المدرسية من رياضة ومسرح وفنون وغيرها. ولو كنت من أنصار المقاومة كيفما اتفق لوافقته بالطبع. ولكني كنت قد كرهت مثل هذا التربص بالنظم التي لا نطيقها. فقلت له: “أليس الانفاق على هذا النشاط كسباً وفيه صقل لمواهب الطلاب وتنميتها؟ نعم النظام مسرف ولكن علينا تحديد أوجه إسرافه الضارة لا أن يتشابه علينا البقر فلا نميز ضربنا”. وغير خاف أن رفيقي كان يخشى أن ينشغل الطلاب بضروب إبداعهم عن النضال ضد النظام. وقد ورثنا هذه الحزازة ضد النشاطات غير السياسية منذ عهد اللواء محمد طلعت فريد في وزارة الاستعلامات والعمل. فقد حرص فيها على الانفاق على رياضة كرة القدم بما فهمنا منه إنه يريد أن يلهي الناس عن السياسة. وذاعت نكات كثيرة عن هم الوزير الرياضي من مثل المذيع الجنوبي الناطق بعربي جوبا الذي وصف الوزير بأنه “وزير بتاع لعب” لتبسيط الفكرة لمستمعيه. ومن المؤكد أن عبارة أن بلدنا هذه “يا كفر يا وتر” تعود إلى هذه الفترة التي اصطنعنا فيها جفاءً لا مكان له بين الرياضة والفن والسياسة.
هذه معارضة “الشفقة”. فالمعارضة تريد أن تزيل النظام بأعجل ما تيسرلتعود إلى الحكم فوراً. وفي شفقتها هذه ترى الرياضة والفن نوعاً من “أفيون الشعوب” فأجتنبوها. وقد اعترفنا بآخرة بفضل الدورة المدرسية، التي استنها نظام نميري، على الوطن حين خرج علينا منها رياضيون وشعراء ومسرحيون ومطربون أثروا وما يزالون ساحات الرياضة والفنون. وكثيرا ما وجدت نفسي بعد لقاء الحلة الجديدة على خلاف مع عقلية المعارضة الإثارية في صفوف الحزب الشيوعي خلال عهد نميري. وأذكر أنني غشيت صديقاً في ليلة ما. ووجدته يشكو من زميل لنا طالب لسوء أدبه مع ابن عمه الذي رعاه ورباه. وعلمت من الصديق أن هذا الطالب اختاره الحزب لبعثة بأحد بلدان شرق أوربا. فكتبت للحزب في مديرية الخرطوم رسالة أطلب منهم التحقيق مع الطالب حول مسلكه الأسري وأن نرهن سفره للبعثة ببيان كاف حول الشكاوى منه. وكنت أعلم في قرارة نفسي أنني اصرخ في واد. فالطالب قد استحق البعثة لدور مقاوم أو آخر وكل اعتراض على سوء أدبه مجرد تحصيل حاصل.
وتنزهت من يومها عن نظم المعارضة التي لا ترى أبعد من أرنبة تغيير الحكومات الظالمة بغير تدبر في العواقب. والعواقب عندي هي النهضة. فكتبت أول بيان عن زهدي في المقاومة الإثارية بعنوان “نقد الذهن المعارض”. وقدمت بها لمجموعة مقالات نشرتها في كتاب بعنوان “عبير الأمكنة”. وسبق لي نشر هذه المقالات في جريدة الصحافة في 1978. وحاولت فيها أن عرض وفي ذهني صورة للوطن القادم الذي لم يتخلص من نظام مستبد فحسب بل من نظم الاستبداد جملة واحدة.
كتابة برنامج انتخابي من أسهل الأمور متى ما اعتقدت أن هدف الكفاح ضد النظم الجائرة هو اسقاطها وليكن ما يكون. خلافاً لذلك فأنا اعتقد أن هذا الكفاح تربية تتخلق بها صورة الوطن الجديد فتنطبع في الحس والذوق والعادة. الشاهد هنا أنني أريد أن أجعل من كتابة برنامجي الانتخابي إشكالاً لا متنفساً. أريد أن أزج فيه أنصاري وغير أنصاري خلال تشكله ذاته. فأنا لا أخبزه بليل وأوزعه على البقالات المنتظرة. أنا لا أكتبه . إنني أورط الناس فيه.
2- من المقاومة إلى النهضة
كنت قلت إن سقمي بما أطلقت عليه ” الذهن المعارض” يعود إلى مقدمة كتابي “عبير الأمكنة” الصادر عن دار نسق لصاحبها الدكتور عبد السلام نورالدين عام 1988. وصفت نظام نميري (الذي كتبت تلك المقالات في ظله) بأنه هدم مؤسساتنا الوطنية وقيم تلك الوطنية بغير وازع. واتسم أداء طاقمه بتقويض تلك المباني والمعاني لأنه يظن أنه جاء بما لم تبتدعه الأوائل. ولم يحتكم هذا الطاقم في هذا التقويض إلى نهج أو إعمال فكر. فمشروعاته غالباً ما ما عبر عنها أحدهم بمقالة وحيدة في الصحف السيارة لفت أولاد الدفعة لها نظر نميري فأصبح صاحبها وزيراً مكلفاً بتنفيذ الفكرة الشبح.
وقلت أن ما فاقم من بؤس إداء دولة نميري هو الذهنية المعارضة له. فقد اتخذت من هدم نميري للأبنية الوطنية مناسبة للتأجيج السياسي المجرد. فنسجت حول المؤسسات المقوضة هالة من الحنين إلى أيامها الذهبية معروفة بالنوستالجيا في الإفرنجية. وشملت هالة الحنين هذه الخرتيت رمز الجمهورية الذي تحول به نميري إلى صقر الجديان. وكذلك علم الأزهري الذي حل العلم الحالي محله. ومن ضمن مشمولات النوستالجيا معهد بخت الرضا الذي أنشأه الإنجليز في 1934 . فأنظر إلى ما انتهى إليه حين صار مؤسسة تبكي عدوان نميري عليها وتبالغ في الاحتفال بمرور ذكرى تأسيسها. وهو بكاء واحتفال حصنها من النظر الدقيق في جدواها في ظروف متغيرات تربوية وذوق للسكن. فالواضخ أن التربويين من هذا الجيل لا تستهويهم الفكرة القديمة التي رمت ببخت الرضا في خلاء النيل الأبيض ويريدون مثل غيرهم العيش في أمن العاصمة البشعة.
لا شك أن الدفاع عن إرث الماضي عمل نافع ومطلوب خاصة حين يجري تغييره بلا وازع. ولكن مثل هذا الدفاع ينبغي أن يستصحب نظراً نقدياً مستقلاً للمؤسسة المستهدفة من قبل النظم الجائرة. فلربما كان مثل هذا النظر الفاحص المستقل هو أهدى أساليب الدفاع عنها. فبمثل هذا الدفاع البصير ربما نجحنا به في إصلاح المؤسسة المقصودة في ظل النظام المستبد. أما الدفاع الضرير عنها بغض النظر فلا يعني سوى انتظار النظام ليسقط حتى نسترد المؤسسة ضحية نظام الفرد والقهر بحذافيرها. كما كنت.
اكتفى الذهن المعارض بتأجيج الناس دفاعاً عن المؤسسات الضحية بصورة سياسية عامة. فلا صبر له على قراءة هذه المؤسسات من زواية مهنية. فهو لا يهتم إن كانت المؤسسة معيبة بغض النظر عن تحرش نميري بها. مثلاً كان عبد الله الطيب كثير التلميح إلى عيوب تربوية في نظم بخت الرضا. وقد تمنبت دائماً لو أنه توسع في نقده ذلك ومنهجهصورة منهجية. فتحرش نميري ببخت الرضا إذاً ليس صك براءة يجعل المعهد البقرة التربوبة المقدسة التي صارت فينا. ولعل أفجع ما في منهج الذهن المعارض التأجيجي هو إهماله مقاومة أهل المؤسسة لتخريب النظام المستبد من الباطن. ربما لم تكن تلك المقاومة فاقعة، أو في مستوى توقع المعارضة للإطاحة بالنظام (أو تسجيل نقطة كبيرة ضده وكفى). ولكنها مقاومة مختصين عن قيم مهنة ونافعة لطويلة.
وسيجد قاريء كتابي إنني اتبعت خطة غير خطة الذهن المعارض في الدفاع عن المؤسسة الوطنية ضد تعديات نميري. فمثلاً احتفلت مثل ما احتفلت الإذاعة بمرو 40 عاماً على تأسيسها في 1940. لم أنشغل كثيرا باستنزاف النظام للإذاعة كبوق في “تعليق على الأنباء” فاجر كاذب. بل قلَّبت مع الإذاعيين هذا التاريخ المهني الطويل لشغلهم بنظر حادب متعاطف أعطاهم ما لهم وأخذ عليهم ما بهم. ونوهت بطفل سأله الأستاذ الشيخ درويش في كسلا ما يعرف عن العاصمة فال: هنا أم درمان”. وقلت للمذيعين هذه مكفأة لكم ضخمة فأغتنموها كمهنيين وأبنوا عليها بشجاعة. لم أبك على الإذاعة ولم أتباك. أوقدت شمعة.
لقد كانت كلمتي موجهة لمعنويات الإذاعي كمهني بين مطرقة الصفوة (التي قبلتها “هنا لندن” ولا ترضى بغيرها بديلا زل أحسنت) وسندان الحكومة التي تريد الإذاعة بوقاً لها. فحتى نقد الصفوة للمذيعين على سوء لغتهم وجدت له سبباً ومخرجاً في احتفالي بالعيد الأربعين للإذاعة. فقد قلت إن إصلاح الأداء اللغوي ميسور ولا يحتاج لأكثر من حلقات للتدريب خلال الخدمة يشرف عليه إذاعيون ولغويون بصورة مؤسسية ومنهجية. وبلاش تريقة.
وهكذا لا يقتصر عمل المعارض على التربص بالحكومة الهدّامة. ولا أقول هذا شفقة بها. بل أقوله شفقة أن يتحول العمل المعارض (مستودع التخييل لمستقبل الوطن) إلى مجرد مقاومة لنظام مستبد. فالتحدي أن تكون المقاومة سبباً للنهضة. كفانا تغيير حذاءاً مستبداً بآخر.
3-الزمن الجميل الذي غنى عليه كرومة
توخيت في امتناعي عن تأبط برنامج انتخابي في هذا الطور من مسعاي لأكون رئيس السودان القادم حكمة أمريكية تقول إنك ستزيد الطين بلة متى عالجت أزمة ما بنفس الفكر الذي ورطك فيها. وربما جاء العرب بمعنى قريب من هذا بقولهم “وداوني بالتي كانت هي الداء”. وحين أنظر ما حولي من أفكار لصياغة برنامجي لشفاء الوطن لا أجد إلا تلك التي كانت هي الداء. وبيت الداء في منظومة هذه الأفكار الرديدة هو الذهن النوستالجي المستولي على عقل النادي السياسي المعارض بالذات. والنوستالجيا هي النزوع إلى شيء في الماضي (ربما لم يوجد أصلاً) ولكن الجماعة تحس بفجيعة فقده بحق وحقيق.
العبارة الشائعة بيننا عن تحسرنا على ذلك الماضي المفقود هو “الزمن الجميل”. ومن رأي الذهن المعارض أن كل شيء سيكون على ما يرام متى ذهب هؤلاء “الزويلين” (الإنقاذ) واستعدنا مفردات ذلك الماضي مفردة بعد مفردة. وأنا اسمي هذا الزمن الجميل المزعوم ب “شارع السلك” جريا وراء نادرة عطبراوية. فقد تنادى نفر من أبناء المدينة إلى تطويرها بعد انتفاضة 1985. ولم تعجب هذه الحماسة أحدهم فقال: “إذا أردتم تطوير عطبرة حقاً فعودا لنا بشارع السلك”. ولمن لا يعرف عطبرة فشارع السلك هو شارع البارات بها الذي ذهبت قوانين سبتمبر 1983 بتجارته.
والذهن النوستالجي درجة سفلى في التفكير و درجة عليا في عدم التفكير. فقد استمعت خلال الأسبوع الماضي للصديق الدكتور عبد المنعم عبد الباقي أخصائي العلاج النفسي. فقال إن عقول البشر مستويات. فمنها ما لا يتجاوز ردة الفعل وهو أدناها. فإذا هاجمه أسد فهو إما واجهه وإما هرب. وهناك العقل المضطرب الذي إن دهمه خطب لج وضاع منه الدرب وشكى لطوب الأرض:”ليه بحصل لي أنا كده”. والنوستالجيا تقع مرحلة فوق هذا العقل المشتت. فهي في خانة العقل التذكري أي الذي يتخفى من الوقائع الجديدة الصعبة بتذكر ما كان وكان من زمنه الجميل. وأفضل أنا ان اسميه العقل السلفي على أن أكثر المصابين به عندنا هم التقدميون صرعى “الزمن الجميل”. أما العقل الذي هو زينة القول فهو العقل المتأمل الذي يتلقى الوقائع الجديدة بغير ردة فعل العقل الأول ولا اضطراب العقل الثاني ولا سلفية العقل الثالث. فهو يتلقاها لينفذ إليها ويمسك بقرون جدلها ليتوخى مخرجا مبتكراً ربما استعان فيه بخبرة الماضي الجميل حسب الطلب. ً
ما يفوت على أهل العقل النوستالجي السلفي أنه ربما كان لزمنهم الجميل خصومه. فهناك من لم يكن الزمن الجميل المزعوم زمانهم. بل ربما كان الزمن “الذي يغني عليه كرومة هذا” هو زمانهم القبيح. فالموظف الجنوبي الذي كان عليه أن يجتاز امتحاناً في اللغة العربية قبل أن يترقى للدرجة التالية لن يغني مثل كرومة عل الخدمة المدنية التي كانت وكانت وكانت. بل هناك من زمانه الجميل هو زمان اليوم لا زمان الأمس. وحكيت من قبل عن الواقعة التي ابطلت عندي سحر “الزمن الجميل”. فقد كنت مع أحدهم بدكان واحد من “عرب الجزيرة” تبدو عليه أثار النعمة المستحدثة. وأخذت وزميلي نستذكر بعض الماضي ونتحسر عليه. واستمع “عربي الجزيرة” بصبر. ثم قال صاحبي متحسراً: “كان زمن!”. فقال عربي الجزيرة: “الزمن الجميل، هه؟”. وأفسد عليّ الإعرابي هذه الفنطازيا إلى الأبد. فقد وضح لي بغير لبس أن الزمن الجميل المزعوم هو زمان “الناس هداوة بال” بينما كان زمان مثل عربي الجزيرة هو “الترحال” الشقي من وراء سعية لا معنى لها. واستقر عندي من يومها أن “الزمن الجميل” هو امتياز جماعة ما من السودانيين فرضت جماله فرضاً على سائرهم بقوة العمود الصحفي وزوايا أنس البكيات والأفراح وغيرها من الأدوات. وأخطر ما في هذا العقل النوستالجيا السلفي امتناعه عن اقتحام الوقائع الجديدة برحابة وملكة لشق طريق جديد للوطن الوسيع يغني عليه كرومة في الشمال وأدروب في الشرق وملوال في الجنوب وإساغة في الغرب في عبارة شاعت على عهد نميري “غير الجميل” بأي مقياس.
4-دوا شغل
ستصبح كتابة برنامج انتخابي في مثل حالنا الذهني تحصيل حاصل. فالبرنامج تخييل جديد للوطن أو هو إعادة احتراع له. وهو مما تسهر عليه معارضة مجتهدة ذات حلف دوؤب مع المستقبل. ولم يقسم لنا الله هذه المعارضة. فهي سلفية مسكونة بالحنين إلى ماض ذهبي (وقع لنا أو نتوهم أنه وقع لنا) أطلقت عليه “الزمن الجميل” وكفى بالله شهيدا. فكل شيء جميل عندها وقع لنا في الماضي. فإذا قلت التعليم قالوا بخت الرضا وحنتوب وغردون. وإذا قلت الحكم قالوا هلا هلا خدمة الإنجليز المدنية أو الأدارة الإهلية. ولو تطرقت للمواصلات بكوا لك الترام بل حاول بعضهم استعادته وبيعه لنا وإذا قلت وزراء الخارجية قالوا المحجوب وزروق . . . ومنصور خالد. وإذا قلت الفكاهة حكوا لك من خصائل سينا وود نفاش والهادي الضلالي المحدودة جداً. وقس على ذلك. وهذه آفات في التخييل تجعل من المصابين بها في خصام عديل مع المستقبل الذي هو موضوع البرنامج الانتخابي. ونقول في عبارتنا عن كل طعام لم نستسغه: “إنه قد جرى أكله من قبل”. وسيكون المستقبل المستخرج من مثل ذهننا السلفي المعارض وكأننا عشناه من قبل في الزمن الجميل.
أفكر منذ حين بمستقبل الخدمة الطبية في بلدنا. وهو تفكير لا مهرب منه لمن عاشوا في الولايات المتحدة. فالرعاية الصحية فيها شغل شاغل كما عرف كل متابع لإنتخابات الأمريكيين الرئاسية الأخيرة. وانتبهت بذلك لمساع حكومة الانقاذ لتبني خطة للتأمين الصحي على النهج الأمريكي. وبدأ اهتمامي بذلك من حديث عابر مع سائق تاكسي بجهة الكلاكلة. حكي لي عن نجاته من موت محقق من مرض عضال بفضل التأمين الصحي الذي وفر له العلاج في مستوصف لم يكن يستطيعه لولاه. ثم التفت إلي وقال: “أنا من المحالين للصالح العام. لا تظن إنني اقول هذا عن عاطفة سياسية.” وانتهزت أول فرصة لأعرف أكثر عن التأمين الصحي. فحضرتها. كان ذلك قبل عامين أو نحوه. فقد عقدت إدارة التأمين الصحي بولاية الخرطوم مؤتمراً صحفياً عن بدء حملتها لإدخال سكان الولاية في مظلة التأمين. وتوقعت أن يكون ذلك نبأ عظيم. فأسفت أنني لم أجد في المؤتمر قادة الرأي أو المعارضة ممن يسلقون الحكومة بألسنة حداد لبؤس الخدمة الصحية. وأوفدت أغلب الصحف بعض المتدربين بها لتغطية المؤتمر. ولم تحسن حتى صحف لسان الحكومة عكس هذه المناسبة الهامة للدولة كما ينبغي. وكتبت عمودي بالرأي العام أنعي هذه السلبية تجاه هذا الاجتهاد الحكومي اتفقنا معه أو لم نتفق.
ثم بدأت بعض الدوائر المعارضة تسفر عن خططها للرعاية الطبية على حياء. ووجدتها عادت إلى مربع مجانية العلاج. وبالطبع لا غضاضة في اعتقاد جماعة ما أن مجانية العلاج هي بالتحديد نوع الرعاية الاجتماعية التي يستحقها مواطنونا. ولكنني لم أقف بعد على بينات رقمية وسياسية ومهنيه لسداد فكرة مجانية العلاج في مثل ظروفنا وعالمنا.فلم أسمع من المعارضين نقداً لمنهج التأمين الصحي الإنقاذي يتجاوز تفنيط عيوب الخدمة الصحية نفسها (من جهة التردي وضيق نطاقها) لينظر في فكرة التأمين ذاتها وخططه لتغطية القطاع الفقير من السكان. وهذا مظهر واحد من مظاهر “كجنة” المعارضين للانقاذ. فهم لم يعترفوا بها بعد ويرون سنواتها وأعمالها مما يمكن شطبه من سجل الوطن بجرة قلم. وكما كنت يا بلد. كما لم أر اجتهاداً معارضاً يأخذ في الاعتبار إشكالات الرعاية الصحية في السياق العالمي مثل أن العلاج أضحى صناعة مكلفة أثقل كاهل دول أعتى منا. ولم يأخذ دعاة المجانية حقائق مجتمعنا الذي نشأت فيه شرائح حظية (كما يقول الترابي) شاعت فيها عقيدة العلاج بالثمن من بناة المستوصفات والجامعات الطبية. ومنهم من ارتبط بتأمين صحي عولمي ولا يرغب أصلاً في مجانية العلاج. وبقروشك تحلي ضروسك.
بل لم أجد من أنصار مجانية العلاج تحوطاً تجاه تأمين المجانية نفسها من الابتذال بالتفريق بين مقدم الخدمة (المستشفى) والدافع للخدمة (الدولة) على مبدأ أكلوا أخوان واتحاسبوا تجار. ومن زاوية هذا التحوط يقدم المستشفي العلاج كخدمة رأسمالية بالثمن للدولة. والحساب ولد. خشية أن تصبح إمكانات المستشفى (حقن وشاش وحبوب سكسنايرثري) مالاً سائباً عرضة للنهب من القائمين بالخدمة الطبية نفسها. وتحاسب الدولة المستشفى على دائر المليم عن كل قطعة شاش من مشترواته. وكان هذا رأي المرحوم جعفر محمد على بخيت حين فرق بين مجانية التعليم بجامعة الخرطوم وبين من يدفع لها. فقد كان رأيه هو أنه لضمان استمرار الجامعة في تقديم خدمتها التربوية النوعية فعليها كمؤسسة ذات استقلال ذاتي ومهني أن تفرض ثمناً عليها.وعلى الحكومة (من مستوى المحلية حتى الحكومة المركزية) أن تدبر أمر كيفية سداد ثمن هذه الخدمة. ولم نسمع حكمة الرجل قبل أربعين عاماً حين كان مشرفاً على الطلاب. وأنظر ما جنيناه. فالكل يعرف أن الجامعة فشلت في توفير المجانية وبخاصة في معاش الطلاب ف”عصرت” على الخدمة التربوية الأكاديمية وانقصت مالها. وانتهزت حكومة الانقاذ هذه المفارقة ففعلت ما فعلت. والله غالب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم