قبل أن ندلف إلى موضوع المنشور الأساسي لنتناول الورقة العلمية التي إقطتعنا جزء منها وهو الخاص بمملكة أوشيك.
اسمحوا لنا بهذه المقدمة :(الذين يظنون إن إسم أوشيك البجاوي محرف من إسم ( الشيخ بالعربي)،. نقول لهم أنتم مخطئون .. وذلك بأدلة من التاريخ القديم في مصر والسودان .
فإسم أوشيك كان إسم لمملكة ظهرت في عهد الأسرة الثالثة عشر في مصر، مملكة بجاوية على الصحراء الشرقية المصرية يحكمها البجا ( المجاي،The Medjay)..
كذلك إسم أوشيك والذي يعني الشيخ باللغة البجاوية مثل اللغة العربية أيضا كما نعلم ، يبدو أنه كان إسم الزعيم الروحي والكاهن الأعلى المؤسس لمملكة أوشيك هذه .
كمان كان الحاج البجاوي الذي يحج إلى معبد إيزبس وجبل الست حتى وقت قريب يلقب ب( أوهاج)
وهذا يذكرنا بإسم الكنداكة السودانية ( أماني شيختو) فهل كان إسمها يا ترى؟ شيخة آمون ؟ خاصة أن معنى إسمها بلغة البجا ( البداوييت) يعني ( شيخة آمون) والله أعلم طبعا .
…………………………..
مملكة أوشيك
فى عصر الأسرة السادسة، تعرضت مصر إلى اضطراب عرف فى مصادر التاريخ بعصر الانتقال الأول.. نتج عنه أن تعرضت مصر للغزو من الشمال الشرقى فى سيناء ومن الجنوب .
وبعد عودة استقرار الأوضاع في مصر في عصر الأسرتين الحادية عشرة والثانية عشرة عاد الاهتمام بالصحراء الشرقية التي لم تكن تابعة للسلطة المركزية المصرية على النيل.
كما تواصلت اهتمامات الأسرة الثانية عشرة بالصحراء الغربية، وبدأ ثاني ملوك الأسرة سنوسرت الأول بالبحث عن الذهب.
كما ذكر الدكتور “سليم حسن” أن سنوسرت أرسل حملة بقيادة أميني لهذا الغرض إلى صحراء قفط في منطقة وادي الحمامات.
ولكن لم تدم قوة الدولة المصرية طويلاً إذ سرعا ما دخلت مصر مرة أخرى في مرحلة اضطرابات وضعف بعد نهاية عصر الأسرة الثانية عشر في القرن 18 واستمرت في عصر الأسر 13 و14 و15 و16 و17 حتى القرن 16 ق.م.
وهي الفترة المعروفة في التاريخ المصري بفترة الانتقال الثانية.
وساد الأمن والسلام في هذه الفترة بلاد السودان المجاورة للحدود المصرية.
وأدى ذلك إلى الكثير من التغيرات والتطورات التي حدثت في المنطقة.
ومن أبرز تلك الأحداث نمو قوة مملكة كوش الأولى وتوسع حدودها حتى منطقة أسوان، بل وُجِدت آثارها شمالاً في أبيدوس شمال مدينة الأقصر الحالية.
(سامية بشير دفع الله، تاريخ الحضارات السودانية القديمة ص 229 و267.)
ولا تتوفر معلومات عن علاقة جماعة (مِجا الصحراء) بمملكة كوش في عصر توسعها.
(وكما أوضحنا في مقال سابق أن جماعة المِجا ساهموا في الاضطرابات التى حدثت في عصر الاسرة السادسة)
ولما كان لقبائل المِجا وجود واضح على النيل من منطقة حلفا جنوباً وحتى أسوان شمالاً فإن المِجا المستقرون على النيل قد أصبحوا بذلك جزءاً من مملكة كوش.
وكان للمجاِ في هذه الفترة وجودٌ ملحوظٌ في الصحراء وفي صعيد مصر.
ففي الصحراء أدى انقطاع التدخل المصري المتكرر في المنطقة إلى تطور نظم السكان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وربما شهدت المنطقة قيام أكثر من مملكة بين النيل والبحر الأحمر.فقد ورد في آثار الأسرة الثالثة عشرة في النصف الأول من القرن 18 ق.م أنه “وصل وفد من المدجاي من جهة تسمى أوشيك إلى مصر لمقابلة الملك … ويُعتقد أن جهة أوشيك المذكورة هي مملكة من ممالك المدجاي في الصحراء الشرقية” (المرجع السابق ص 260) .
وبسط المِجا سيطرتهم حتى أصبح اسمهم علماً على كل سكان المنطقة الواقعة جنوبي مصر.
فقد ذكر سليم حسن “أن اسم “مجاي” أصبح يطلق بصورة عامة على كل سكان المنطقة الواقعة جنوب أسوان ومنطقة الصحراء الشرقية، بينما يطلق اسم مزاوي (مجاوي) على أفراد القبيلة.” ( سليم حسن، تاريخ السودان المقارن. ص 48) .
كما وردت في الآثار المصرية أخبار تحركات كبيرة للمِجا نحو صعيد مصر، ويبدو مقبولاً أن تكون تحركات تلك القبائل قد أتت من مناطق نهر عطبرة جنوباً وحتى صعيد مصر شمالاً، وذلك للعلاقة الطبيعية بين المناطق الجافة ومناطق الأنهار.
وبدأ استقرار قبائل المِجا في صعيد مصر مبكراً، فالاشارات المبكرة في الأثار المصرية أتت في عصر الأسرة السادسة بمشاركتهم كجنود في الجيش، وكانوا غالباً ما يستقروا في صعيد مصر بعد نهاية خدمتهم كما اتضح ذلك في عصر الأسر التالية للأسرة السادسة.
وكانت تحركات المِجا نحو صعيد مصر تزداد إبان ضعف السلطة المركزية في مصر مثل عصر الانتقال الأول بين القرنين 22 -21 ق.م وعصر الانتقال الثاني الذي بدأ بنهاية الأسرة 12 في القرن 18 وانتهى في القرن 16 ق.م.
وقد شهدت هذه المرحلة الأخيرة هجرات خلفت وجوداً واضحاً على المجتمع المصري وبرزت في آثار تلك الفترة.
يقول دكتور سليم حسن ( المرجع السابق ص 266) عن تلك التحركات: “كانت هذه الهجرة لمصر واسعة النطاق لدرجة لم تعرف من قبل”
ولعل أوضح آثار تلك الهجرات هي ما أطلق عليه المؤرخون اسم “حضارة Pan-Grave” تكتب الكلمة في أغلب كتب التاريخ في السودان بالحروف العربية “البان قريف” وذلك لأن المقابر تشبه في شكلها الطوة (المقلاة) Pan باللغة الانجليزية.
ورأى بعض المؤرخين أن أصحاب هذه القبور القُبعِية (على شكل قبعة) أتوا من جنوب منطقة حلفا، ولكن أغلب المؤرخين يرون أنهم أتوا من الصحراء الشرقية بصورة عامة” أي المنطقة التي تقطنها حالياً قبائل عديدة تنطوي كلها تحت اسم البجة” وحدد بعضهم أصول أصحاب تلك المقابر القُبعِية إلى جبال البحر الأحمر.
وقد أتى التصريح الواضح أنهم ينتمون إلى قبيلة المِجا.
وقد أتى التصريح الواضح أنهم ينتمون إلى قبيلة المِجا.
وخصص البعض الآخر أنهم مجموعة متخصصة من المِجا، أو الجنود الذين كانوا يخدمون في الجيش المصري.
( سليم حسن، تاريخ السودان المقارن. ص 270 وسامية بشير دفع الله، المرجع السابق. ص253-255 وA. J. Arkell, History of the Sudan. P 78 and note no. 1)
وهكذا يتضح أن أصحاب المقابر القُبعِية هم المِجا أسلاف البجة سكان الصحراء الشرقية.
ومن الأصلح الحديث عنهم بهذا الاسم بدلاً من اسم “البان قريف” أو تناولهم تحت اسم جماعة المِجا في صعيد مصر وشمال وشرق السودان، لأن أثارهم في حدود السودان الحالية وجدت في مناطق حلفا وكسلا وأركويت وخور أربعات والخرطوم ( سامية بشير دفع الله، المرجع السابق. وA. J. Arkell, History of the Sudan. P 78 and note no. 1)
أما آثار المجا أصحاب المقابر القُبّعِية في حدود مصر الحالية فقد انتشرت على طول المنطقة الواقعة شمال حلفا وحتى شمال منطقة الأقصر، وذكر Petrie أنهم كانوا ينتشرون غرب النيل حتى منطقة الفيوم الحالية.
(Flinders Petrie, the Making of Egypt. London: The Sheldon Press1939, p 145)
وقد تتبع سليم حسن ( المرجع السابق ص 267) تلك الآثار التي تم الكشف عنها حتى عصره في خمسة عشرة موضعاً في هذه المنطقة بين مقابر ومستوطنات، وأغلب تلك المواقع في منطقة الأقصر الحالية وشمالها مثل قاو (قوص) وتقع شمال الأقصر والتي وجد بها مستوطنة و37 مقبرة وموقع المستجدة وهو أكبر موقع تم العثور عليه ويقع شمال قاو ووجد به 107 مقبرة ومستوطنة.
وهكذا أصبح للمِجا وجود وأثر واضح على التركيبة السكانية في صعيد مصر، وأبرزت آثار الأسرة 17 دورهم بجانب المصريين في مقاومة وطرد الهكسوس من مصر الذين كانوا يحتلون
وهكذا أصبح للمِجا وجود وأثر واضح على التركيبة السكانية في صعيد مصر، وأبرزت آثار الأسرة 17 دورهم بجانب المصريين في مقاومة وطرد الهكسوس من مصر الذين كانوا يحتلون شمال البلاد.
ويبدو أن كل ذلك لم يغير في السياسة المصرية تجاه سكان الصحراء الشرقية.
فقد بدأت الدولة الحديثة – التي بدأ حكمها بعد طرد الهكسوس – منذ بداية عصر مؤسسيها ملوك الأسرة 18 في معاودة الهجوم على السودان.
amnaaira3@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم