اِعْتِذَارٌ لِطِفْلٍ هَزَمَهُ الطَّرِيقُ قَبْل أَن يَبْلُغ الْوَطَن
إهداء
إلى الذين خرجوا يطاردون رغيفا فعادوا أسماءً في دفاتر الفقد. إلى الأطفال الذين حملوا أعمارهم الصغيرة على أكتاف المنافي ومضوا يفاوضون الريح والصحراء على حقهم في الحياة. هذه مرثيةٌ متأخرة واعتذارٌ للدمع الذي لم يسعفنا في الوقت المناسب.
(1) هَل تَغْفِر لَنَا عَدَم الْبُكَاءِ عَلَى رَحِيلِك؟
يَا أَيِّهَا الطِّفْلَ المخبّأ فِي الرَّحِيلِ،
بِرَغْمِ أَنّ الْعُمَرَ مِقْدَارٌ صَغِيرٌ لا يُدَارِي،
فِيكَ أَو فِينَا تَفَاصِيلَ اِنْحِيَازِكَ لِلْغِيَابْ
مَا كَنَتَ تَمْلِكُ غَيْر قَلْبِكَ وَاِنْتِمَائِكَ لِاِنْعِتَاقِ الرّيحِ،
حِين رَحَلَتَ مِن أَجَل الرَّغيفِ إِلَى الخِتامْ
الْمَوْتُ دونَ الْخُبْزِ فِي لُغَةِ الْعَسَاكِرِ طَلْقَةٌ،
قَد تَسْتَقِرُّ بِقَلْبِكَ الْرمليِّ،
أَو حُزْنٌ لِاِمْرَأَةٍ هُنَاك،
وَبَرْقُ وَجْهِكَ لَا يُزَالُ بِوَمَضِ ضَحْكَتِهَا،
الَّتِي خَلَعَتْ وَسَامَتْهَا كَقِشْرَةِ بُرْتُقَالْ
كِلَاهُمَا موتٌ لِأَجَلِ الْخُبْزِ وَالْحزن السَّرِيعِ،
وأَنْت خَبَّازِ الرِّمَالِ تُحَاوِرُ الصَّحْرَاءَ مِن أَجَلِ الْحَيَاةِ،
فلَم تُخَاطِر بِالْجُلُوسِ لِوَهْلَةً كَي يَسْتَرِيح الطِّفْلُ فِيكَ،
ولَم تَكُن غَيْر اِنْتِشَارِ الْحُزْنِ فِي دَمِنَا الرَّخِيصِ،
إِذَا اِشْتَرَانَا الْمَوْتُ مِن سُوقِ الْعَسَاكِرِ بالتراب،
الآن وحدك فَاعْتَلِي خَيْلَ اِبْتِسَامَاتِ النِّهَايَةِ قِبَلَ مَوْتِكَ،
ثُمَّ مُتْ كَي تَسْتَعِيد طُفُولَةَ الْأحْلَاَمِ فِيكَ،
فَنَسْتَعِيد مِن الشَّوَارِعِ جُرْحَ خَيْبَتِنَا وَوَقْتَ صُدَاعِنَا النِّصْفِيِّ،
نَحْن الْخَاسِرُونَ وأَنْت مَنِّ رَبِحَ النِّهَايَةَ،
رَغَّمَ أَنّ الْمَوْتَ كَان الْقَاسِمُ البينّي عِنْدكَ فِي الْغِيَابِ،
وعِنْدنَا فِي الْمَوْتِ مِن أَجَل الْهَزِيمَةِ وَاِنْكِسَارِ الرَّوْحِ،
يَا كُلّ الَّذِي فِِي الْأرْضِ مِن خِزْي اِعْتِنَاقِ الْخَوْفِ قَبِّلْنَا،
فنَحْن الْآن مَشْغُولُونَ بِالْبَحْثِ الْبَليدِ عَن اِنْحِسَارِ الْخُبْزِ،
وَالسَّبَبِ الْمُبَاشِرِ لِاِنْتِشَارِ الْمَوْتِ فِي حُلْمِ الطُّفُولَةِ وَالشَّوَارِعِ،
يَا رَفيق الضَّوْءِ عَلِمَنَا الْبُكَاء فأَنْت مَن صَنَعَ الْحَقِيقَةَ لِلرِّمَالِ،
ونَحْن مَن صَنَعَ الْفَجِيعَةَ حِين جَاوَزَنَا بِقَلْبِكَ،
دُون أَنّ نَدْرِيِ بُحُورَ الصَّمْتِ مِن هَوْلِ الْفَجِيعَةِ،
لَم نَقُلْ لِلْمَوْتِ أُمْهِلُنَا قَلِيلًا كَي نُقَبِّلُ ومضَ بِسِمَتِكَ الْأَخِيرَةِ،
حِين يُودِعُكَ الرِفَاقُ هَدِّيَّة لِلْقَبْرِ،
أو حين اِعْتَرَاكَ الْخُوْفُ فِي الْوَقْتِ الْأَخِيرِ،
فنَحْن أَبْنَاءِ الْهَزَائِمِ قَد تَعُودُنَا شِرَاء الْخُبْزِ بِالصَّمْتِ الرَّدِيءِ
ولَا نَزال نُرَتِّبُ الْأحْزَانَ كَي نَبْكِي عَلَيْكَ،
لِرُبَّمَا بَعْد اِنْحِسَارِ الْخَوْفِ فِي الْعِيدَيْنِ،
أَو حِين الْغُيُومِ تَعُودُ لِلصَّحْرَاءِ فِي فَصْلِ الْخَرِيفِ،
وَرُبَّمَا نَخْتَارُ مَوْتَتَنَا كَعَادتِنا،
كَمَا الْغُرَبَاءَ كَي نَبْكِي عَلَيْكَ،
فلَا عَلَيْكْ
(2) كيف أصبح الخبز أبعد من الوطن وأقرب إلى الموت؟
أيها الطفل الذي خبّأته الصحراء في قلبها كسرٍّ صغير، نعتذر لك الآن بعد أن صار الاعتذار بلا جدوى وبعد أن سبقك الموت إلى الجهة التي لم يبلغها الخوف.
نعتذر لأننا لم نكن هناك حين أخذتك الخطوة الأولى بعيدًا عن بيتك. لم نرَ اليد التي دفعتك إلى الطريق ولا الجوع الذي كان يكبر معك مثل أخ خفي ولا الوطن وهو يضيق حول جسدك الصغير حتى لم يعد يتسع إلا للرحيل. كنت تحمل قلبًا فقط والقلوب في هذه البلاد لم تعد تصلح زادا للنجاة.
كنت تمضي خفيفا كأغنية ناقصة، بينما كانت الأرض من حولك تزدحم بالفساد والأسلاك والعسكر والجوع والعطش. كنت تمضي لأن الرغيف كان هناك في جهة أبعد ما تكون عن إنسانية العالم ولأن الحياة أوهمتك بأن الطريق قد يفضي إلى نافذة لا إلى قبر.
نعتذر لك متأخرين. ليس لأننا لم نعرف كيف نموت مثلك ولكن لأننا لم نعرف كيف نراك قبل أن تغيب. كنت تعبر الصحراء بقلب صغير وأحلام أكبر من عمرك بينما كنا نحن نتدبر هزائمنا اليومية ونقنع أنفسنا بأن الخوف قدر لا فكاك منه.
لم يكن لديك سوى قلبك. حملته معك كما يحمل الفقراء خبزهم الأخير ومضيت وراء سراب النجاة. لم تكن تبحث عن بطولة ولا عن مجد ولا عن قصة تليق بالنهايات الفاجعة. كنت تبحث عن رغيف يكفي جوعك وعن حياة بسيطة تستطيع أن تنمو داخلها طفولتك دون أن تطاردها البنادق أو المنافي أو الخرائط المغلقة.
لكن في لغة العسكر يصبح الخبز سببًا للموت ويصبح الجوع تهمة وتصير الرحلة إلى الحياة رحلة أخرى نحو الفناء.
مضيت وحدك. كنت تحاور الرمال كما لو أنها تعرف طريقك للخلاص وتفاوض الصحراء على فرصة إضافية للبقاء. لم تمنح نفسك رفاهية التوقف طويلا كي يستريح الطفل الذي في داخلك ولم يكن أمامك متسع لتتأمل الخوف الذي يكبر في صدرك مع كل خطوة. كنت تمضي لأن التراجع موت ولأن الاستمرار موت آخر ولأن الفقراء لا يملكون رفاهية الاختيار بين المصيرين.
وحين سقطت، لم يسقط جسد واحد فقط. سقطت معك أشياء كثيرة كنا نعتقد أنها ما زالت حية. سقط الجزء الأكبر من إنسانيتنا وشيء من قدرتنا على الغضب وشيء من أوهامنا القديمة بأن العالم ما زال قادرا على الإنصاف.
أما نحن فقد بقينا هنا. بقينا نراقب الفاجعة من بعيد ونفتش في الركام عن تفسير معقول لكل هذا الخراب. انشغلنا بالحديث عن أسباب الجوع وانتشار الموت وعن الأرقام والسياسات والحدود والحروب بينما كانت الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: طفل خرج يبحث عن الحياة فعثر على النهاية.
لهذا نعتذر.
نعتذر لأننا لم نقل للموت انتظر قليلًا. لم نطلب منه أن يمهلك لحظة أخيرة لتوديع أحلامك الصغيرة. لم نسأله إن كان الخوف قد مر بقلبك في ساعاتك الأخيرة ولم نسأله وإن كنت قد ناديت أحدًا فلم يسمعك أحد. لم نفعل شيئًا سوى الصمت، ذلك الصمت الذي اعتدنا دفع ثمن الخبز به، واعتدنا أن نخفي داخله عجزنا وهزائمنا المتراكمة.
أنت الآن بعيد عن كل هذا. بعيد عن الجوع وبعيد عن الطرق الطويلة وعن الصحاري التي لا تنتهي. وربما استعادت روحك هناك طفولتها التي سرقتها الصحراء والعطش. أما نحن فما زلنا هنا، نحمل أعباء الخيبة ونؤجل البكاء، ونرتب أحزاننا كما لو أن للحزن موعدًا مناسبًا.
لقد ربحت النهاية التي هزمتنا ولم يعد في وسعنا سوى الاعتراف بذلك.
فأنت لم تكن الخاسر يا صغيرنا نحن الخاسرون جميعًا. نحن الذين بقينا أحياء بما يكفي لنشهد الفاجعة وبقينا عاجزين بما يكفي لنمنعها. كان الموت ينتظرك على هيئة وطنٍ مؤجل فعبرت وحدك تاركا لنا السؤال الذي لا زال يطاردنا، كيف أصبح الخبز أبعد من الوطن وأقرب إلى الموت؟
عبد الله جعفر
الرياض 18 أكتوبر 2026
