من اقتصاد تصدير المواد الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة
السودان 2040… قراءة في المستقبل خارج أسر اللحظة التاريخية
بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
ليس أخطر ما أنتجته الأزمات التي مر بها السودان هو ما أصاب البنية التحتية أو النشاط الاقتصادي، بل ما أحدثته من انكماش في أفق التفكير الاستراتيجي. فعندما تستغرق الدول في إدارة الأزمات اليومية، تصبح الأولويات محصورة في إطفاء الحرائق، بينما تتشكل التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي بعيداً عنها. ولهذا فإن استشراف السودان 2040 يبدأ من سؤال مختلف: كيف نبني اقتصاداً لا يعيد إنتاج الماضي، بل يستبق المستقبل؟
تكمن المفارقة في أن السودان ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل محدود العائد من موارده. ففي الاقتصاد الحديث لا تُقاس الثروة بما تختزنه الأرض، وإنما بما تضيفه المعرفة والتكنولوجيا والصناعة إلى ما تختزنه الأرض. ولذلك لم تعد القيمة الحقيقية تُخلق عند استخراج الذهب أو حصاد السمسم أو إنتاج الصمغ العربي، وإنما في حلقات التصنيع، والتطوير، والتغليف، والابتكار، والخدمات اللوجستية، وبناء العلامات التجارية.
وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن ما بين 60 و80% من القيمة الاقتصادية للعديد من السلع الزراعية والغذائية يتحقق بعد مرحلة الإنتاج الأولي، عبر التصنيع وسلاسل القيمة والخدمات المرتبطة بها. كما تشير بيانات التجارة العالمية إلى أن المنتجات المصنعة تمثل أكثر من ثلثي التجارة السلعية الدولية، في حين تبقى صادرات المواد الخام أكثر تعرضاً لتقلبات الأسعار وأقل قدرة على خلق فرص العمل ورفع الإنتاجية.
هذه الأرقام تكشف جوهر الإشكالية السودانية. فالسودان يصدر الذهب، لكنه لا يحتل موقعاً مؤثراً في صناعات التكرير أو المجوهرات. ويصدر الصمغ العربي، الذي يوفر ما يقارب 70% من الإنتاج العالمي في الظروف الطبيعية، بينما تتحقق القيمة الأعلى في الصناعات الغذائية والدوائية والكيميائية التي تُقام خارج حدوده. ويصدر الماشية الحية، في حين تذهب القيمة المضافة إلى الدول التي تطور صناعات اللحوم والألبان والجلود. كما يصدر السمسم والفول السوداني والقطن موادَّ أولية، بينما تستحوذ الأسواق الأخرى على أرباح الزيوت، والمنسوجات، والمنتجات الغذائية النهائية.
إن السؤال الحقيقي ليس لماذا لا يزداد حجم الصادرات السودانية، بل لماذا لا تزداد قيمتها؟ فالفارق بين اقتصاد نامٍ واقتصاد متقدم لا يُقاس بعدد الحاويات التي تغادر الميناء، وإنما بنسبة القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني. وكل دولار يتحقق من التصنيع المحلي يعني وظيفة جديدة، وخبرة تقنية، وإيرادات ضريبية، واستثماراً في المعرفة، وقدرة أكبر على الصمود أمام تقلبات الأسواق العالمية.
ويمتلك السودان من المقومات ما يجعله مؤهلاً لهذا التحول؛ إذ تقدر الأراضي الصالحة للزراعة بنحو 200 مليون فدان، ولا يستغل منها سوى جزء محدود، كما يمتلك واحداً من أكبر القطعان الحيوانية في إفريقيا، واحتياطيات معدنية متنوعة، وساحلاً على البحر الأحمر، وموقعاً يربط بين أسواق الخليج وإفريقيا الوسطى وشرق القارة. غير أن هذه المزايا ستظل كامنة إذا استمر التعامل معها باعتبارها موارد للتصدير، لا مدخلات لبناء اقتصاد صناعي متكامل.
وتؤكد التجارب الدولية أن الدول التي حققت القفزات التنموية لم تكن الأكثر امتلاكاً للموارد، بل الأكثر كفاءة في إدارتها. فقد بنت كوريا الجنوبية اقتصاداً تزيد قيمة صادراته اليوم على 600 مليار دولار تقريباً رغم محدودية موارده الطبيعية، بينما أصبحت هولندا، ذات المساحة الزراعية المحدودة، من أكبر مصدري المنتجات الزراعية عالمياً بفضل التكنولوجيا الزراعية، والتصنيع الغذائي، وكفاءة الخدمات اللوجستية. إن الدرس الذي تقدمه هذه التجارب هو أن الميزة التنافسية لم تعد تُولد في الحقول والمناجم، وإنما في المصانع، ومراكز البحث، وشبكات الابتكار.
وبحلول عام 2040 ستتغير قواعد المنافسة الاقتصادية بصورة أعمق. فالذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والاقتصاد الرقمي، وتقنيات الزراعة الذكية، والطباعة ثلاثية الأبعاد، ستعيد توزيع مراكز الإنتاج العالمية. ولن يكون الرابح هو من يمتلك المواد الخام فقط، بل من يمتلك القدرة على دمجها بالمعرفة والتقنية. ومن هنا فإن السودان يملك فرصة نادرة لتجاوز النموذج الريعي التقليدي والانتقال مباشرة إلى اقتصاد قائم على القيمة المضافة، إذا جعل من إعادة بناء الاقتصاد مشروعاً للتحول الهيكلي لا مجرد استعادة لما كان قائماً.
ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تتحول السياسات الاقتصادية من تشجيع تصدير المواد الخام إلى تحفيز التصنيع المحلي، وربط الحوافز الضريبية بنسبة القيمة المضافة، وإنشاء مناطق صناعية متخصصة قرب مناطق الإنتاج، وتوجيه التمويل نحو الصناعات التحويلية، وربط الجامعات بمراكز الابتكار، واستقطاب استثمارات نوعية تنقل التكنولوجيا بدلاً من الاكتفاء بشراء المواد الأولية.
إن التحدي الذي يواجه السودان ليس نقص الموارد، بل غياب الفلسفة الاقتصادية التي تديرها. فالاقتصاد الذي يبيع المادة الخام ويستورد المنتج النهائي يظل اقتصاداً تابعاً مهما بلغت وفرة موارده. أما الاقتصاد الذي يضيف المعرفة إلى موارده، ويصنع علاماته التجارية، ويقود سلاسل القيمة، فإنه يتحول إلى اقتصاد منتج للثروة لا مجرد مصدر لها.
وعندما ننظر إلى السودان من نافذة عام 2040، فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه السياسات العامة ليس: كيف نزيد الصادرات؟ بل: كيف نضاعف القيمة التي تحملها هذه الصادرات؟ فذلك هو الفارق بين اقتصاد يستهلك المستقبل، واقتصاد يصنعه. وإذا كان القرن العشرون هو قرن الموارد الطبيعية، فإن العقود المقبلة ستكون بلا شك قرن اقتصاد القيمة المضافة؛ ومن ينجح في هذه المعادلة لن يمتلك اقتصاداً أكبر فحسب، بل اقتصاداً أكثر مرونة، وأكثر تنافسية، وأكثر قدرة على صناعة الازدهار المستدام
habobsalah@gmail.com
