ملامح من سياسة السودان الخارجية (1) .. بقلم: محمد بشير حامد

من ʼالعزلة المجيدةʻ مروراً بالفورة الثورية ٳلى ʼالحالة الفِنْلَنْديَّةʻ
نُشرت هذه الدراسة أصلا باللغة الأنجليزية كجزء من كتاب (Sudan since Independence) الذى صدر فى لندن فى عام ١٩٨٦ وساهم فى كتابته نفر من اساتذة كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بجامعة الخرطوم وحققه د.بيتر وودورد من جامعة ردينق بمشاركة شعبة العلوم السياسية. ورأيتُ ترجمتها ونشرها فى حلقات لعدة اسباب منها اولاً حلول الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر، وثانيا شح المراجع وقلة الكتابات عن السياسة الخرجية باللغة العربية لتلك الفترات من تاريخنا، وثالثا كمقدمة لدراسة أقوم بها عن السياسية الخارجية للدولة الطريدة Pariah State)) التى ابتُلينا بها منذ ربع قرن ونيّف. وتوخيت عند الترجمة الالتزام بما ورد فى الأصل ما عدا اضافة بعض المعلومات من مراجع لم تكن متاحة لى فى مطلع الثمانينات والتى فى تقديرى عزٙزت فى معظمها قراءة وتحليل بعض الأحداث التى وردت أصلا فى النص الانجليزى.  

تمهيد:
ٳن السياسة الخارجية للحكومات السودانية المتعاقبة منذ فترة تقرير المصير ٳتسمت بنهج غريب تغيرت فيه  السياسات أو تم ٳجهاضها بطريقة توحى بغياب أى استراتجية متجانسة أو طويلة المدى. فالحكومة الوطنية الأولى برئاسة اسماعيل الأزهرى التى جرى انتخابها تحت شعار “وحدة وادى النيل” فى نوفمبر ١٩٥٣ انتهى بها المطاف بِتبنِّى الاستقلال الكامل فى ديسمبر ١٩٥٥. وبالرغم من السجل المتناسق نسبيا فى العزلة الذاتية وتجنب الارتباطات والتعقيدات الخارجية –وقد يكون بسببها- فقد تمكنت حكومة عبود العسكرية من اهدارالسوانح الطيبة التى تمتعت بها بدايةً فى علاقتها مع مصر وإلى استعداء جيرانها من الدول الافريقية بسبب سياسة الكبت التى مارستها  فى جنوب السودان. والسياسة الخارجية الرادكالية التى انتهجتها الحكومة الانتقالية الأولى فى أكتوبر  ١٩٦٤ تحولت بحلول يوليو ١٩٦٥ الى تراجع متسارع نحو توجه يمينى محافظ. أما حكومة النميرى فقد فاقت كل سجلات السياسة فى التحول من سياسية خارجية موالية للاتحاد السوفيتى فى نهاية ستينيات القرن ٳلى تبعية للغرب فى منتصف سبعينياته فى مسار متوازٍ – لعله لم يكن وليد الصدفة –  لتوجه السياسة الخارجية لمصر الساداتية.      
ان التفسير لهذه الظاهرة قد يكون فى أن السياسة السودانية قد تجاذبتها دائما مصالح داخلية وخارجية  متباينة أدت الى بعض الضبابية  والغموض  فى علاقات السودان مع العالم الخارجى . فسياسات السودان الخارجية منذ الاستقلال لم تشكلها فى كثير من الأحيان المصلحة القومية بقدر ما أثرت فيها المصالح الذاتية للانظمة المتعاقبة والتى كانت بدورها متقلبة وفقا لمتغيرات الظروف الداخلية والتطورات الخارجية.
تتطرق هذه الدراسة لثلاثة جوانب من سياسة السودان الخارجية: ʼالعزلة المجيدةʻ (‘Splendid Isolation’) لنظام عبود ورادكالية حكومة أكتوبر الأولى وʼفنلنّدنةʻ  (‘Finlandization’)السياسة الخارجية لنظام نميرى فى علاقته بمصر. (فى مجال السياسة الخارجية فقد خلت فترتا الديمقراطية الاولى (١٩٥٦-١٩٥٨) والثانية (١٩٦٥-١٩٦٩) من أحداث ذات تداعيات او تداخلات اقليمية ودولية خطيرة لانشغال الأحزاب السياسية وقتها بالسياسة الداخلية والصراع  المحتد من اجل السلطة. ولكن الاستثناء المهم لذلك الوضع كان الدور الاساس والفاعل الذى قامت به حكومة محمد أحمد المحجوب الثانية فى جمع الشمل العربى فى أعقاب هزيمة يونيو ١٩٦٧. ولكن حتى فى ذلك الوقت الحرج فقد تمت مبادرات المحجوب الدبلوماسية، والتى كانت محل اتهام من خصومه السياسيين بأنها غطاء لاخفاقاته الداخلية، على خلفية وضع متردى من الخلافات والمناورات الحزبية مما أضعف من فاعلية التحرك الدبلوماسى ومهد الطريق للانقلاب العسكرى فى مايو ١٩٦٩). 
وتعبير “العزلة المجيدة” (‘Splendid Isolation’) يرجع تاريخيا الى السياسة الخارجية لبريطانيا ٳبان القرن التاسع عشر حيث تحاشت الامبراطورية أى تحالفات او ارتباطات خارجية دائمة ليس رغبة فى الانطواء والعزلة وانما للمحافظة على توازن القوى فى أوربا بحيث تلقى بثقلها السياسى والعسكرى  تلقائيا مع الدول أو المعسكر الأضعف نسبيا وتحول بذلك دون هيمنة معسكر على آخر (عملا بمقولة لورد بالمرستون الشهيرة: “ليس لبريطانيا العظمى اصدقاء أو أعداء دائمون وأنما لها مصالح دائمة”). ولعل استعمال هذا التعبير فى وصف السياسة االخارجية لنظام عبود لا ينطبق تماما على هذا السياق التاريخى وإنْ انسجم مع المعنى العام. ولعل التوازن الذى سعى اليه النظام لم يكن “مجيدا” بمعنى تنفيذه لاستراتيجية مدروسة بقدر ما كان سلبيا فى حرصه على تجنب استعداء أى دولة أو معسكر خارجى بقدر الامكان. كما أن سياسة العزلة والانطواء داخليا التى اتبعها النظام لم تساعد على حل مشاكل السودان الداخلية أو تؤدى لتحسين صورته الخارجية فتشبيه الزعيم الغينى سيكو تورىٍ (Sekou Touré) للسودان “برجل أفريقيا المريض”لم يكن فيه الكثير من التجنى. 
ولعل رداكالية  (Radicalization)السياسة الخارجية فى أعقاب ثورة أكتوبر كانت ردة فعل للطبيعة المحافظة والسياسة الانعزالية للنظام الذى أطاحت به. ويمكن وصف الفورة الثورية التى اتسمت بها تلك السياسة بأنها الفترة التى بُذل فيها مجهود دؤوب لتحقيق المواءمة بين الممارسة الفعلية والمُثُل والأهداف المعلنة للسياسة الخارجية. ولكن تلك السياسة انتهت أيضا الى استعداء جيران السودان فى وقت اشتدت فيه الخلافات والصراعات الداخلية وبدا وكأن  التعاطي المفرط فى الارتباطات والالتزامات الخارجية لا يقل فعالية فى هزيمة أهداف السياسة من الانزواء الذاتى المخِل.
وترجع أصول تعبير (‘Finlandization’) للغة الالمانية (Finnlandisierung) وتمت صياغته فى منتصف ستينيات القرن الماضى لوصف الوضع الذى تمارس فيه دولة أقوى نفوذا على السياسات الخارجية لدولة مجاورة أصغر، وهويعنى حرفيا (يصبح مثل فنلندا) فى اشارة لنفوذ الاتحاد السوفيتى على سياسات فنلندا خلال فترة الحرب الباردة. فقد كان على فنلندا، مع محافظتها على سيادتها ونظامها الديمقراطى السياسى، ان تتَّبع سياسة خارجية تراعى المصالح والمطالب الاستراتيحية للاتحاد السوفيتى. ويستعمل التعبير فى هذه الدراسة بمعنىً مشابه وٳن يك غير مطابق تماما للحالة الفنلندية، ففى الحالة السودانية أدت علاقة نظام النميرى اللصيقة بالنظام المصرى ٳلى وضعٍ تحكمه أيضا الأعتبارات الاستراتيجية والأمنية مما حدّ او قلص بقدر كبير خيارات السودان فى السياسة الخارجية. كما شكل ذلك الارتباط خروجا بيِّناً على تقاليد السياسة الخارجية السابقة والتى حافظت بشكل أو بآخر على سياسة خارجية مستقلة نسبيا سواء أكان ذلك سلبيا أو إيجابيا وعلى عدم انحيازله أهميته وقيمته الدبلوماسية فى المجال الحساس للعلاقات مع الدول العربية.
وفى المراحل الثلاث  التى تتعرض لها الدراسة كان المحرك المحورى والدافع الخفى للسياسة الخارجية  لحد كبير هو المصالح الذاتية للنظام الحاكم حينها. 
١٣ أكتوبر ٢٠١٤
فى الحلقة القادمة: فترة ʼالعزلة المجيدةʻ (١٩٥٨ – ١٩٦٤)

mbhamid@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً