د. أسامة خليفة محمد
أستاذ جامعي
أثناء متابعتي لأحد النشرات الإخبارية المحلية على شاشة تلفزيون السودان حول الاستعدادات الجارية لامتحانات الشهادة السودانية، استوقفني تعديل مسمى “وزارة التربية والتعليم” السودانية ليصبح “وزارة التعليم والتربية الوطنية”. أتمنى ألا يكون هذا التغيير مجرد إعادة ترتيب للمفردات، بل أن يكون إعلانا عن توجه استراتيجي جديد يبشر بنية صادقة لإعادة صياغة مفهوم التربية والتعليم في السودان.
إن إدراج كلمة “الوطنية” في صلب المسمى الوزاري ليس من قبيل الزخرفة اللغوية، بل هو اعتراف صريح بأن دور المؤسسة التعليمية لم يعد مقصوراً على نقل المعرفة وتلقين المعلومات. لقد آن الأوان لتمتد رسالتها إلى بناء الشخصية المتكاملة، وصقل الوجدان، وغرس القيم الوطنية. إن سودان ما بعد الحرب بأمس الحاجة إلى تعليم لا يُنتج موظفين بالمعنى التقليدي، بل يُخرج مواطنين حقيقيين، يدركون حقوقهم وواجباتهم تجاه وطنهم وأرضهم وإنسانهم.
إن خطوة إعادة تسمية الوزارة ينبغي ألا تظل مجرد تعديل في الشكل لا في المضمون، بل أن تشكل حجر الزاوية في مشروع وطني شامل للإصلاح التربوي. فبناء الأمم يبدأ بالفصول الدراسية. وعندما تتحول “التربية الوطنية” إلى منهج تعليمي وسلوك يومي، سنتمكن من تحصين الأجيال القادمة ضد سموم خطابات الكراهية والتمزق المجتمعي الذي نعيشه اليوم، وندفع ثمنه غالياً في الأرواح والممتلكات.
الحرب الحالية، بكل قسوتها، فرضت على السودانيين وقفة تأمل مع الذات الوطنية، وأجبرتهم على تفكيك “الأزمة السودانية” التاريخية بعيدا عن الحلول السطحية. لقد بات واضحا أن حالة “إدمان الفشل السياسي”، التي لازمت الدولة السودانية منذ الاستقلال، لم تأت من فراغ؛ بل هي حصيلة تراكمية لخلل بنيوي عميق في منظومة الانتماء والقيم. وقد يتفق معي معظم السودانيين اليوم، وهم يتابعون مآلات الصراع الدموي في الساحة السياسية، على أن قدرا كبيرا من هذا الانهيار يعود في جذوره إلى خلل في منظومة التربية والتعليم والتربية الوطنية. كسودانيين، علينا الاعتراف بأننا قد سمحنا ولسنوات طويلة بأن يطغى الولاء للأيديولوجيا الحزبية، أو الخطاب الديني المسيّس، أو العصبية القبلية والجهوية، على حساب الولاء للوطن الجامع.
نأمل أن تكون هذه التسمية الجديدة “وزارة التعليم والتربية الوطنية” خطوة حقيقية نحو بناء الوعي، واعترافا بأن المعركة الحقيقية للسودان هي معركة بناء الإنسان السوداني الذي يضع مصلحة بلاده فوق كل ولاء حزبي أو جهوي. لكننا في الوقت نفسه نحذر من أن تتحول هذه البادرة إلى مجرد شعارات براقة للاستهلاك الإعلامي، ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الوزارة في تشكيل شخصية سودانية قويمة، تضع مصالح الوطن في قمة أولوياتها. فإن وفق القائمون على هذه الوزارة في ترجمة المسمى إلى مناهج وسلوك، فقد نكون على أبواب فتح جديد في تاريخ السودان. وإن مضت الأمور كما هي، فسيظل التغيير مجرد كلمة إضافية في لافتة، لا في الضمير ولا في الوجدان السوداني
abuduaa74@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم