من الهيمنةِ للهيمنةِ..وعدُ العمة الحنون في ساحة بكين

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com

في يوم “عيد النصر”، الثالث من سبتمبر 2025، ظهر الرئيس الصيني تشي جين بينغ على صهوة سيارة فارهة، بملامح العمة الفاضلة التي تحرص على مصالح أبناء أخيها الذين توفيت والدتهم للتو، وإلى جانبه ضيوف دوليون يُعد ظهورهم في تلك الساحة عنوانا لرسائل كثيرة، يتقدمهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون. كان المشهد غير مسبوق: منصة متحركة يخاطب منها الرئيس فرق الجند ويستعرضهم وسط ميدان تتردد فيه دقات الطبول العسكرية كصدى لإمبراطورية تنهض.
تقدّمت أمامه تشكيلات من الأسلحة البرية والجوية والبحرية، بعضها يعمل بالذكاء الاصطناعي، وبعضها شاهد على غباء الإنسان نفسه، حتى بدا أن العرض يروي قصة القوة دون أن ينطق بكلمة. وحين صمتت الموسيقى، وتوقفت المركبات، وأغلق الجند حناجرهم المفعمة بالحماس، رفع الرئيس رأسه وأعلن بصوت حازم: “لقد انتهى قانون الغاب.”
غير أن خلف هذه العبارة ظل سؤال يطارد الأذهان: هل انتهى حقا قانون الغاب، أم أن العالم يشهد ولادة مفترس جديد في طور آخر من أطوار العلاقات الدولية؟
مهما يكن من أمر، هذا الوعد، إذا تأمله دارسو العلاقات الدولية، لا يمكن أن يُفهم بسهولة. فهل يمكن فعلا أن ينتهي قانون الغاب؟ وهل ما يشهده العالم اليوم من صراعات وتحالفات وتوازنات قوة هو بداية لنهاية هذا المنطق، أم أنه مجرد إعادة إنتاج له بصيغة جديدة، أكثر تعقيدا وأشد مراوغة؟
للإجابة عن ذلك، يجب العودة إلى الجذور، إلى لحظة التأسيس الأولى للعلاقات الدولية الحديثة. فبينما ينطلق معظم الباحثين من صلح ويستفاليا عام 1648 كنقطة البداية، يرى الكاتب أن هذا المنظور يغفل محطة أكثر حسما في التاريخ: عام 1492. ذلك العام الذي شهد ثلاثة أحداث كبرى شكّلت عالم اليوم: سقوط غرناطة ونهاية الحكم الإسلامي في الأندلس، اكتشاف كريستوفر كولومبوس للعالم الجديد، وبداية الطرد الجماعي لليهود والمسلمين من إسبانيا.
في هذا العام تحديدا، بدأت أوروبا تتوسع خارج قارتها، لتطلق عصر الإمبراطوريات الاستعمارية الذي رسم خريطة العالم السياسية والاقتصادية. لم يعد الصراع مجرد شؤون إقليمية بين ممالك وإمارات متجاورة، بل تحوّل إلى مشروع كوني للسيطرة، حيث صارت البحار والمحيطات والجزر البعيدة جزءا من مسرح التنافس. إن النظر للنظام الدولي من زاوية 1492 يغير الفهم جذرياً، إذ يكشف أن التوسع والسيطرة لم يكونا مجرد سياسات ظرفية، بل التعبير الأول عن هيمنة كونية في طور التشكل.
على العموم ، في حقل العلاقات الدولية هناك مفردة مهمة تفسر جوهر العلاقات الدولية، هي الهيمنة (Hegemony)، ويُنظَر إليها ضمن أطر نظرية متعددة، لكن كل إطار يضيء وجها معينا منها دون أن يحيط بها كاملة.
يرى الواقعيون (Realists) أن العالم محكوم بمنطق القوة والمصلحة، بحيث تسعى الدول إلى تعظيم قدراتها ضمن بيئة فوضوية تفتقر إلى سلطة مركزية. الهيمنة هنا هي النتيجة الطبيعية لتوازن القوى، فالدولة الأقوى تفرض إرادتها على غيرها، كما هيمنت بريطانيا في القرن التاسع عشر، وكما تهيمن الولايات المتحدة اليوم. بهذا المعنى، كان صلح ويستفاليا إعلانا رسميا عن شرعنة الهيمنة عبر مفهوم السيادة، حيث لم تُنهِ الحروب بل نظّمتها تحت قواعد جديدة.
أما الماركسيون (Marxists)، فينظرون إلى الهيمنة من زاوية مختلفة، فهي بالنسبة لهم ليست مجرد صراع دولي على النفوذ، بل امتداد لعلاقات الإنتاج. فالعلاقات الدولية، في جوهرها، مرآة للنظام الرأسمالي العالمي. الإمبريالية، وفق رؤية لينين، هي أعلى مراحل الرأسمالية، حيث تُصدَّر التناقضات الاقتصادية إلى الخارج عبر الاستعمار والتوسع، فتُنهب الأطراف الأضعف لضمان استمرار تراكم رأس المال في المراكز. هنا تصبح الهيمنة أداة لحماية بنية اقتصادية غير متكافئة، لا مجرد لعبة بين دول متساوية السيادة.
فالهيمنة بوجه عام هي الرديف الطبيعي للقوة Power ووجهها الآخر، وهي البطانة الداخلية التي تكسو العلاقات الدولية في جوهرها. فهي الحاكم الخفي الذي يضبط إيقاع لعبة الأمم ويمنحها معناها الحقيقي. فالعالم لا يقوم على ساحة رومانسية تتناجى فيها الدول بلغة السلام والمحبة والتعاون، بل على ميدان صراع تُمارس فيه القوة بمختلف صورها: عسكرية، واقتصادية، وثقافية.
فالهيمنة كمتغير أساسي لا تتوقف عند حدود الدولة أو الاقتصاد، بل تمتد عميقاً في النفس البشرية والاجتماع الإنساني. فداروين أشار إلى “صراع البقاء”، حيث البقاء للأقوى، وهو الأساس الطبيعي الذي يجعل الهيمنة سلوكا متجذرا في الكائنات الحية. وماكس فيبر رأى أن كل سلطة لا تكتفي بالقوة، بل تسعى لتبرير ذاتها عبر أشكال الشرعية الثلاثة: التقليدية، والكاريزمية، والعقلانية القانونية.
أما الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي فقدّم مفهوم “الهيمنة الثقافية”، موضحاً كيف تفرض الطبقة الحاكمة رؤيتها للعالم، ليس فقط عبر القسر، بل من خلال جعل هذه الرؤية تبدو وكأنها الحقيقة الطبيعية والمسلَّم بها. ثم جاء الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ليبيّن أن حتى الفضاء العام، الذي يُفترض أن يكون مجالاً للنقاش الحُر، قد يتحول إلى أداة للهيمنة الرمزية، حيث يُحتكر الخطاب والمعرفة، وتُوجَّه إرادة الناس دون وعي منهم.
بهذا المعنى، تصبح الهيمنة جزءا من الطبيعة البشرية ومن الاجتماع الإنساني، قبل أن تكون ظاهرة سياسية أو اقتصادية. إنها التعبير الأعمق عن ميل الإنسان – فردا أو جماعة – لفرض ذاته على الآخر، سواء بالسيف، أو بالقانون، أو بالكلمة (الخطاب).
لقد جاء وعد الرئيس الصيني بإنهاء قانون الغاب كمفارقة تاريخية. فالصين، في عرضها العسكري الأخير، لم تقدم للعالم مشروعا مختلفا يتجاوز منطق الهيمنة. فهي ما زالت تتمسك بعضويتها الدائمة في مجلس الأمن وبحق الفيتو، وهو الامتياز الأكبر الذي كرّس فكرة الهيمنة على المسرح الدولي.
وتمضي الصين في تنفيذ مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative – BRI) التي، رغم فوائدها الاقتصادية، تُحكِم قبضتها على ممرات التجارة العالمية، دون اعتبار للبيئة أو لحقوق الشعوب أو لأنظمة الحكم التي تتعامل معها. فالصين لا تبالي إن كان شريكها ديمقراطيا أو ديكتاتوريا، ما دامت مصالحها مضمونة.
إن إعلان نهاية قانون الغاب، لن يعدو كونه صعود مفترس جديد إلى قمة السلسلة الغذائية. الغرب، عبر تاريخه الاستعماري، “أكل” العالم بأنيابه الحادة وأظافره، بينما تعد الصين اليوم بأنها ستأكله بالشوكة والسكين؛ أي بأسلوب أكثر نعومة وأقل صخباً، لكن النتيجة واحدة: استمرار الهيمنة.
فالهيمنة، في العلاقات الدولية، مثل قوانين الفيزياء، لا تفنى ولا تُستحدث من العدم، بل تتحول من صورة إلى أخرى. وما يطرحه الرئيس الصيني ليس إنهاءً لها، بل وضعها في حالة كمون وتوظيفها لصالحه، ضمن المنطق الرأسمالي ذاته الذي يحكم النظام الدولي.
أما الحديث عن القضاء عليها او على قانون الغاب، فلن يتعدى كونه أضغاث أحلام تراود الزعماء في لحظات استعراض القوة، أحلام سرعان ما تتبدد عندما ينكشف النص الخفي الذي يُكتب به التاريخ: أن الغابة هي ذاتها لم تتغير، وأن كل ما يتبدل هو أسماء المفترسين وأدواتهم.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …