من السودان الى سوريا: صعود التيارات الإسلامية المسلحة بين الاحتواء والتوظيف والانكشاف

د. عمرو محمد عباس محجوب

بعد عام من سقوط سوريا الاسد وبروز دولة سوريا الجولاني الشرع احاول تقديم قراءة كيف عبر قراءة الماضي ان نقرأ مستقبل العالم العربي والإسلامي.

لم تنشأ التيارات الإسلامية الجهادية في فراغ، ولا يمكن فهم مسارها بوصفه نتاج “تطرّف ديني” مجرد، بل هو حصيلة تفاعل معقّد بين أزمات الدولة الوطنية العربية، واستراتيجيات الاحتواء الغربية، وانسداد الأفق السياسي والاجتماعي في العالمين العربي والإسلامي. والسؤال اليوم لم يعد: كيف نشأت هذه التيارات؟ بل: هل هي في طور النهوض أم التداعي؟ وما موقعها في مستقبل المنطقة؟

أولًا: من الإصلاح إلى التسييس – الجذور الإخوانية: مثّلت جماعة الإخوان المسلمين، منذ تأسيسها، محاولة للجمع بين الدعوة والتنظيم والسياسة. ومع أنها لم تكن جهادية في أصلها، إلا أن: التنظيم الهرمي المغلق، تقديس الجماعة و فكرة “التمكين” وفّرت لاحقًا أرضية فكرية وتنظيمية لانشقاقات أكثر راديكالية، خصوصًا بعد صدامها مع الدولة الوطنية في مصر وسوريا والعراق. الغرب، خصوصًا خلال الحرب الباردة، لم يعادِ هذه التيارات بقدر ما رآها أداة توازن في مواجهة القومية العربية واليسار، وهو ما سيتكرر لاحقًا بصيغ أكثر فجاجة.

ورغم أن الإخوان لم يكونوا تنظيمًا جهاديًا بالمعنى العسكري، فإن أدبياتهم احتوت على عناصر أساسية شكّلت لاحقًا قاعدة للفكر الجهادي، أبرزها: فكرة الحاكمية (كما طوّرها لاحقًا سيد قطب). تصور المجتمع باعتباره يعيش في “جاهلية حديثة”. مشروعية “التغيير الجذري” عند انسداد الأفق السياسي. هنا حدث الانقسام البنيوي: تيار إصلاحي–سياسي (المشاركة، التدرج). وتيار راديكالي ثوري.

ثانيًا: الجهاد الأفغاني وبداية العولمة القتالية: شكّل الجهاد الأفغاني (1979–1989) اللحظة التأسيسية للجهاد المعولم عبر رعاية أمريكية-خليجية-باكستانية وتحويل “الجهاد” إلى شبكة عابرة للحدود ومن ثم إنتاج نخبة قتالية مؤدلجة خارج أي سياق وطني. لكن بانتهاء الحرب الباردة، انقلب السحر على الساحر. فُكّكت التحالفات، وظهرت القاعدة كتنظيم معادٍ للغرب، لا بوصفه نقيضًا له، بل كـابنٍ غير شرعي لسياساته.

ثالثًا: من القاعدة إلى داعش – من العداء للغرب إلى الوظيفة الجيوسياسية: مثّلت داعش قطيعة حتى مع القاعدة باعتبارها لا مشروع تحرر، بل سلطة رعب، لا عدو مركزي، بل تفكيك الدول والمجتمعات ولا “أمة”، بل سوق دم مفتوحة. في العراق وسوريا، أدّت وظيفة موضوعية – وإن لم تكن معلنة – تمثلت في: تدمير ما تبقى من الدولة الوطنية واستنزاف المجتمعات السنية وإعادة رسم الخرائط بما يخدم أمن إسرائيل وتوازنات ما بعد الربيع العربي. وهنا لم تعد المسألة “توظيفًا عرضيًا”، بل تقاطُع مصالح بين فوضى الجهادية ومشاريع التفكيك الإقليمي. لم تكن داعش “صنيعة مباشرة”، بل نتاج بيئة صُمّمت لتنتجها.

رابعًا: الربيع العربي وخيبة “الإسلام السياسي”: كشفت ثورات 2011 حدود الإسلام السياسي “الناعم”: بعجزها عن إدارة الدولة والارتهان للخارج والخوف من الجماهير أكثر من خوفه من الأنظمة. فكان الانقسام: تيار تم احتواؤه أو سحقه وتيار جهادي ازداد تطرّفًا وانكشافًا

خامسًا: النموذج التركي و”الإسلام الوظيفي”: يمثل صعود شخصيات مثل الدبيبة في ليبيا والشرع في سوريا (ضمن رعاية تركية-أمريكية غير مباشرة) تحوّلًا جديدًا: إسلام منزوع الراديكالية وقابل للضبط الأمني ووظيفته إدارة الفوضى لا تغيير الواقع. هذا ليس “نهوضًا” للتيارات الإسلامية، بل تحويلها إلى أدوات محلية منخفضة الكلفة ( كتحربة الباشبوزق في التركية او الإدارة الاهلية في السودان المستعمر) ضمن نظام إقليمي تُمسك مفاصله قوى كبرى. هذا النموذج ليس جهاديًا تقليديًا وليس إسلامًا سياسيًا ديمقراطيًا بل إسلام أمني وظيفي.

سادسًا: السودان – من الجهاد السلطوي إلى الانهيار: في السودان، تلاقت الجهادية مع الدولة نفسها في تبني الدولة ل”جهاد” رسمي في التسعينيات بتحالف بين الإسلاميين والسلطة ثم تفكيك شامل للدولة والمجتمع. اليوم، لا تملك التيارات الإسلامية المسلحة في السودان: لا شرعية شعبية ولا مشروع وطني ولا استقلالًا عن المحاور الإقليمية وهي جزء من الأزمة لا أداة خلاص.

لا وجود حقيقي لتيارات جهادية منظمة لان المجتمع السوداني رافض للتوحش الداعشي والصراع الحالي سياسي–عسكري–إقليمي لا أيديولوجي. السودان يُظهر أن الجهادية تفشل حيث توجد ذاكرة دولة ومجتمع متماسك نسبيًا.

الخلاصة: نهوض أم تداعٍ؟

تدل كل المؤشرات حول العالم وفي السودان ان التيارات الإسلامية الجهادية ليست في طور النهوض، بل في: مرحلة انكشاف تاريخي وفقدان السردية وتحوّلها من “حركات” إلى “وظائف”

تيارات الإسلام السياسي و الجهادي ليست مستقبل العالم العربي والإسلامي، بل أحد أعراض أزمته التاريخية. نشأت من فشل الدولة، استُخدمت في الصراع الدولي، وانهارت عند أول اختبار للحكم. لم تعد التيارات الإسلامية الجهادية تمثل أفقًا للتحرر أو النهضة، بل أصبحت أعراضًا لانهيار الدولة العربية.

مستقبل العالم العربي والإسلامي لن يُحسم عبر هذه التيارات، ولا حتى التيارات التي حكمت وتجبرت في أوطانها والأحزاب التي صنعها المستعمر في القرن العشرين بل عبر: إعادة بناء الدولة والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. كل هذا عبر قوى جديدة في طور التشكيل في كل المجتمعات وتحتاج من الجميع التفحص والتأمل والتفرس لقراءة تشكلها وتطورها.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …