ملتقى أيوا للسلام والديمقراطية: بيان حول أوضاع اللاجئين السودانيين في جمهورية مصر العربية

يتابع ملتقى أيوا للسلام والديمقراطية بقلقٍ بالغ الأوضاع التي يواجهها المواطنون السودانيون المقيمون في جمهورية مصر العربية، في ظل إجراءات أمنية متباينة ونقاشات سياسية متصاعدة، وما يصاحبها من تضييق في بعض المناطق، بما يهدد بتحويل ملف اللجوء من قضية حماية إنسانية وقانونية إلى معضلة سياسية وأمنية ذات كلفة إقليمية، تمس استقرار المنطقة وصورة الدول المعنية بها.

ويؤكد الملتقى أن الوجود السوداني في مصر لم يكن، تاريخيًا، حالة لجوء بالمعنى القانوني الضيق، بل شكّل امتدادًا اجتماعيًا وثقافيًا طبيعيًا بين شعبين جمعتهما وحدة الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك. غير أن التحولات العميقة التي أعقبت انقلاب عام 1989، ثم التفكك المتدرج للدولة السودانية، وصولًا إلى الانهيار الشامل الذي فجّرته حرب أبريل 2023، أعادت تعريف هذا الوجود قسرًا من حركة اجتماعية طبيعية إلى حالة لجوء سياسي وإنساني واسع النطاق، فرضتها ظروف موضوعية خارجة عن إرادة الأفراد.

ويستند حق اللجوء والحماية الدولية إلى منظومة قانونية واضحة، تشمل اتفاقية اللاجئين لعام 1951، وبروتوكول عام 1967، ومبدأ عدم الإعادة القسرية، غير أن التجربة السودانية تكشف فجوة مزمنة بين هذه النصوص وتطبيقها العملي، حيث تأخر الاعتراف بالسودانيين كلاجئين رغم توافر شروط الحماية، بفعل اعتبارات سياسية ثنائية وحسابات جيوسياسية تتصل باستقرار العلاقة بين ضفتي وادي النيل.

وقد مثّل انقلاب عام 1989 نقطة تحول مفصلية أعادت إنتاج الدولة السودانية بوصفها دولة مولِّدة للجوء، لا دولة حامية لمواطنيها، من خلال التوسع في الانتهاكات السياسية والأمنية، واستدامة الحروب، وتآكل منظومة الحقوق، بما دفع أعدادًا متزايدة من السودانيين إلى طلب الحماية خارج الحدود. ولم يكن فتح باب اللجوء نتيجة ضغط دولي تلقائي، بل جاء ثمرة جهد قانوني وحقوقي وطني قادته شخصيات سودانية بارزة، في مقدمتها الأستاذ فاروق أبو عيسى والدكتور أمين مكي مدني، في تعبير نادر عن مسؤولية أخلاقية وطنية تجاه كرامة الإنسان.

ويدرك الملتقى أن استضافة جمهورية مصر العربية لأعداد كبيرة من السودانيين تندرج ضمن معادلة أمن قومي إقليمي معقدة، تشمل منع حدوث انهيار إنساني على الحدود الجنوبية، والحفاظ على الاستقرار في وادي النيل، وإدارة ملف ديمغرافي حساس. كما يثمّن الملتقى النموذج التاريخي المرن الذي تبنّته مصر في استيعاب السودانيين، خاصة في مجالات التعليم والإقامة والعمل، وهو رصيد إنساني وسياسي مهم تشكّل عبر عقود.

غير أن حرب أبريل 2023 نقلت الأزمة إلى مستوى غير مسبوق، مع الانهيار شبه الكامل لمؤسسات الدولة السودانية، والتوسع الهائل في النزوح، وتحول السودان إلى أحد أكبر مولدات النزوح عالميًا، ما جعل مصر جزءًا من منظومة إدارة أزمة دولية معقدة، لا مجرد دولة مضيفة بالمعنى التقليدي.

ويبدي الملتقى قلقه من محاولات تسييس ملف اللجوء، عبر ضغوط تستهدف تضييق المساحات المتاحة للسودانيين في مصر، أو من خلال حملات إعلامية ولجان إلكترونية تسعى إلى تشويه الصورة الإيجابية التي تشكّلت لمصر في الوعي الجمعي السوداني بعد اندلاع الحرب، وتحويل ملف الحماية الإنسانية إلى أداة مساومة وصراع إقليمي. ويحذر الملتقى من أن كلفة هذا المسار ستقع، في المقام الأول، على مصر وشعبها، لما له من أثر مباشر على صورتها الإنسانية ومصالحها الاستراتيجية طويلة المدى.

ويؤكد الملتقى أن الحد الأدنى من الأمن الإنساني لا يزال غير متوفر في السودان، ولا سيما في العاصمة الخرطوم، وفق شهادات موثوقة، وأن محاولات العودة المبكرة أسفرت بالفعل عن خسائر في الأرواح، ما يجعل أي سياسات تضييق أو دفع غير مباشر للعودة سياسات محفوفة بالمخاطر الإنسانية والسياسية. كما يشدد على أن تحسين شروط الأمن الإنساني داخل السودان يمثل المدخل الحقيقي لتقليل دوافع اللجوء، لا الإجراءات الأمنية وحدها.

وفي هذا السياق، يهيب ملتقى أيوا للسلام والديمقراطية بالجهات المصرية المختصة إيلاء هذا الملف اهتمامًا مباشرًا، والإشراف الدقيق على الإجراءات المتخذة في مناطق التكدس السكاني السوداني، بما يضمن احترام القانون، وصون الكرامة الإنسانية، وتعزيز الثقة بين المجتمعين.

إن تجربة اللجوء السوداني في مصر ليست أزمة إنسانية عابرة، بل مرآة لانهيار الدولة الوطنية السودانية، ومؤشر على فشلها في حماية مواطنيها. وحماية اللاجئين ليست عبئًا على الدول المضيفة، بل استثمارًا استراتيجيًا في الاستقرار الإقليمي وفي مستقبل العلاقات بين الشعوب.

سكرتارية ملتقى أيوا للسلام والديمقراطية

التاريخ: 2 فبراير 2026

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية: بيان إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل د. الباقر العفيف مختار رمز الاستنارة

23 أبريل 1955- 23 يناير 2025﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً …