من تجارة الجَلّابة إلى اقتصاد الحرب ثم اقتصاد السلام: كيف يعيد السودان بناء سوقه الوطنية ويحوّل كبار التجار من شبكات النفوذ إلى محركات للإنتاج والتصدير؟
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تُظهر فصول المقال بمجملها أن التجارة الداخلية والخارجية في السودان لم تكن مجرد نشاط اقتصادي منفصل عن السياسة والمجتمع، بل كانت إحدى البنى الأساسية التي قامت عليها الدولة والاقتصاد وشبكات النفوذ والثروة، وأن فهم مسارها قبل الحرب وأثناءها وبعدها ضروري لفهم كيفية إعادة بناء الاقتصاد السوداني نفسه. فقد ظل الاقتصاد السوداني قبل الحرب يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير السلع الأولية، ولا سيما الذهب والماشية والمحاصيل الزراعية والصمغ العربي والسمسم، مقابل الاعتماد على الواردات في الغذاء والوقود والآلات والسلع المصنعة، مع استمرار اختلالات هيكلية عميقة تمثلت في ضعف التصنيع، محدودية القيمة المضافة المحلية، ضعف البنية التحتية، تعدد أسعار الصرف، ارتفاع تكاليف النقل والتمويل، واتساع الاقتصاد غير الرسمي. وتؤكد بيانات التجارة الدولية أن قيمة صادرات السلع السودانية بلغت نحو 3.13 مليار دولار في 2024 مقابل واردات بلغت نحو 4.91 مليار دولار، أي عجز تجاري يقارب 1.78 مليار دولار، مع انكماش صادرات السلع بنسبة 13.6% خلال العام نفسه، في سياق الانكماش الاقتصادي والحرب.
وتوضح الدراسة أن التجارة الداخلية قبل الحرب كانت تقوم على شبكة واسعة ومعقدة من المنتجين الزراعيين والرعاة والوسطاء وتجار الجملة وتجار التجزئة وشركات النقل والمخازن والأسواق المحلية والإقليمية، وأن كبار التجار كانوا يمثلون حلقة مهمة بين الإنتاج والاستهلاك وبين السودان والأسواق الخارجية. ولم تكن قوة كبار التجار ناتجة فقط عن حجم رأس المال، وإنما أيضاً عن قدرتهم على الوصول إلى التمويل والعملات الأجنبية والمعلومات وشبكات النقل والتخزين والعلاقات مع المؤسسات الحكومية والموانئ والأسواق الحدودية. لذلك تداخلت التجارة المشروعة مع الاقتصاد غير الرسمي وشبكات الوساطة، وأصبحت بعض السلع، وخاصة الذهب والماشية والمحاصيل النقدية، مرتبطة بشبكات تجارية تتجاوز الحدود الرسمية للدولة.
كما يبين المقال أن الاقتصاد السوداني قبل الحرب كان يعاني من مشكلة جوهرية تتمثل في ضعف قدرة الدولة على تنظيم الأسواق بصورة متوازنة. فقد أدت القيود الإدارية، والرسوم المتعددة، والتهريب، والاختلالات النقدية، وصعوبة الحصول على التمويل الرسمي، إلى دفع جزء مهم من النشاط التجاري نحو قنوات غير رسمية. وفي الوقت نفسه ظل كبار التجار قادرين على لعب أدوار اقتصادية مهمة في تأمين السلع وتوفير التمويل والنقل والتخزين وربط المنتجين بالأسواق، الأمر الذي يجعل التعامل معهم في مرحلة ما بعد الحرب أكثر تعقيداً من مجرد اعتبارهم مشكلة ينبغي إقصاؤها أو احتكاراً ينبغي تفكيكه. فالسياسة الأكثر واقعية هي التمييز بين التجارة المشروعة والاستثمار المنتج من جهة، وبين الاحتكار والتلاعب والتهريب وغسل الأموال وتمويل النزاع من جهة أخرى.
وتشكل الحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023 نقطة تحول جذرية في البنية التجارية السودانية. فقد أدت العمليات العسكرية إلى تدمير أو تعطيل المصانع والمخازن والأسواق وطرق النقل والموانئ والبنية المصرفية والاتصالات، كما أدت إلى انقسام المجال الاقتصادي بين مناطق تخضع لسلطات ومراكز نفوذ مختلفة. وتزامن ذلك مع انهيار شديد في النشاط الاقتصادي؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023، ثم بنحو 14% إضافية في 2024.
وأدت الحرب إلى تحويل التجارة من نشاط اقتصادي طبيعي إلى أحد آليات البقاء والتكيف مع الصراع. فأصبح نقل السلع بين المناطق محفوفاً بالمخاطر، وظهرت تكاليف إضافية مرتبطة بالحواجز والطرق البديلة والحماية والرشاوى والخسائر الأمنية، بينما أدت صعوبة الوصول إلى التمويل الرسمي وانهيار بعض المؤسسات المصرفية إلى زيادة الاعتماد على النقد والذهب والتحويلات والشبكات التجارية الخاصة. وفي كثير من المناطق أصبحت الأسعار لا تعكس فقط تكلفة الإنتاج والنقل، وإنما أيضاً مستوى الأمن وإمكانية الوصول إلى السوق والسيطرة على طرق التجارة.
وأعاد النزاع كذلك تشكيل خريطة التجارة الداخلية. فقد تراجعت قدرة الأسواق المركزية التقليدية على أداء وظائفها، وظهرت مراكز تجارية بديلة في المناطق الأكثر أمناً نسبياً، كما تغيرت طرق نقل السلع بين مناطق الإنتاج والاستهلاك. وأصبحت المدن والولايات والمناطق الحدودية تؤدي أدواراً تجارية جديدة بحسب موقعها العسكري والأمني واتصالها بالدول المجاورة والموانئ والطرق الرئيسية. وهكذا أصبحت الجغرافيا السياسية للحرب عاملاً مباشراً في تحديد الأسعار وتوافر السلع وحركة التجار.
وكان الذهب بصورة خاصة من أهم القطاعات التي أعيد تشكيلها أثناء الحرب. فقبل الحرب كان الذهب يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، لكنه أصبح خلال الحرب أيضاً أداة للسيولة والتحوط من انهيار العملة ومخزناً للقيمة ومصدراً محتملاً لتمويل شبكات اقتصادية مرتبطة بالصراع. ولذلك فإن إصلاح تجارة الذهب بعد الحرب لن يكون مسألة جمركية أو مالية فقط، وإنما سيحتاج إلى نظام متكامل للتتبع والترخيص والشفافية ومكافحة غسل الأموال وربط المنتجين الصغار بالأسواق الرسمية.
كما أدى النزاع إلى إعادة تشكيل تجارة الماشية والمحاصيل والصمغ العربي والسمسم والفول السوداني واللحوم والجلود وغيرها من السلع الزراعية. فقد أصبحت الحرب تؤثر في الإنتاج نفسه من خلال النزوح وفقدان المدخلات وتعطيل الزراعة والرعي، ثم تؤثر في نقل المنتجات وتخزينها وتسويقها وتصديرها. وبذلك أصبحت سلسلة القيمة بأكملها معرضة للصدمات، وليس مجرد مرحلة واحدة من مراحل التجارة.
وتوضح بيانات بنك السودان المركزي أن الصادرات خلال النصف الأول من 2025 ظلت موزعة بين الذهب والثروة الحيوانية والسمسم والصمغ العربي والمنتجات الزراعية وغيرها، بما يعكس استمرار الطابع الأولي للاقتصاد التصديري حتى أثناء الحرب. كما تظهر البيانات وجود أسواق خارجية متعددة للصمغ العربي والسمسم وغيرها، بما يؤكد أن السودان يحتفظ بقدرة محتملة على استعادة علاقاته التجارية الدولية إذا تمكن من إعادة بناء الإنتاج والبنية التحتية والمؤسسات.
ويخصص المقال اهتماماً خاصاً لكبار التجار باعتبارهم فاعلاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً لا يمكن تجاهله في عملية إعادة الإعمار. فقد استفاد بعض كبار التجار خلال الحرب من امتلاك رأس المال وشبكات النقل والتخزين والاتصال بالأسواق الخارجية، وتمكنوا في بعض الحالات من الاستمرار في توفير السلع في ظروف كان فيها الاقتصاد الرسمي عاجزاً عن ذلك. لكن الحرب في الوقت نفسه خلقت فرصاً للثراء غير المشروع من خلال المضاربة والاحتكار والتهريب واستغلال فروق الأسعار والعملة، كما خلقت احتمالات لاستخدام التجارة في إخفاء الأموال أو تمويل أطراف النزاع.
ومن ثم يرفض المقال التفسير التبسيطي الذي يضع جميع كبار التجار في خانة واحدة. فهناك تجار ومنشآت يمكن أن يمثلوا رأس مالاً وطنياً ضرورياً لإعادة الإعمار، وهناك شبكات تجارية استفادت من ضعف الدولة والاقتصاد غير الرسمي، وهناك حالات قد ترتبط بتمويل الحرب أو غسل الأموال أو التهريب أو الاستيلاء على الأصول. والسياسة العامة الفعالة يجب أن تعتمد على التمييز القائم على الأدلة، والتحقق من الملكية ومصدر الأموال وسلاسل التوريد، بدلاً من العقاب الجماعي أو المصادرة العشوائية.
ويبين المقال أن التجارة الخارجية السودانية قبل الحرب كانت تعاني من تركّز الصادرات في عدد محدود من السلع الأولية والأسواق، وأن هذه البنية جعلت الاقتصاد شديد الحساسية لتقلبات أسعار السلع والصدمات السياسية. وقد أظهرت الحرب بصورة أكثر وضوحاً مخاطر الاعتماد على الذهب والماشية والمحاصيل الخام دون تطوير الصناعات التحويلية وسلاسل القيمة المحلية. ومن هنا فإن إعادة بناء التجارة الخارجية ينبغي ألا تعني ببساطة إعادة الصادرات إلى مستوياتها السابقة، بل ينبغي أن تهدف إلى تغيير نوعية الصادرات نفسها، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وتنويع الأسواق والمنتجات.
أما التجارة الداخلية في سودان ما بعد الحرب فينبغي أن تُعامل باعتبارها بنية تحتية اقتصادية واجتماعية للسلام. فاستعادة الأسواق والطرق والمخازن وسلاسل التبريد والنقل والتمويل ليست مجرد إجراءات اقتصادية، بل يمكن أن تساعد في إعادة الاتصال بين المناطق والمجتمعات التي فصلتها الحرب. ويمكن للأسواق المشتركة وشبكات النقل التجارية أن تؤدي دوراً في استعادة العلاقات الاقتصادية بين المجتمعات، شريطة ألا تصبح أدوات لإعادة إنتاج السيطرة أو تمويل الجماعات المسلحة.
ويؤكد المقال أن إعادة بناء التجارة يجب أن تبدأ من إعادة بناء الثقة. فالتاجر لن يستثمر في مخزن أو مصنع أو أسطول نقل إذا كان معرضاً للمصادرة أو الابتزاز أو العنف، والمزارع لن ينتج بكميات تجارية إذا لم يثق في إمكانية نقل محصوله وبيعه، والمستورد لن يدخل السوق إذا كان عاجزاً عن الحصول على العملة الأجنبية أو حماية حقوقه التعاقدية. لذلك فإن إصلاح سيادة القانون والأمن التجاري والقضاء والعقود والجمارك والقطاع المصرفي يمثل شرطاً سابقاً للتعافي التجاري.
وتتطلب المرحلة الانتقالية إنشاء نظام وطني حديث للمعلومات التجارية، يتضمن بيانات الإنتاج والأسعار وحركة السلع والاستيراد والتصدير والمخزون وأسعار النقل وأسعار الصرف. ويمكن استخدام المنصات الرقمية لتقليل فجوة المعلومات التي يستغلها الوسطاء والمضاربون، وربط المنتجين بالأسواق، وتحسين مراقبة الأسعار، وتقليل فرص الفساد في الجمارك والموانئ والتراخيص. كما ينبغي أن تصبح البيانات التجارية أكثر شفافية، مع حماية المعلومات التجارية الحساسة.
ويطرح المقال إصلاحاً عميقاً للجمارك والموانئ والمعابر الحدودية يقوم على الرقمنة، وإدارة المخاطر، والفحص الانتقائي، والنافذة الواحدة، والتبادل الإلكتروني للوثائق، وربط الجمارك بالمصارف والجهات الرقابية. فالهدف ليس زيادة عدد الإجراءات والرسوم، وإنما تقليل تكلفة التجارة وزمن التخليص وتحسين القدرة على اكتشاف التهريب والسلع المحظورة وغسل الأموال.
كما يقترح المقال تطوير استراتيجية وطنية لإعادة بناء كبار التجار والقطاع الخاص المنتج باعتبارهم شركاء في إعادة الإعمار، ولكن ضمن قواعد واضحة للحوكمة والمنافسة والشفافية. وينبغي أن ترتبط الحوافز العامة، مثل التمويل والضمانات والإعفاءات، باستثمارات ذات أثر تنموي واضح، مثل إنشاء المصانع والمخازن وسلاسل التبريد ومراكز التجميع والمسالخ الحديثة ومرافق التعبئة والتغليف والنقل، وليس بمجرد استيراد السلع أو المضاربة في العملات والعقارات.
وتتمثل إحدى أهم الدروس في ضرورة الانتقال من نموذج تصدير المواد الخام إلى نموذج سلاسل القيمة. فبدلاً من تصدير الحيوان الحي فقط، ينبغي تطوير اللحوم والجلود والمنتجات الحيوانية المصنعة؛ وبدلاً من تصدير المحاصيل الخام، ينبغي تطوير التنظيف والفرز والتعبئة والتصنيع؛ وبدلاً من تصدير الذهب الخام، ينبغي بناء منظومة رسمية للشراء والتكرير والتوثيق والتصدير؛ وبدلاً من تصدير الصمغ العربي كمادة أولية، ينبغي توسيع تصنيع مشتقاته ومنتجاته ذات القيمة الأعلى.
ويؤكد المقال أن السودان يمتلك فرصة مهمة لتنويع شركائه التجاريين وأسواقه، مستفيداً من موقعه الجغرافي بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي والشرق الأوسط، ومن ساحله على البحر الأحمر، ومن قربه من أسواق إقليمية كبيرة. غير أن الاستفادة من الموقع الجغرافي لن تتحقق تلقائياً، بل تتطلب استثماراً ضخماً في الطرق والموانئ والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية والاتصالات والطاقة، إلى جانب تحسين بيئة الأعمال.
وتبرز أهمية ميناء بورتسودان بوصفه البوابة البحرية الرئيسية للتجارة الخارجية، لكن المقال يحذر من بناء استراتيجية التجارة على ميناء واحد أو ممر واحد. فالصدمات الأمنية والسياسية والمناخية يمكن أن تعطل أي نقطة اختناق. ولذلك ينبغي بناء شبكة متعددة الممرات تربط مناطق الإنتاج بالموانئ والمعابر الحدودية، وتطوير النقل البري والسكك الحديدية والموانئ الجافة والمراكز اللوجستية الداخلية.
وتكشف الحرب كذلك عن ضرورة إعادة التفكير في الأمن الغذائي والتجارة في إطار واحد. فالاستيراد الغذائي قد يكون ضرورياً خلال مرحلة الطوارئ، لكنه لا يمكن أن يمثل استراتيجية طويلة الأجل لدولة تملك موارد زراعية ورعوية ضخمة. وفي المقابل فإن فرض القيود التجارية العشوائية لحماية المنتج المحلي يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ونقص السلع. المطلوب هو توازن بين حماية الإنتاج المحلي، واستقرار المستهلكين، وتشجيع الاستثمار الزراعي، وتوفير المدخلات، وتسهيل التجارة.
ويؤكد المقال أن الاقتصاد غير الرسمي لا يمكن القضاء عليه بقرار إداري. فوجوده يرتبط بتكاليف القطاع الرسمي وصعوبة الوصول إلى المصارف والتراخيص والضرائب وضعف الثقة بالدولة. ولذلك فإن أفضل سياسة هي إدماج النشاط التجاري تدريجياً في الاقتصاد الرسمي من خلال تبسيط التسجيل والضرائب، وتوفير خدمات مصرفية رقمية، وإتاحة التمويل الصغير والمتوسط، وتحسين حماية الملكية والعقود، بدلاً من الاعتماد على الحملات القمعية.
ومن أهم الدروس أيضاً أن سياسة ما بعد الحرب يجب أن تميز بين مكافحة الاحتكار وحماية كفاءة السوق. فوجود شركات تجارية كبيرة ليس مشكلة في حد ذاته، وقد يكون ضرورياً لإدارة سلاسل التوريد الوطنية والدولية، لكن المشكلة تظهر عندما تستخدم القوة السوقية لمنع المنافسين أو التحكم المصطنع في الأسعار أو السيطرة على المدخلات أو تخزين السلع بهدف المضاربة. لذلك ينبغي بناء جهاز منافسة مستقل وفعال، مع قواعد واضحة للاندماجات والممارسات الاحتكارية والإفصاح عن الملكية المستفيدة.
ويضع المقال كذلك مكافحة تمويل الحرب وغسل الأموال والتهريب في قلب السياسة التجارية المستقبلية. ويشمل ذلك معرفة المستفيد الحقيقي من الشركات، وتتبع العمليات المالية عالية المخاطر، وتشديد الرقابة على الذهب والمعادن والسلع الحدودية، وتحسين التعاون بين الجمارك والشرطة والسلطات المالية والبنك المركزي والنيابة والقضاء، مع حماية التجارة المشروعة وعدم تحويل الرقابة المالية إلى عائق أمام النشاط الاقتصادي.
ويخلص التحليل إلى أن إعادة إعمار التجارة السودانية ينبغي أن تتم على مراحل مترابطة. تبدأ المرحلة الأولى باستعادة الحد الأدنى من الأسواق والطرق والتمويل وتدفق السلع الأساسية، ثم تنتقل المرحلة الثانية إلى إصلاح الجمارك والموانئ والقطاع المصرفي وسلاسل الإمداد، ثم تأتي مرحلة إعادة التصنيع وزيادة القيمة المضافة وتنويع الصادرات، بينما تركز المرحلة الأطول على بناء اقتصاد تجاري تنافسي ومندمج إقليمياً ودولياً.
وفي المجال المؤسسي، ينبغي إنشاء آلية وطنية لتنسيق سياسة التجارة وإعادة الإعمار تضم الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين والرعاة والمصارف والنقل واللوجستيات والولايات والمجتمعات المحلية والجهات البحثية، مع منع تحويلها إلى أداة لسيطرة مجموعة تجارية أو سياسية واحدة. ويجب أن تستند القرارات إلى بيانات قابلة للتحقق ومؤشرات أداء محددة، وأن تخضع للمراجعة والتقييم المستمر.
ويؤكد المقال أن كبار التجار يمكن أن يكونوا جزءاً من الحل وليسوا بالضرورة جزءاً من المشكلة، لكن مشاركتهم يجب أن تكون مشروطة بالشفافية والمنافسة وعدم الارتباط بتمويل العنف. وفي المقابل ينبغي ألا تؤدي سياسات العدالة الانتقالية أو مكافحة الفساد إلى تجريم النشاط التجاري المشروع أو خلق حالة من عدم اليقين تؤدي إلى هروب رأس المال. المطلوب هو تحقيق توازن بين المساءلة والعدالة من جهة، واستعادة الاستثمار والقدرة التجارية من جهة أخرى.
وتكشف التجربة السودانية أن الحرب لم تدمر فقط قدرة الدولة على تنظيم التجارة، وإنما كشفت نقاط الضعف التي كانت موجودة قبلها: ضعف التنويع، الاعتماد على السلع الأولية، محدودية التصنيع، ارتفاع تكلفة النقل، ضعف النظام المصرفي، تعدد أسعار الصرف، اتساع الاقتصاد غير الرسمي، ضعف المنافسة، وقصور المعلومات الاقتصادية. ولذلك فإن العودة إلى نموذج ما قبل الحرب لن تكون كافية؛ فالهدف ينبغي أن يكون بناء نظام تجاري أكثر تنوعاً وشفافية وقدرة على الصمود أمام الأزمات.
وتشير البيانات الحديثة إلى حجم التحدي. فقد قدر البنك الدولي أن أكثر من 11.6 مليون شخص كانوا قد تعرضوا للنزوح القسري داخل السودان أو إلى دول الجوار حتى 16 مارس 2026، وأن 21.2 مليون شخص، أي نحو 41% من السكان، كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وهذا يعني أن إعادة بناء التجارة ليست مشروعاً لزيادة الصادرات فقط، وإنما جزء من مشروع أوسع لاستعادة القدرة على إطعام السكان وربط المنتجين بالأسواق وإعادة بناء سبل العيش.
وتشير البيانات الدولية إلى أن السودان لا يزال يمتلك قاعدة تصديرية يمكن البناء عليها؛ فقد بلغت صادرات السلع نحو 3.134 مليار دولار في 2024، والواردات نحو 4.911 مليار دولار، كما بلغ إجمالي تجارة السلع نحو 8.046 مليار دولار وفق بيانات التجارة الدولية. وهذه الأرقام، رغم انخفاضها الكبير مقارنة بحجم الإمكانات الاقتصادية للسودان، تؤكد وجود شبكة تجارية دولية يمكن إعادة بنائها وتوسيعها.
والخلاصة العامة لكل فصول المقال هي أن مستقبل التجارة السودانية لن يتحدد فقط بكمية الأموال التي ستدخل البلاد بعد الحرب، وإنما بقدرة السودان على إعادة بناء المؤسسات والأسواق والثقة والقواعد التي تحكم انتقال السلع ورأس المال والمعلومات. فإعادة فتح الأسواق دون إصلاح الأمن والقانون ستعيد إنتاج اقتصاد الحرب، وإعادة بناء الموانئ دون إصلاح الجمارك ستبقي تكاليف التجارة مرتفعة، وزيادة الصادرات دون تنويع الإنتاج ستعيد إنتاج هشاشة الاقتصاد، ودعم كبار التجار دون قواعد منافسة وشفافية قد يعزز التركّز الاقتصادي، بينما إقصاء كبار التجار بصورة عشوائية قد يحرم البلاد من رأس المال والخبرة وشبكات التوزيع التي تحتاج إليها عملية إعادة الإعمار.
وبناءً على ذلك، فإن النموذج الأكثر واقعية لسودان ما بعد الحرب هو نموذج تجاري يقوم على خمسة مبادئ مترابطة: استعادة التجارة الداخلية باعتبارها أساساً للتعافي الاجتماعي والاقتصادي؛ إعادة بناء التجارة الخارجية على أساس التنويع والقيمة المضافة؛ تحويل كبار التجار والقطاع الخاص المنتج إلى شركاء في إعادة الإعمار ضمن قواعد صارمة للشفافية والمنافسة؛ دمج الاقتصاد غير الرسمي تدريجياً بدلاً من محاولة القضاء عليه بالقوة؛ وربط التجارة بسياسات السلام والأمن الغذائي والتصنيع والبنية التحتية والعدالة الانتقالية.
وعليه، فإن الهدف النهائي ليس استعادة التجارة السودانية إلى ما كانت عليه قبل 15 أبريل 2023، وإنما استخدامها كأداة لإعادة بناء اقتصاد سوداني أكثر إنتاجية وتنوعاً وعدالة وقدرة على الصمود؛ اقتصاد تكون فيه الأسواق جسوراً بين الولايات والمجتمعات، والتجارة الخارجية مصدراً للعملة والاستثمار لا مجرد تصريف للمواد الخام، وكبار التجار مستثمرين وشركاء اقتصاديين خاضعين للقانون لا مراكز نفوذ فوقه، والدولة منظماً للسوق وحامياً للمنافسة والملكية والعقود لا منافساً للتجار أو أداة لاحتكار الموارد. ويشكل هذا التحول جوهر الدرس الأهم الذي تستخلصه الدراسة من التجربة السودانية قبل الحرب وأثناءها: أن إعادة بناء التجارة بعد الحرب ليست عودة إلى الماضي، بل إعادة تأسيس للعلاقة بين الدولة والسوق والإنتاج والمجتمع على أسس أكثر شفافية وتنافسية وقدرة على الصمود.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: التجارة السودانية بين وظيفة دمج البلاد وخطر تمويل الحرب
كانت التجارة في السودان، تاريخياً ومعاصراً، أكثر من مجرد نشاط لتبادل السلع؛ فقد كانت إحدى الآليات الرئيسية لدمج الأقاليم والأسواق والمجتمعات في اقتصاد وطني واحد، ومصدراً لتراكم رأس المال الخاص، ووسيطاً بين الإنتاج الزراعي والحيواني والأسواق الحضرية والتجارة الخارجية. وتطورت طبقة التجار السودانيين من شبكات القوافل والتجارة البعيدة التي عُرفت تاريخياً باسم «الجَلّابة» إلى شركات الاستيراد والتصدير والتمويل والنقل والتصنيع والتوزيع الحديثة، مع استمرار أهمية العلاقات الأسرية والشبكات الاجتماعية والثقة والائتمان التجاري في تنظيم التجارة (Manger، 1984؛ Walz، 2018). وتنبع أهمية دراسة التجارة في سودان ما بعد الحرب من أن الاقتصاد السوداني لا يستطيع استعادة إنتاجه أو أمنه الغذائي أو قدرته على خلق الوظائف أو استقرار عملته من دون استعادة وظيفة السوق نفسها: أي قدرة السلع على الانتقال، ورأس المال على الحركة، والمعلومات على الانتشار، والعقود على الإنفاذ، والمدفوعات على التسوية، والموانئ والطرق والمخازن والأسواق على العمل بصورة متصلة.
وكان الاقتصاد السوداني عشية حرب 15 أبريل 2023 يعاني بالفعل من اختلالات هيكلية عميقة: ضعف الإنتاجية، نقص النقد الأجنبي، تضخم مرتفع، تعدد أسعار الصرف، ضعف البنية التحتية، محدودية التمويل التجاري، انتشار الاقتصاد غير الرسمي، وتداخل النشاط التجاري المدني مع المصالح الاقتصادية للمؤسسة العسكرية والأمنية. وقد أظهر تحليل سابق أن الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية كانت ذات حضور واسع في الزراعة والصناعة والغذاء والطاقة والنقل والخدمات، فيما حددت قاعدة بيانات لمركز الدراسات المتقدمة للدفاع والأمن 408 كيانات مرتبطة بالنخب الأمنية والعسكرية، شملت تكتلات زراعية ومصارف وشركات استيراد طبي وغيرها (C4ADS، 2022). وأصبحت هذه البنية جزءاً من مشكلة الاقتصاد السياسي السوداني لأنها لم تكتفِ بإضافة فاعلين اقتصاديين إلى السوق، وإنما خلقت في حالات عديدة تفاوتاً في القدرة على الوصول إلى الدولة والائتمان والعملات الأجنبية والأصول العامة والأسواق (C4ADS، 2022؛ US Department of State، 2022).
كانت التجارة الخارجية بدورها شديدة التركّز في عدد محدود من السلع الأولية، وعلى رأسها الذهب والماشية والسمسم ومنتجات زراعية أخرى، بينما اعتمدت البلاد بصورة كبيرة على استيراد القمح والوقود والسكر والآلات والمدخلات الإنتاجية. ووفق بيانات الأونكتاد، بلغ إجمالي التجارة السلعية السودانية في 2024 نحو 8.045 مليار دولار، منها 3.134 مليار دولار صادرات و4.911 مليار دولار واردات، بعجز تجاري يقارب 1.777 مليار دولار، بينما انخفضت الصادرات السلعية بنسبة 13.6% خلال 2024 (UNCTAD، 2025).
أدت الحرب إلى تحويل هذه الاختلالات السابقة إلى أزمة تجارة وطنية شاملة. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023 ثم 14% أخرى في 2024، قبل أن يسجل ارتداداً تقديرياً بنحو 3.1% في 2025، وهو ارتداد يعكس بدرجة كبيرة قاعدة الأساس المنخفضة وتحسناً جزئياً في النشاط الاقتصادي وعودة بعض السكان إلى مناطق أكثر أمناً، وليس عودة الاقتصاد إلى مستوى ما قبل الحرب (World Bank، 2026).
وتزامن ذلك مع تدمير المصانع والمخازن، تفكك طرق النقل، اضطراب النظام المصرفي، ارتفاع تكاليف التأمين والنقل، انهيار القدرة الشرائية، تجزئة الأسواق بحسب السيطرة الإقليمية، واتساع التجارة غير الرسمية والتهريب. وقد أظهرت دراسة للقطاع الخاص في 2026 أن متوسط إيرادات المنشآت المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة انخفض 35.8%، وأن 87.8% من الشركات النازحة أغلقت، فيما قالت 71% من المنشآت المغلقة إنها تعتزم إعادة فتح أعمالها خلال سنة إذا تحسنت الظروف (UNDP، 2026).
ولا تكمن المشكلة إذن في أن «التجارة توقفت»، بل في أن نظام التجارة تغيرت قواعد عمله. ففي المناطق التي ما زالت فيها الأسواق تعمل، أصبح الوصول إلى الطريق والوقود والمخزن والسيولة والمعلومة والأمن أهم من مجرد امتلاك رأس المال. وتحول بعض التجار إلى مديرين لشبكات مخاطر، بينما تحول آخرون إلى وسطاء في اقتصاد الحرب، وأصبح التمييز بين التجارة التي تحافظ على حياة السكان والتجارة التي تمول الحرب مسألة مركزية في السياسة الاقتصادية والأمنية والقانونية.
تقوم هذه الدراسة على فرضية رئيسية مفادها أن إعادة بناء التجارة بعد الحرب ينبغي ألا تعني إعادة النظام السابق كما كان، ولا استبدال احتكارات عسكرية باحتكارات مدنية جديدة، وإنما الانتقال من «اقتصاد قائم على الوسطاء والامتيازات والريع» إلى «نظام تجاري تنافسي ومندمج وشفاف وقادر على الصمود». ويقتضي ذلك إعادة بناء الطرق والموانئ والجمارك والمدفوعات، وإعادة دمج الأسواق الإقليمية، وتمويل التجارة، ورقمنة سلسلة التوريد، وتطوير القيمة المضافة، وحماية المنافسة، وإخضاع الشركات العسكرية للملكية والرقابة المدنية، وتطبيق العناية الواجبة على السلع المرتبطة بالنزاع، وإشراك كبار التجار في إعادة الإعمار من دون منحهم امتيازات احتكارية.
منهجية ترتيب المقال وبناء حجته
تم ترتيب مادة المقال وفق تسلسل سببي وسردي يتوافق مع أفضل الممارسات في بناء المقالات التحليلية في الاقتصاد السياسي: يبدأ التحليل بالبنية التاريخية والمؤسسية للتجارة والتجار، ثم ينتقل إلى تركيب التجارة الخارجية والأسواق الداخلية قبل الحرب، ثم يفسر العلاقة بين رأس المال التجاري والدولة والمؤسسة العسكرية واقتصاد الحرب، ثم يحلل التحول الذي أحدثته الحرب في الأسواق وسلاسل القيمة والتمويل والذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية، وبعد ذلك ينتقل إلى دور كبار التجار والقطاع الخاص في الصمود، وينتهي ببناء نموذج عملي لإعادة التجارة في مرحلة ما بعد الحرب. وبذلك لا تُعرض الأرقام والأمثلة كجزر منفصلة، وإنما تستخدم لإثبات سلسلة من العلاقات: ضعف التكامل قبل الحرب ← عسكرة الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعاملات ← تجزئة الأسواق أثناء الحرب ← توسع التجارة غير الرسمية واقتصاد الحرب ← ضرورة بناء سوق وطنية موحدة وقطاع خاص تنافسي في مرحلة السلام.
الفصل الأول: من طرق القوافل إلى الشركات الحديثة — كيف تشكلت البنية التجارية السودانية؟
الجَلّابة وشبكات التجارة البعيدة: الجذور التي سبقت الدولة الحديثة
نشأت التجارة السودانية الحديثة من تفاعل ثلاثة أنماط رئيسية: التجارة المحلية بين المجتمعات الزراعية والرعوية، والتجارة البعيدة عبر الصحراء ووادي النيل والبحر الأحمر، والتجارة المرتبطة بالمراكز السياسية والإقليمية والدولية. ويعود استعمال مفهوم «الجَلّابة» إلى تاريخ طويل من التجار المتنقلين وشبكات التجارة بين السودان ومصر ومناطق السودان المختلفة. ولم يكن هؤلاء التجار مجرد باعة صغار، بل شملت أنشطتهم التجارة بعيدة المدى والاستيراد والتصدير والوساطة والائتمان والنقل (Manger، 1984؛ Walz، 2018).
وفي فترة الحكم الثنائي البريطاني-المصري توسعت عملية إدماج مناطق الإنتاج الزراعي في الاقتصاد النقدي، وأصبح التجار العائليون، القادمون أساساً من مناطق وادي النيل وغيرها، ينتشرون في الأسواق الإقليمية بوصفهم وكلاء وشركاء في عملية تسويق المنتجات الزراعية. وبهذا تشكلت بنية تجارية متعددة المستويات تضم المنتج، والجامع المحلي، والتاجر الريفي، وتاجر الجملة، والوكيل، وتاجر المدينة، والمصدر أو المستورد، وشبكات النقل والتمويل (World Bank، 2015).
ولذلك فإن التاريخ التجاري السوداني لا يمكن اختزاله في صورة «التاجر الذي يشتري ويبيع». كان التاجر في اقتصاد ضعيف البنية التحتية يؤدي وظائف عديدة في الوقت نفسه: توفير السيولة، وتقديم الائتمان، وتجميع الإنتاج، وتحمل مخاطر التخزين، ونقل السلع، وتوفير المعلومات عن الأسعار، وربط مناطق الإنتاج بالأسواق البعيدة. وهذه الوظائف تفسر لماذا بقيت شبكات التجار قادرة على الصمود حتى عندما ضعفت مؤسسات الدولة.
من التاجر الفرد إلى رأس المال التجاري المنظم
منذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأ النموذج التجاري يتغير. ظهر المستورد الكبير، وشركات التوزيع، وشركات التصنيع الغذائي، وشركات النقل، والمؤسسات المصرفية، والمجموعات التجارية متعددة الأنشطة، وأصبح كبار التجار جزءاً من شبكة أوسع تضم الاستيراد والتصدير، والنقل البري والبحري، والتخزين، والمطاحن، والصناعات الغذائية، وتجارة الماشية، والمحاصيل النقدية، والصرافة والتمويل، والعقارات، والزراعة التجارية، والتعدين والذهب والخدمات اللوجستية.
وبالتالي فإن مفهوم «كبار التجار» في السودان المعاصر يجب ألا يفهم بوصفه مجموعة من أصحاب المتاجر الكبيرة فقط، وإنما بوصفه طبقة من أصحاب رأس المال التجاري واللوجستي والمالي الذين يستطيعون التحكم في حلقات متعددة من سلسلة القيمة. وهذه الخاصية تفسر القوة الاقتصادية لكبار التجار، لكنها تفسر أيضاً الخطر المحتمل من تركز السوق إذا امتلكت مجموعة محدودة في الوقت نفسه التخزين والنقل والاستيراد والتمويل والتوزيع.
التجارة والتكوين الاجتماعي للنخبة الاقتصادية
أنتج هذا التاريخ طبقة تجارية ذات نفوذ اقتصادي واجتماعي وسياسي. وأظهرت الأدبيات أن العلاقة بين الدولة والبرجوازية التجارية في السودان كانت إحدى القضايا المركزية في الاقتصاد السياسي، ولا سيما في الأسواق الزراعية، حيث كان التجار يمتلكون رأس المال والمعلومات والوصول إلى الأسواق، بينما امتلكت الدولة أدوات التنظيم والضرائب والسيطرة على بعض مسارات التجارة (Sultan، 1993).
وفي مناطق الشمال والشرق والمدن ارتبطت بعض الشبكات التجارية تاريخياً بالبنية الاجتماعية والسياسية للطوائف والأحزاب، بينما ارتبطت تجارة الأراضي والمحاصيل والثروة الحيوانية بشبكات أخرى. ولذلك لم يكن «التاجر الكبير» في أحيان كثيرة فاعلاً اقتصادياً محضاً؛ فقد كان وسيطاً بين الدولة والريف، وممولاً للإنتاج، ومقدماً للائتمان، وصاحب نفوذ محلي.
لكن هذه القوة التجارية لم تكن موزعة بالتساوي بين جميع السودانيين. فقد كانت التجارة الحديثة شديدة التركز جغرافياً واجتماعياً، وهو ما جعل بعض المجتمعات ترى في شبكات التجار الخارجيين مصدراً للفرص، بينما رأت فيها مجتمعات أخرى شكلاً من أشكال السيطرة الاقتصادية. وتظهر حالة كردفان، على سبيل المثال، أن العلاقة بين التجار والمنتجين كانت محكومة بتفاوتات في رأس المال والمعلومات والقدرة على الوصول إلى الأسواق (Sultan، 1993).
وهذه الملاحظة مهمة لسودان ما بعد الحرب: لا ينبغي أن تقوم سياسة التجارة الجديدة على محاربة التاجر، وإنما على توسيع قاعدة الملكية والمنافسة بحيث لا تبقى الوظائف التجارية الكبرى حكراً على شبكات اجتماعية أو جغرافية أو سياسية محددة.
الفصل الثاني: اقتصاد ما قبل الحرب — سوق واسعة ولكن غير مكتملة الاندماج وصادرات خام وواردات استراتيجية
لماذا لم تكن السوق السودانية سوقاً وطنية واحدة؟
كان السودان يمتلك سوقاً جغرافية ضخمة، لكنه لم يمتلك سوقاً وطنية متكاملة بالمعنى الاقتصادي الكامل. وهذه نقطة أساسية في فهم ما حدث بعد 15 أبريل 2023، لأن الحرب لم تبدأ من سوق موحدة ثم قسمتّها؛ بل فاقمت انقسامات كانت موجودة أصلاً.
أظهرت دراسة كمية لأسواق القمح والذرة الرفيعة، باستخدام بيانات شهرية طويلة ونموذج متجه تصحيح الخطأ، أن التكامل المكاني كان محدوداً حتى قبل الحرب. ومن بين 15 سوقاً للقمح و18 سوقاً للذرة الرفيعة، أمكن اكتشاف تكامل مكاني ذي دلالة بين ستة أسواق للقمح و11 سوقاً للذرة الرفيعة في الدراسة المنشورة، مع وجود أسواق عديدة لا تتكامل مع بقية البلاد. وكانت أسواق دارفور، بصورة خاصة، أقل اندماجاً مع الأسواق الأخرى، رغم وجود تكامل داخلي في بعض أسواق الإقليم (Abay، 2022؛ Abay، 2023).
وتشير النتائج إلى أن مسارات التجارة وشبكات الطرق تفسر جزءاً كبيراً من أنماط انتقال الأسعار. وهذا يعني أن ضعف البنية التحتية لم يكن مشكلة «نقل» فقط، وإنما كان عائقاً أمام تكوين سوق وطنية موحدة. كما كانت أسواق الولايات ذات الفائض أقل استجابة لتغيرات الأسعار في الأسواق المجاورة مقارنة بأسواق مناطق العجز، وكانت أسواق الذرة الرفيعة أكثر تكاملاً من أسواق القمح (Abay، 2022).
النقل: البنية غير المرئية التي تحمل الاقتصاد كله
كانت التجارة الداخلية تعتمد بصورة كبيرة على النقل البري. وتشير دراسات النظام الغذائي السوداني إلى أن النقل البري كان يمثل نحو 95% من حركة المحاصيل والغذاء داخل السودان، وأن نحو 55% من خدمات النقل بالشاحنات كانت توفرها شركات وأصحاب شاحنات فرديون (Kirui، 2023). وهذا يعني أن أي ارتفاع في الوقود أو رسوم الطريق أو مخاطر الأمن كان ينتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء.
وتكشف هذه الحقيقة لماذا لا يمكن أن تكون إعادة بناء التجارة بعد الحرب مشروعاً جمركياً أو مصرفياً فقط. فالطريق الزراعي، والجسر، ومحطة الوقود، ومخزن الحبوب، وسوق الجملة، وشاحنة النقل، كلها أجزاء من النظام التجاري نفسه.
اقتصاد تصديري أولي شديد التركّز
كانت المشكلة البنيوية الكبرى للتجارة الخارجية السودانية هي الاعتماد على مجموعة محدودة من السلع الأولية. وتشير بيانات الأونكتاد إلى استمرار الاعتماد الشديد على السلع الأولية في بنية الصادرات خلال السنوات السابقة للحرب، وهو ما جعل الاقتصاد شديد الحساسية لأسعار الذهب والمحاصيل والماشية والطلب الخارجي (UNCTAD، 2025).
وكان الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي في البرنامج المراقب لعام 2021 إلى أن قيمة صادرات الذهب المقدرة بلغت نحو 1.93 مليار دولار في 2021، ونحو 2.0 مليار دولار في 2022 ضمن تقديرات ميزان المدفوعات المستخدمة في البرنامج (IMF، 2021).
كما كانت الماشية والسمسم والصمغ العربي وغيرها من المنتجات الزراعية والحيوانية ذات أهمية كبيرة. غير أن المشكلة لم تكن فقط في نوع السلع، وإنما في ضعف القيمة المضافة محلياً. فالبلد الذي يصدر حيواناً حياً أو محصولاً خاماً يستحوذ على جزء أقل من القيمة العالمية مقارنة بالبلد الذي يصدر اللحوم المصنعة أو المنتجات الغذائية أو المكونات الصناعية.
الواردات: القمح والوقود والسكر والآلات والمدخلات
في الجانب الآخر، كان السودان يعتمد بصورة كبيرة على الواردات الغذائية والطاقة والآلات. وتكشف بيانات صندوق النقد الدولي عن عجز تجاري هيكلي كبير حتى قبل الحرب؛ فقد بلغ عجز تجارة السلع في تقديرات البرنامج نحو 4.16 مليار دولار في 2022، مع صادرات إجمالية تقارب 5.05 مليار دولار وواردات تقارب 9.44 مليار دولار في أحد جداول ميزان المدفوعات المنشورة في البرنامج (IMF، 2021). وتختلف أرقام قواعد البيانات بحسب تعريفات التجارة، والتوقيت، وسعر الصرف، وطرق تقدير الذهب والتجارة غير المسجلة؛ ولذلك يجب التعامل معها باعتبارها تقديرات إحصائية لا أرقاماً متطابقة بالضرورة بين جميع المؤسسات.
وكان القمح نموذجاً واضحاً لهذه التبعية. فقد كان السودان ينتج نسبة محدودة من استهلاكه من القمح، بينما كان يستورد الجزء الأكبر، وكانت روسيا وأوكرانيا من المصادر المهمة. وفي 2021–2022 أدى ارتفاع الأسعار العالمية المرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية إلى ضغط إضافي على الأسواق السودانية؛ وأظهرت تحليلات IFPRI ارتفاع سعر الجملة للقمح في الخرطوم بنحو 112% بين يوليو 2021 وفبراير 2022 (Breisinger، 2022).
وهكذا نشأت مفارقة استراتيجية: السودان يمتلك أرضاً زراعية وثروة حيوانية ومياه ومناخات متنوعة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى استيراد جزء مهم من غذائه ومدخلاته. ولذلك فإن السياسة التجارية بعد الحرب يجب أن تتعامل مع التجارة والاستثمار والإنتاج الزراعي بوصفها منظومة واحدة، لا ملفات منفصلة.
الفصل الثالث: كبار التجار والدولة والجيش — كيف تحولت التجارة من سوق إلى قضية اقتصاد سياسي؟
كبار التجار: ضرورة اقتصادية ومشكلة مؤسسية في الوقت نفسه
لا توجد قاعدة بيانات وطنية حديثة وموثوقة تسمح بإعداد قائمة شاملة وقطعية بأسماء «أكبر التجار السودانيين» وفق حجم المبيعات أو الأصول أو القيمة المضافة. وهذه فجوة إحصائية مهمة يجب ألا تُملأ بالتخمين أو بالأسماء المتداولة إعلامياً.
لكن يمكن تصنيف كبار الفاعلين التجاريين قبل الحرب إلى خمس مجموعات مترابطة: مجموعات الاستيراد والتوزيع التي كانت تتعامل في الغذاء والوقود والآلات والسلع الاستهلاكية؛ كبار المصدرين، ولا سيما في الذهب والثروة الحيوانية والسمسم والمحاصيل الزيتية والصمغ العربي؛ الشركات الزراعية والصناعية التي دمجت الإنتاج والتصنيع والتوزيع والتجارة الخارجية؛ الشركات العسكرية وشبه العسكرية أو المرتبطة بمراكز القوة؛ وأخيراً التجار المتوسطون والصغار الذين كانوا يشكلون الجزء الأكبر من شبكة التوزيع الفعلية داخل البلاد.
وتكمن أهمية المجموعة الأخيرة في أن «اقتصاد التجارة» السوداني لا يعمل بواسطة الشركات الكبرى وحدها؛ فالمزارعون والرعاة والسائقون والوكلاء وتجار الجملة وتجار الأسواق المحلية يشكلون شبكة واسعة لا يمكن استبدالها بسهولة بجهاز حكومي.
عسكرة الاقتصاد التجاري
كانت إحدى أهم مشكلات السودان قبل الحرب هي عدم الفصل الواضح بين الدولة والاقتصاد والأجهزة العسكرية والأمنية. وقد أشارت وزارة الخارجية الأمريكية إلى وجود عدد كبير من الشركات الحكومية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية، تعمل في الوقود والتخزين والطاقة والزراعة والسكك الحديدية والقطن والمنسوجات والغذاء وطحن الدقيق وتربية الحيوان وغيرها (US Department of State، 2022). وأظهر C4ADS في 2022 شبكة من 408 كيانات مرتبطة بالنخب الأمنية والعسكرية، بينها شركات زراعية ومصارف وشركات استيراد طبي (C4ADS، 2022).
المشكلة هنا ليست في مجرد امتلاك الدولة شركة أو وجود نشاط اقتصادي للمؤسسة العسكرية في حد ذاته، وإنما في غياب تكافؤ شروط المنافسة عندما يمتلك فاعل اقتصادي امتيازات سياسية أو أمنية أو مالية لا يستطيع المنافس المدني الحصول عليها.
وهذا التشوه المؤسسي مهم للغاية لأنه يجعل رأس المال التجاري يبحث عن الحماية السياسية بدلاً من زيادة الكفاءة، ويجعل الوصول إلى الدولة جزءاً من استراتيجية الربح، ويضعف الشركات التي تحاول المنافسة عبر الإنتاجية والابتكار.
التجارة واقتصاد الحرب: من «الريع» إلى «التمويل»
تنسجم التجربة السودانية مع الأدبيات الأوسع حول اقتصاديات الحرب الأهلية التي تؤكد أن الصراعات يمكن أن تتغذى من فرص السيطرة على الموارد والأسواق والطرق ومصادر التمويل، إلى جانب المظالم السياسية والاجتماعية (Collier، 2004).
وفي السودان تطورت المنافسة بين المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية على الموارد والأصول والشركات والأسواق إلى عنصر مركزي في الاقتصاد السياسي للصراع. وتوضح أبحاث IFPRI أن التنافس الاقتصادي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع كان جزءاً مهماً من البيئة التي سبقت الحرب، وأن الطرفين بنيا مصالح اقتصادية في الأرض والغذاء والزراعة والثروة الحيوانية والذهب وغيرها (Abushama، 2024؛ Resnick، 2026).
ومن هنا يجب التمييز بين «كبار التجار المدنيين» و«الفاعلين العسكريين التجاريين». فالخلط بين الاثنين يؤدي إلى سياسة خاطئة: كبار التجار المدنيون يمكن أن يكونوا جزءاً من الحل إذا خضعوا للمنافسة والضرائب والشفافية؛ أما الكيانات التي تستخدم القوة المسلحة أو النفوذ الأمني لفرض السوق فتحتاج إلى إصلاح ملكية وحوكمة وإخضاع للقانون.
الفصل الرابع: 15 أبريل 2023 — كيف حوّلت الحرب السوق السودانية إلى مجموعة من الأسواق المتنازعة؟
الانكماش الاقتصادي: انهيار الطلب والعرض معاً
أدت الحرب إلى واحدة من أعنف موجات الانكماش الاقتصادي في تاريخ السودان الحديث. وتشير أحدث بيانات البنك الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023 و14% في 2024، مع نمو تقديري بلغ 3.1% في 2025. كما تشير بيانات البنك الدولي إلى أن الإيرادات الحكومية انخفضت من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% خلال 2024–2025، في حين ارتفعت نسبة الفقر المدقع بصورة كبيرة (World Bank، 2026).
وتؤكد بيانات البنك الدولي أن هذا الانكماش لم يكن نتيجة انخفاض الطلب فقط، بل نتيجة تدمير القدرة الإنتاجية وتعطيل التجارة والخدمات والاتصالات والزراعة. وبالتالي فإن إعادة التجارة ليست سياسة نمو «لاحقة»؛ بل شرط أولي لاستعادة الاقتصاد نفسه.
المصانع والمخازن والنقل: سلسلة القيمة التي ضربتها الحرب من طرفيها
في دراسة مبكرة لقطاع التصنيع الغذائي، وجدت IFPRI أن 13% من شركات تصنيع الأغذية التي شملتها الدراسة توقفت نهائياً، و53% أغلقت مؤقتاً، و20% خفضت عملياتها بصورة كبيرة بحلول يوليو 2023 (Kirui، 2023). وأفادت 80% من الشركات بزيادة ندرة المدخلات الأساسية بسبب تعطيل النقل، بينما وضع 46% من الشركات العمال في إجازات غير مدفوعة الأجر. وهذه النتائج تبيّن أن الأزمة لم تكن أزمة «تجار» فقط؛ فقد ضربت كل حلقات سلسلة القيمة: المزارع، والمصنع، والمخزن، والسائق، والوسيط، وتاجر الجملة، والمستورد، والمستهلك.
وفي الوقت نفسه استخدمت بيانات الأقمار الصناعية لدراسة النشاط الاقتصادي خلال الحرب، وأظهرت أبحاث IFPRI أن النزاع تسبب في تعطيل الوصول إلى الأسواق والكهرباء والمياه والخدمات المصرفية، ودمر بنية تحتية رئيسية وأحدث اضطراباً في الإنتاج وسلاسل الإمداد (Abushama، 2023).
السوق الوطنية تتجزأ بحسب السيطرة على الطريق
أحد أخطر آثار الحرب هو تحول السودان من سوق وطنية غير متكاملة تماماً إلى مجموعة من الأسواق التي تفصل بينها خطوط السيطرة والنزاع.
أصبح انتقال السلعة يعتمد على من يسيطر على الطريق، ومن يسيطر على المعبر، ومن يسيطر على السوق، ومن يفرض الرسوم أو الجبايات، ومدى توفر الوقود، وقدرة الشاحنات على المرور، وتوفر النقد، وإمكانية التحويل المصرفي، ودرجة المخاطر الأمنية. ولذلك أصبحت تكلفة السلعة تتضمن «ضريبة الحرب» حتى عندما لا تكون هناك ضريبة رسمية.
وهنا تتضح أهمية ما أثبتته الدراسات السابقة للحرب بشأن ضعف تكامل الأسواق: عندما كانت الطرق والبنية التحتية ضعيفة قبل الحرب كانت الأسواق متباعدة؛ وعندما أضيفت إليها الحواجز المسلحة والرسوم غير الرسمية والنهب وتدمير الطرق، تحولت المسافات الاقتصادية إلى مسافات سياسية وعسكرية.
الغذاء: عندما تصبح التجارة جزءاً من الأمن القومي
أثبتت الحرب أن التجارة الغذائية جزء من الأمن القومي الإنساني. ففي 2024 قدر IFPRI أن نحو 21.3 مليون شخص واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي خلال أبريل ومايو، مع توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 25.6 مليوناً خلال يونيو–سبتمبر في السيناريو المستخدم آنذاك (Siddig، 2024). وفي 2026 تشير بيانات البنك الدولي إلى أن 21.2 مليون شخص، أي نحو 41% من السكان، كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي وفق آخر البيانات الواردة في صفحة السودان، بينما تجاوز عدد النازحين قسراً 11.6 مليوناً حتى مارس 2026 (World Bank، 2026).
ولا ينبغي قراءة هذه الأرقام بوصفها نتيجة «قلة الإنتاج» وحدها. فقد تكون السلعة موجودة في منطقة، لكنها لا تصل إلى منطقة أخرى؛ وقد ينتج المزارع محصولاً لكنه لا يستطيع الوصول إلى سوق مربحة؛ وقد يوجد الغذاء في مخزن لكنه يصبح باهظ الثمن بسبب الوقود والحواجز والمخاطر.
وهنا يتضح خطأ السياسات التي تفصل بين «الإغاثة» و«التجارة». ففي الحالات التي تسمح فيها الظروف، يمكن لدعم الأسواق المحلية والتجار والناقلين والمخازن أن يكون أسرع وأكثر استدامة من إنشاء نظام توزيع موازٍ كامل.
الفصل الخامس: الذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية — كيف تحولت سلع السودان الاستراتيجية إلى ساحات لصراع الموارد؟
الذهب: من مصدر للنقد الأجنبي إلى مركز لاقتصاد الحرب
كان الذهب قبل الحرب من أهم صادرات السودان، لكنه خلال الحرب أصبح أيضاً أحد أهم مصادر تمويل الأطراف المسلحة وشبكات التجارة غير الرسمية.
تشير دراسة Chatham House إلى أن السيطرة على الذهب والمنافسة على أصوله كانت من العوامل المهمة التي سبقت الحرب، وأن أطراف الصراع سعت أثناء الحرب إلى الحفاظ على السيطرة على الإنتاج والتجارة. كما تشير الدراسة إلى أن الحرب أحدثت انقساماً فعلياً في مناطق التعدين؛ فمناطق في البحر الأحمر والشمالية ونهر النيل وجنوب كردفان كانت ضمن نطاق سيطرة القوات المسلحة، بينما أصبحت مناطق في دارفور وغرب كردفان ضمن نطاق سيطرة قوات الدعم السريع، مع تغيرات ميدانية مستمرة (Soliman، 2025؛ Baldo، 2025).
وأدت الحرب إلى تعطيل استخراج الذهب والتجارة به، نتيجة خروج العمال الأجانب، وانقطاع واردات مستلزمات المعالجة مثل الزئبق والسيانيد والوقود، وارتفاع تكاليف النقل وتراجع قيمة العملة المحلية. وفي الوقت نفسه أعادت الأطراف المسلحة تشكيل مسارات التجارة لتتلاءم مع مناطق السيطرة والحدود.
وتكمن خطورة الذهب في أنه سلعة عالية القيمة، صغيرة الحجم، قابلة للنقل السريع، ولا تحتاج إلى بنية لوجستية ضخمة مثل الحبوب أو الماشية. ولذلك يمكن أن تكون أكثر ملاءمة للتهريب وتمويل شبكات الحرب.
وقد أشارت Chatham House إلى أن التجارة الذهبية السودانية ترتبط بشبكة عابرة للحدود تشمل المنتجين والتجار والمهربين والجماعات المسلحة والحكومات الخارجية، وأن عوائد الذهب أصبحت مصدراً مهماً لاستمرار الحرب (Soliman، 2025).
وتوضح بيانات وتقارير أحدث أن نسبة كبيرة من الذهب قد تخرج عبر قنوات غير رسمية، فيما تظل الدولة عاجزة عن تتبع كامل السلسلة من المنجم إلى التصدير. وفي أغسطس 2026 أفادت تقارير اقتصادية سودانية بأن الذهب ظل المصدر الأساسي للعملة الأجنبية وأن الأسعار المحلية تجاوزت 700 ألف جنيه للغرام في بعض الأسواق، في سياق انهيار قيمة العملة المحلية وارتفاع السعر العالمي (Sudan Tribune، 2026). وينبغي التعامل مع الأرقام السوقية المحلية باعتبارها مؤشرات صحفية على اتجاهات السوق، لا بديلاً عن الإحصاءات الرسمية القابلة للمراجعة.
الصمغ العربي: سلعة عالمية في قلب جغرافيا الحرب
يمثل الصمغ العربي نموذجاً بالغ الأهمية؛ فقد كان السودان قبل الحرب مسؤولاً عن نحو 70–80% من صادرات الصمغ العربي الخام العالمية، وظل مورداً مهماً لملايين السودانيين (OHCHR، 2026).
لكن الحرب أعادت تشكيل سلسلة القيمة. فقد تعرض العاملون والتجار للتهديد والاعتقال التعسفي والنهب والابتزاز، وتعرضت منشآت ومخازن سوق الصمغ العربي في النهود للنهب في مايو 2025، عندما كانت المخزونات جاهزة للتصدير، وهو ما تسبب في اضطراب التجارة المحلية وضرر كبير في سبل العيش (OHCHR، 2026).
كما أدى الانقسام الإقليمي إلى تحول مسارات الصادرات؛ فالكميات الخارجة من مناطق تحت سيطرة القوات المسلحة يمكن أن تتجه نحو بورتسودان، بينما أصبحت كميات من مناطق خاضعة للدعم السريع تسلك مسارات تهريب عبر الحدود. وحذرت الأمم المتحدة من احتمال دخول الصمغ السوداني إلى قنوات جمركية وتجارية في دول مجاورة باعتباره منتجاً محلياً، مما يصعّب إثبات منشئه ويعرض الشركات العالمية لمخاطر قانونية وأخلاقية (OHCHR، 2026).
وتؤكد تقارير رويترز هذه المشكلة من زاوية سلاسل الإمداد العالمية، إذ وثقت تزايد تهريب الصمغ من المناطق المتأثرة بالحرب إلى دول مجاورة، وما يترتب على ذلك من صعوبة في التحقق من مصدر المنتج بالنسبة للمشترين الدوليين (Reuters، 2025).
والدرس هنا مزدوج: يجب حماية العاملين في سلسلة الصمغ العربي، لكن يجب أيضاً حماية العلامة التجارية السودانية نفسها عبر نظام منشأ وتتبّع يطمئن الشركات العالمية إلى أن المنتج لم يمول الحرب.
الثروة الحيوانية: قوة تصديرية تحتاج إلى نظام صحي ولوجستي لا إلى فتح الحدود فقط
كانت الثروة الحيوانية من أهم صادرات السودان، وخاصة إلى أسواق الخليج، لكن تجارتها تعتمد على سلسلة من الخدمات لا يمكن اختزالها في وجود الحيوانات: التطعيم، الحجر البيطري، الفحص، الشهادات الصحية، التتبع، النقل، المياه، التغذية، المسالخ والتبريد.
وقد أظهرت الدراسات أن ضعف الالتزام المستقر بالمعايير الصحية والتطعيمات كان سبباً في فرض بعض الدول قيوداً على الحيوانات السودانية في فترات مختلفة (Resnick، 2026). وتضاعفت هذه المشكلة في الحرب بسبب تعطيل الخدمات البيطرية، وزيادة مخاطر الأمراض والنفوق، وتعطل الوصول إلى مراكز الحجر والأسواق.
ولذلك ينبغي أن تنتقل سياسة ما بعد الحرب من نموذج «تصدير الحيوان الحي» إلى نموذج سلسلة قيمة متكاملة تشمل تحسين السلالات والتسمين والخدمات البيطرية والحجر والتتبع الإلكتروني والمجازر الحديثة والتبريد وتصنيع اللحوم والجلود والمنتجات الثانوية. فالهدف ليس فقط زيادة قيمة الصادرات، وإنما خلق وظائف وقيمة مضافة داخل السودان وتقليل مخاطر توقف سوق الحيوانات الحية.
الفصل السادس: كبار التجار أثناء الحرب — من وظيفة الوساطة إلى إدارة المخاطر والنجاة الاقتصادية
التاجر بين إنقاذ السوق والاستفادة من الحرب
لا ينبغي النظر إلى التجار بمنظور أخلاقي ثنائي مبسط. ففي مناطق كثيرة كان التجار هم الذين حافظوا على تدفق الغذاء والدواء والوقود والسلع الأساسية عندما تعطلت مؤسسات الدولة. لكن الحرب تخلق في الوقت نفسه أرباحاً ريعية ضخمة لبعض الفاعلين عندما تنشأ الندرة والاحتكار والتهريب.
ولذلك يجب التمييز بين ثلاثة أنماط: التاجر الذي يتكيف مع الأزمة ويشتري وينقل ويخزن ويبيع في ظل مخاطر عالية ويؤدي وظيفة اقتصادية ضرورية؛ والتاجر الذي يستفيد من الندرة عبر الاحتكار أو المضاربة أو حجب المعلومات؛ والفاعل التجاري المرتبط باقتصاد الحرب الذي يشارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تمويل أو إخفاء أو نقل موارد تعود بالنفع على أطراف مسلحة.
السياسة العامة الصحيحة ليست معاقبة «كبار التجار» بصورة جماعية، وإنما بناء نظام قادر على التمييز بين هذه الفئات باستخدام السجلات التجارية والبيانات المالية والجمارك وسلاسل التوريد والعناية الواجبة.
كيف تغيرت استراتيجية كبار التجار؟
أدت الحرب إلى إعادة تشكيل طبقة كبار التجار. نقلت بعض الشركات مقراتها إلى بورتسودان، ونقلت أخرى موظفيها وأصولها، وأصبح بعضها يعتمد على مخازن صغيرة وشبكات لامركزية، بينما تحولت شركات أخرى إلى تجارة السلع ذات الدوران السريع.
وأصبحت السيولة والنقد الأجنبي أكثر أهمية من الربحية المحاسبية. وأصبح التاجر الذي يستطيع تأمين العملة الصعبة، والشاحنة الآمنة، والمخزن الآمن، والطريق الصالح، والمورد الخارجي، وشبكة المعلومات، والتمويل المسبق، أكثر قدرة على البقاء.
وهكذا تحولت التجارة من نشاط اقتصادي عادي إلى نشاط عالي المخاطر يتطلب إدارة أمنية ولوجستية ومالية.
انهيار المنشأة النازحة ليس بالضرورة نهاية التاجر
أظهرت استراتيجية UNDP للقطاع الخاص 2026–2028 أن نحو 87.8% من الشركات التي نزحت أغلقت، لكن 71% من الشركات المغلقة قالت إنها تعتزم إعادة فتح أعمالها خلال سنة. وهذه النتيجة شديدة الأهمية؛ لأنها تعني أن جزءاً كبيراً من رأس المال التجاري السوداني لم يُفقد نهائياً، وإنما يحتاج إلى الأمن والتمويل والطاقة والمعلومات والأسواق كي يعود (UNDP، 2026).
كما تشير الاستراتيجية إلى أن متوسط إيرادات المنشآت الصغيرة والمتوسطة انخفض 35.8%، وأن الزراعة والثروة الحيوانية والصمغ العربي لا تزال أساسية لملايين سبل العيش، وأن الري بالطاقة الشمسية يحافظ على الإنتاج في بعض الولايات الشرقية (UNDP، 2026).
وهذه الأرقام تقلب الفرضية التقليدية عن «إعادة الإعمار» رأساً على عقب: السودان لا يبدأ من الصفر، بل يمتلك رأس مال تجارياً ومؤسسياً وخبرة متراكمة يجب الحفاظ عليها وإعادة تشغيلها.
الفصل السابع: المصارف والموانئ والجمارك والطرق — إعادة بناء الجهاز الدوري للتجارة
الموانئ والبحر الأحمر: ضرورة التنويع وعدم الارتهان إلى عقدة واحدة
أصبحت بورتسودان أثناء الحرب مركزاً رئيسياً للحكومة والقطاع المصرفي والتجارة الخارجية. ووفق بيانات الأونكتاد بلغ إجمالي التجارة السلعية السودانية في 2024 نحو 8.046 مليار دولار، بينما بلغ عدد زيارات السفن للموانئ نحو 99 زيارة وفق المؤشر البحري المتاح، مع استمرار أهمية البحر الأحمر في حركة التجارة (UNCTAD، 2025).
لكن الاعتماد الشديد على ميناء واحد يخلق خطراً استراتيجياً. ولذلك يحتاج السودان بعد الحرب إلى تحديث بورتسودان، وتطوير سواكن والمرافق المتخصصة، وتحسين التخليص الجمركي، وإنشاء مناطق لوجستية، وتطوير الموانئ الجافة، وربط الموانئ بالسكك الحديدية، وإنشاء أنظمة رقمية لحركة البضائع، وتقليل زمن بقاء الحاويات.
ويجب أن ينظر إلى الميناء بوصفه جزءاً من ممر تجاري متكامل، لا مجرد رصيف للسفن. فإذا كانت الحاوية تصل إلى الميناء ثم تنتظر أياماً في التخليص أو تواجه طريقاً غير آمن أو تفتقر إلى النقل الداخلي، فإن الاستثمار في الرصيف وحده لن يخفض تكلفة التجارة.
البنوك والتمويل التجاري: الحلقة التي لا يمكن الاستغناء عنها
لا تستطيع التجارة الدولية الحديثة العمل من دون تمويل. لكن الحرب أدت إلى انتقال معظم البنوك الرئيسية إلى بورتسودان، وانخفاض القدرة التشغيلية للنظام المصرفي، واضطراب المدفوعات والتحويلات (World Bank، 2025).
وأدى ذلك إلى توسع استخدام النقد، وشبكات التحويل غير المصرفية، والعملات الأجنبية خارج النظام المصرفي، والمقاصة غير الرسمية والتحويلات عبر الشتات. وهذه الآليات تساعد الاقتصاد على البقاء، لكنها تزيد مخاطر غسل الأموال والتهريب وتقلبات سعر الصرف وتضعف قدرة الدولة على مراقبة التدفقات.
لذلك فإن إعادة بناء التجارة يجب أن تتضمن إعادة بناء نظام المدفوعات نفسه، وليس مجرد إعادة فتح البنوك. ويجب أن يشمل ذلك نظام دفع فوري وطني، ومحافظ رقمية، وتحويلات منخفضة التكلفة، وتمويل سلسلة التوريد، وضمانات ائتمانية، وتمويل التجارة، ونظام معلومات ائتماني.
الجمارك: من مؤسسة تحصيل إلى مؤسسة تسهيل ورقابة
تحتاج الجمارك السودانية بعد الحرب إلى تحول مؤسسي من التركيز على التحصيل المباشر إلى إدارة المخاطر وتسهيل التجارة وحماية الحدود في الوقت نفسه.
الأولوية ينبغي أن تكون للنافذة الواحدة، والتخليص الإلكتروني، والدفع الإلكتروني، وإدارة المخاطر، والفحص اللاحق، وتبادل البيانات مع الدول المجاورة، وتقليل الفحص المادي، ونشر التعرفة بوضوح، والحد من الاحتكاك المباشر بين الموظف والتاجر.
وينبغي إنشاء ممرات تجارية آمنة مع مصر وإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان وليبيا ودول البحر الأحمر، مع اتفاقات لتبادل المعلومات الجمركية ومكافحة التهريب، بدلاً من الاقتصار على تشديد الرقابة في نقاط الحدود.
الطرق والسكك الحديدية: الاستثمار الذي يخفض الأسعار من المصدر
إذا كانت تكلفة نقل السلعة بين منطقة الإنتاج والاستهلاك مرتفعة، فلن تنجح أي سياسة تجارية. ولهذا يجب إعطاء الأولوية للطرق الزراعية والطرق القومية والسكك الحديدية والجسور والمخازن والأسواق المركزية والموانئ الجافة والنقل المبرد.
وينبغي تحديد الأولويات وفق «أكبر عائد اقتصادي واجتماعي لكل كيلومتر»، لا وفق الاعتبارات السياسية أو الجهوية وحدها. والقاعدة العملية هي أن الطريق الذي يربط منطقة إنتاج كبيرة بمركز استهلاك أو ميناء أو مصنع يمكن أن يولد عائداً أكبر من طريق يخدم حركة محدودة.
الفصل الثامن: من اقتصاد الحرب إلى تجارة مسؤولة — الذهب والصمغ وسلاسل الإمداد بوصفها اختباراً للحوكمة
نظرية الأسواق المقاومة للصدمات
تؤكد أدبيات التنمية الحديثة أن الأسواق لا تختفي بالضرورة في النزاعات، بل تعيد تشكيل نفسها. ويشير نهج تنمية نظم السوق في البيئات الهشة إلى ضرورة الانتقال من سؤال «كيف نوفر السلع مباشرة؟» إلى سؤال «كيف نعيد قدرة السوق على توفيرها بصورة مستدامة؟».
وهذا مهم جداً للسودان. فبدلاً من بناء جهاز حكومي ضخم لتوزيع الغذاء، ينبغي في الحالات التي تسمح بها الظروف دعم التجار المحليين، وتوفير ضمانات ائتمانية، ودعم النقل والتخزين، وتوفير معلومات الأسعار، وحماية الأسواق من الابتزاز، وتمويل المنتجين.
ولا يعني ذلك ترك السوق بلا رقابة؛ بل يعني أن تكون الرقابة موجهة إلى السلوك الضار بالمنافسة وحقوق المستهلك وتمويل النزاع، بينما تظل وظيفة التوزيع والإمداد موزعة بين فاعلين اقتصاديين متعددين.
التجارة الحساسة للنزاع والعناية الواجبة
لا تكفي كفاءة التجارة وحدها. ففي بيئة ما بعد الحرب يجب أن يخضع كل مشروع تجاري كبير، ولا سيما في السلع عالية المخاطر، لتحليل أثر على النزاع.
وتوصي الأمم المتحدة الشركات العاملة في البيئات المتأثرة بالنزاع بإجراء عناية واجبة معززة بحقوق الإنسان، تشمل تحليل جذور الصراع، ورسم خريطة للفاعلين، وفهم كيفية تأثير النشاط التجاري في التوترات القائمة (UNDP، 2022).
ويعني ذلك أن الشركة التي تشتري محصولاً من منطقة نزاع يجب أن تعرف من يسيطر على المنطقة، ومن يفرض الرسوم، ومن يملك المخزن، ومن ينقل المنتج، ومن يستفيد مالياً، وما إذا كانت الشركة تدفع بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأي جماعة مسلحة.
وهذه القاعدة يجب أن تصبح جزءاً من القانون التجاري السوداني في قطاعات الذهب والصمغ العربي والماشية والموارد الطبيعية.
الذهب بعد الحرب: من «ذهب الحرب» إلى «ذهب السودان»
ينبغي بناء سلسلة وطنية ودولية للذهب تعتمد على تسجيل المناجم والتعدين الأهلي، ونظام تتبع رقمي من المنجم إلى مركز التجميع، وترخيص المشترين المحليين، وفصل شراء الذهب عن المؤسسات العسكرية، وتطبيق معايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بشأن العناية الواجبة في سلاسل المعادن من المناطق المتأثرة بالنزاع (OECD، 2016).
وتوفر معايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إطاراً قائماً على المخاطر لتحديد مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان وتمويل النزاعات وغسل الأموال داخل سلسلة المعادن. ولذلك ينبغي أن يتحول السودان من نظام يعتمد على «ختم التصدير» إلى نظام يعرف منشأ المعدن ومراحل انتقاله والجهات التي تعاملت معه.
والحل ليس إغلاق التعدين الأهلي؛ فهذا سيخلق سوقاً سوداء أكبر. الحل هو دمجه في نظام رسمي عبر شراء عادل، وضرائب معقولة، وتمويل قانوني، ومراكز تجميع قريبة من مناطق التعدين، وتوفير وسائل دفع آمنة.
الصمغ العربي: من الخام إلى القيمة المضافة
لا ينبغي للسودان بعد الحرب أن يكتفي بتصدير الصمغ الخام. فالقيمة الأعلى توجد في التنظيف والتصنيف والتجفيف والطحن والمعالجة والتجفيف بالرش واستخراج المنتجات المتخصصة والتعبئة والشهادات.
وقد أثبت القطاع الخاص السوداني أن الاستثمار في المعالجة المتقدمة ممكن؛ فقد أنشأت مجموعة «دال» منشأة للتجفيف بالرش للصمغ العربي، وهو مثال على إمكانية الانتقال من تصدير المادة الخام إلى إضافة قيمة محلية (Resnick، 2026).
وإذا جرى الجمع بين حماية سلسلة الإمداد ونظام منشأ رقمي ومصانع معالجة بالقرب من مناطق الإنتاج، يمكن للصمغ العربي أن يتحول من سلعة تستخدم لتوليد النقد الأجنبي الخام إلى صناعة تصديرية توفر وظائف وقيمة مضافة.
العناية الواجبة ليست عقوبة للتاجر
يجب ألا تُفهم العناية الواجبة باعتبارها أداة لمعاقبة التجار السودانيين. على العكس، يمكن أن تكون أداة لحمايتهم من العقوبات الدولية ومخاطر السمعة.
فإذا تمكن المصدر السوداني من إثبات منشأ الذهب أو الصمغ أو الماشية، وتوثيق سلسلة التوريد، وتقديم بيانات المالك المستفيد، يصبح أكثر قدرة على الوصول إلى البنوك والشركات الدولية.
ومن ثم فإن الشفافية ليست تكلفة فقط؛ إنها أصل اقتصادي يمكن أن يخفض تكلفة التمويل ويفتح الأسواق.
الفصل التاسع: إعادة تعريف دور كبار التجار والقطاع الخاص — من أصحاب الامتياز إلى شركاء في التعافي
لماذا يحتاج السودان إلى كبار التجار؟
لن ينجح التعافي الاقتصادي من دون كبار التجار. فهم يمتلكون رأس المال، ومعرفة السوق، وشبكات الموردين، وشبكات النقل، والقدرة على الاستيراد، والخبرة بالأسواق الخارجية، والمخازن، والعلاقات التجارية الدولية.
لكن إشراكهم يجب أن يكون مشروطاً بقواعد واضحة. ويمكن إنشاء «مجلس وطني للتجارة والتعافي الاقتصادي» يضم الحكومة، والغرف التجارية، واتحادات المنتجين، والبنوك، وشركات النقل، والتجار الكبار، والمشروعات الصغيرة، والتعاونيات، والنساء والشباب، والولايات، والمجتمع المدني، على أن تكون قراراته شفافة وغير احتكارية.
ولا ينبغي للمجلس أن يصبح غرفة تفاوض مغلقة بين الحكومة وكبار رجال الأعمال؛ بل يجب نشر محاضر اجتماعاته وقواعد تضارب المصالح ومؤشرات أدائه.
ماذا نفعل بكبار التجار المرتبطين باقتصاد الحرب؟
هذه من أكثر القضايا حساسية. لا ينبغي اعتماد قاعدة «كل تاجر كبير متهم»، ولا قاعدة «كل رأس مال سوداني يجب حمايته».
المعيار هو السلوك والملكية ومصدر الثروة. ويجب تطبيق فحص الملكية المستفيدة، وتدقيق مصادر الأموال، والتحقق من الصلات بالأطراف المسلحة، ومراجعة العقود الحكومية، ومراجعة التهريب الجمركي، ومراجعة الاستفادة من الأصول العامة، وتطبيق العقوبات الفردية عند وجود أدلة، مع توفير آلية استئناف قضائية.
وهكذا تتحول مكافحة اقتصاد الحرب من حملة سياسية إلى عملية قانونية قائمة على الأدلة.
الشركات العسكرية وشبه العسكرية: الإصلاح الذي لا يمكن تأجيله
تظهر الأدلة قبل الحرب وأثناءها أن المشكلة لم تكن «كبر حجم القطاع الخاص»، وإنما عدم تكافؤ قواعد المنافسة. ويمكن أن تتحول الشركات التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية إلى شركات مدنية بعد إعادة الهيكلة، أو شركات عامة مدرجة وشفافة، أو أصول سيادية، أو كيانات تصفى وتباع بطريقة شفافة.
لكن يجب ألا تنتقل ملكيتها ببساطة من عسكري إلى مدني مرتبط بالنخبة السياسية الجديدة. الإصلاح الحقيقي يتطلب كشف الملكية المستفيدة، وتقييم الأصول، وتدقيق الحسابات، ونشر القوائم المالية، ومنع تضارب المصالح، وإخضاع الشركات للمنافسة، وإخضاعها للضرائب والجمارك نفسها، ومنع استخدام القوة المسلحة لحماية المصالح التجارية.
منع احتكار ما بعد الحرب
أحد أخطر سيناريوهات ما بعد الحرب هو أن يتحول نقص رأس المال إلى مبرر لاحتكار السوق من قبل عدد قليل من المجموعات. وقد يبدو ذلك فعالاً في البداية، لكنه يعيد إنتاج المشكلة.
ولذلك يجب إنشاء هيئة مستقلة للمنافسة ومنع الاحتكار تتمتع بصلاحيات التحقيق في التواطؤ السعري، وتقسيم الأسواق، والتحكم في الواردات، والحصرية في التوزيع، وإساءة استغلال الوضع المهيمن، والاندماجات التي تضر بالمنافسة.
وينبغي أن تكون الأولوية للأسواق الغذائية والوقود والأدوية والمدخلات الزراعية، لأنها الأسواق التي يتحول فيها الاحتكار بسرعة إلى مشكلة اجتماعية وأمن غذائي.
الفصل العاشر: بناء السوق السودانية من جديد — الرقمنة والتمويل والطاقة والتجارة الإقليمية
من أسواق منفصلة إلى شبكة تجارية وطنية
ينبغي تطوير شبكة من مراكز التجارة الوطنية والإقليمية تربط مناطق الإنتاج الرئيسية بالموانئ ومراكز الاستهلاك. ويمكن أن تشمل هذه الشبكة بورتسودان وكسلا والقضارف وسنار والجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق والخرطوم الكبرى والأبيض ونيالا والفاشر ومراكز كردفان والشمال، مع مراعاة تغير خريطة السيطرة والأمن وإعادة الإعمار.
ولا يعني ذلك أن تكون هذه المراكز متساوية، بل أن تكون عقداً داخل شبكة لوجستية مترابطة، بحيث يكون لكل منطقة وظيفة واضحة: إنتاج، تجميع، تخزين، تصنيع، توزيع، تصدير أو استيراد.
رقمنة التجارة السودانية
أثبتت الحرب قيمة المعلومات. فالتاجر الذي يعرف السعر والكمية والمسار والوقود والأمن يستطيع اتخاذ قرارات أفضل، والمزارع الذي يعرف أسعار الأسواق المختلفة يستطيع اختيار مكان البيع.
لذلك يحتاج السودان إلى «منصة وطنية لمعلومات التجارة والأسواق» توفر أسعار الجملة والتجزئة، وأسعار الصرف، وتكاليف النقل، وتوافر السلع، وحالة الطرق، وأسعار الوقود، وحالة الموانئ، وبيانات الجمارك، ومعلومات الطقس والإنتاج الزراعي.
ويمكن بناء المنصة تدريجياً بالاعتماد على بيانات الهاتف المحمول، وتطبيقات التجار، ومسوح الأسواق، وبيانات الجمارك، مع حماية الخصوصية والبيانات التجارية الحساسة.
تمويل كبار وصغار التجار معاً
ينبغي ألا يذهب التمويل بعد الحرب إلى الشركات الكبيرة فقط. ويمكن إنشاء «صندوق ضمان التجارة السوداني» يضمن جزءاً من قروض التجار الصغار وشركات النقل والمطاحن ومخازن الحبوب والمسالخ ومصانع الأغذية وشركات التصدير والشركات الرقمية.
وتتوافق هذه الفكرة مع استراتيجية UNDP للقطاع الخاص 2026–2028 التي تقترح آليات تمويل مجتمعية، وحلول الطاقة الشمسية للاستخدام الإنتاجي، وتدريباً قصير الأجل تقوده غرف التجارة، وشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتمويلاً مختلطاً لتوجيه رأس مال الشتات نحو تعافي المنشآت الصغيرة (UNDP، 2026).
رأس المال السوداني في المهجر
يمتلك الشتات السوداني إمكانية أن يصبح مصدراً مهماً لتمويل التجارة، لكن التحويلات ينبغي ألا تستخدم للاستهلاك وحده.
يمكن إنشاء صندوق ضمان استثمار الشتات السوداني للمساعدة في ضمان قروض المشروعات، وتمويل الشركات الناشئة، وتمويل التخزين، والطاقة الشمسية، والنقل، والمصانع الصغيرة، وسلاسل القيمة الزراعية.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة لأن التحويلات أصبحت في ظروف الحرب وسيلة أساسية لدعم الأسر التي لا تستطيع الاعتماد على النظام المصرفي الطبيعي (UNDP، 2026).
الطاقة: التجارة لا تعمل بلا كهرباء
تحتاج التجارة الحديثة إلى الكهرباء للتبريد والتخزين والمطاحن والمسالخ والاتصالات. وتظهر تجربة الحرب أن الطاقة الشمسية أصبحت وسيلة للبقاء الإنتاجي في بعض المناطق الزراعية الآمنة، وخاصة في الولايات الشرقية (UNDP، 2026).
لذلك يجب ألا ينتظر السودان إعادة بناء الشبكة القومية بالكامل قبل إعادة بناء التجارة، بل يجب تطوير شبكات طاقة لامركزية للمناطق الإنتاجية والأسواق والمخازن ومصانع الأغذية.
التكامل الإقليمي بوصفه استراتيجية لتقليل المخاطر
ينبغي ألا يظل السودان معتمداً على سوق خارجية واحدة أو منفذ واحد أو شريك واحد. ويجب تطوير ممرات تجارية متعددة مع مصر وإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان وليبيا ودول البحر الأحمر، مع استخدام عضوية السودان في المؤسسات الإقليمية لتسهيل التجارة وتقليل الحواجز.
ويجب أن يكون الهدف هو تحويل موقع السودان الجغرافي من عامل هشاشة إلى ميزة لوجستية: البحر الأحمر في الشرق، ووادي النيل في الشمال، والأسواق الأفريقية في الغرب والجنوب، والروابط العربية والآسيوية عبر البحر الأحمر.
الفصل الحادي عشر: استراتيجية تنفيذية لسودان ما بعد الحرب — من أول 100 يوم إلى أول عشر سنوات
المرحلة الأولى: أول 100 يوم — إعادة تشغيل السوق قبل إعادة بناء الاقتصاد
ينبغي التركيز أولاً على تأمين الطرق التجارية الرئيسية، وفتح الأسواق المغلقة، وإزالة الحواجز والجبايات غير القانونية، وإعادة تشغيل البنوك الأساسية، وتوفير الوقود للنقل التجاري، وإعادة تشغيل الجمارك، وحماية المخازن، وإعادة فتح ممرات الغذاء، وإنشاء غرفة عمليات وطنية للأسواق.
وينبغي أن تكون الأولوية للسلع التي تؤثر مباشرة في بقاء السكان: الحبوب، البقوليات، الزيوت، السكر، الوقود، الأدوية، المدخلات الزراعية، ومستلزمات المياه والطاقة.
المرحلة الثانية: من 3 إلى 6 أشهر — استعادة الوظائف التجارية
يجب إعادة تأهيل الأسواق الرئيسية، وإطلاق ضمانات تمويل التجارة، ودعم النقل، وإعادة تشغيل الموانئ الجافة، وإنشاء نظام معلومات الأسعار، ودعم مطاحن الحبوب، وإعادة الخدمات البيطرية، وإنشاء نظام تتبع للذهب والصمغ العربي والثروة الحيوانية.
وهنا يجب أن يذهب جزء من التمويل مباشرة إلى الشركات التي كانت قائمة قبل الحرب ويمكنها إعادة التشغيل بسرعة، لأن استعادة شركة قائمة غالباً أقل تكلفة وأسرع من إنشاء شركة جديدة.
المرحلة الثالثة: من 6 إلى 12 شهراً — إصلاح القواعد
ينبغي إصلاح قانون المنافسة، ومراجعة الشركات العسكرية، ورقمنة الجمارك، وإطلاق صندوق ضمان التجارة، وإعادة تأهيل خطوط السكك الحديدية ذات الأولوية، وإنشاء مناطق صناعية غذائية، وتطوير الصادرات الزراعية.
ويجب أن تصاحب هذه العملية مراجعة شاملة للقوانين التي تجعل الحصول على التراخيص أو العملات الأجنبية أو الأراضي مرتبطاً بالوساطة السياسية.
المرحلة الرابعة: من سنة إلى سنتين — الانتقال من الاستيراد إلى التصنيع للتصدير
ينبغي الانتقال إلى التصنيع للتصدير، وتوسيع التجارة الإقليمية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وربط السودان رقمياً بالأسواق الخارجية، وتطوير الأسواق المالية، وتوسيع تمويل الشتات، وإنشاء بورصات سلعية فعالة وشفافة.
المرحلة الخامسة: من 3 إلى 5 سنوات — إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد
ينبغي خلال هذه المرحلة أن تنتقل الدولة من إدارة الأزمة إلى إدارة التحول الهيكلي. ويجب أن تزداد حصة الصناعات الغذائية واللحوم المصنعة والجلود والمكونات الزراعية والمنتجات الصيدلانية والخدمات اللوجستية، وأن تتراجع تدريجياً هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات الذهب والسلع الخام.
المرحلة السادسة: من 5 إلى 10 سنوات — السودان كممر تجاري إقليمي
الهدف طويل المدى هو تحويل السودان إلى منصة تجارة وخدمات لوجستية بين البحر الأحمر ووادي النيل ووسط وشرق أفريقيا، مع تطوير الموانئ والسكك الحديدية والمخازن والمناطق الحرة والصناعات المرتبطة بالتصدير.
وهذا يتطلب استقراراً سياسياً وقانونياً، لأن المستثمر لا يستطيع بناء سلسلة توريد تمتد لعشر سنوات في بيئة لا يعرف فيها قواعد الملكية والضرائب والجمارك.
مؤشرات قياس النجاح
ينبغي ألا تقاس السياسة التجارية بعدد المؤتمرات أو القوانين، وإنما بمؤشرات قابلة للقياس: انخفاض الفارق بين أسعار السلعة نفسها في الولايات؛ انخفاض تكلفة النقل لكل طن/كيلومتر؛ انخفاض زمن التخليص الجمركي؛ انخفاض نسبة التجارة غير الرسمية؛ ارتفاع حصة الصادرات المصنعة؛ زيادة عدد الشركات المصدرة؛ انخفاض تركّز الصادرات؛ زيادة صادرات الثروة الحيوانية الآمنة صحياً؛ ارتفاع نسبة الذهب المصدر رسمياً؛ زيادة القيمة المضافة للصمغ العربي؛ انخفاض تكاليف التمويل التجاري؛ ارتفاع نسبة المدفوعات الرقمية؛ زيادة مشاركة النساء والشباب في التجارة؛ انخفاض عدد الشركات التي تحصل على امتيازات حصرية؛ وزيادة نسبة الشركات التي تنشر ملكيتها المستفيدة.
ويمكن إنشاء «لوحة مؤشرات التجارة السودانية» تنشر كل ثلاثة أشهر، بحيث يصبح المجتمع والقطاع الخاص والبرلمان والولايات والمؤسسات الدولية قادرين على تقييم ما إذا كان الإصلاح يتقدم فعلاً.
الفصل الثاني عشر: أي اقتصاد تجاري سيخرج من الحرب؟ السيناريوهات والخلاصة النقدية والعقد التجاري الجديد
السيناريو الأول: عودة اقتصاد الحرب
في هذا السيناريو تعود المؤسسات العسكرية إلى الاقتصاد، وتظهر احتكارات جديدة، ويستمر تهريب الذهب والماشية والصمغ العربي، وتتحول الجبايات غير الرسمية إلى مصادر دخل مستقرة.
وهو أسوأ السيناريوهات، لأنه يعيد إنتاج الأسباب الاقتصادية للصراع ويجعل السلام هشاً.
السيناريو الثاني: رأسمالية أوليغارشية مدنية
تنتقل الأصول من العسكريين إلى عدد قليل من رجال الأعمال والسياسيين، فتختفي الشركات العسكرية شكلياً، بينما تستمر الاحتكارات. وهذا السيناريو أفضل من اقتصاد الحرب المباشر لكنه غير مستدام، لأنه يخلق طبقة جديدة من أصحاب الامتيازات قد تستخدم الدولة لحماية مصالحها.
السيناريو الثالث: اقتصاد سوق منظم
تتحول الدولة إلى واضع للقواعد، ويصبح كبار التجار شركاء اقتصاديين لا أصحاب نفوذ سياسي، وتدخل الشركات العسكرية في مسار قانوني شفاف، وتتوسع المشروعات الصغيرة، وتصبح الضرائب والمنافسة والقواعد واحدة للجميع.
وهذا هو السيناريو الأكثر واقعية واستدامة إذا توافرت إرادة سياسية وإصلاح مؤسسي.
السيناريو الرابع: اقتصاد تجاري تنموي
وهو السيناريو الأفضل: تستخدم الدولة التجارة لتغيير هيكل الاقتصاد نفسه، من تصدير الذهب والمواد الخام إلى تصنيع الأغذية واللحوم والصمغ والسمسم والفول السوداني والجلود والخدمات، وتصبح الطرق والموانئ والجمارك والتمويل الرقمي أدوات لزيادة الإنتاجية لا مجرد أدوات تحصيل.
الخلاصة النقدية: لا ينبغي أن تكون مهمة الدولة «القضاء على كبار التجار»
تكشف تجربة السودان قبل الحرب وأثناءها أن المشكلة لم تكن وجود كبار التجار في حد ذاته. كبار التجار كانوا ولا يزالون جزءاً ضرورياً من الاقتصاد، لأن التجارة تحتاج إلى رأس مال وشبكات ومعلومات وقدرة على تحمل المخاطر.
المشكلة كانت في طبيعة العلاقة بين رأس المال والدولة والقوة المسلحة. فحين يكون التاجر ناجحاً لأنه أكثر كفاءة، فهذا جزء طبيعي من اقتصاد السوق. أما حين يكون ناجحاً لأنه يحصل على احتكار أو إعفاء أو حماية مسلحة أو امتياز سياسي، فإن النجاح التجاري يتحول إلى ريع.
والدرس الأهم من الحرب هو أن التجارة يمكن أن تكون أداة للسلام كما يمكن أن تكون أداة للحرب. فالطريق الذي ينقل الحبوب يمكن أن ينقل الغذاء إلى السكان أو الموارد إلى طرف مسلح. والميناء الذي يدر العملة الصعبة يمكن أن يمول التنمية أو اقتصاد الحرب. والذهب يمكن أن يمول الموازنة أو السلاح. والصمغ العربي يمكن أن يوفر دخلاً لملايين الأسر أو يصبح جزءاً من اقتصاد التهريب.
ولهذا فإن السودان بعد الحرب يحتاج إلى عقد تجاري جديد يقوم على أربعة مبادئ مترابطة: حرية الحركة، والمنافسة، والشفافية، والمسؤولية.
ولا ينبغي أن تكون المهمة هي «القضاء على كبار التجار»، وإنما تحويلهم من أصحاب امتيازات إلى منافسين؛ ومن ممولين للسياسة إلى دافعي ضرائب؛ ومن مستوردين للسلع النهائية إلى مستثمرين في القيمة المضافة؛ ومن أصحاب شبكات مغلقة إلى أعضاء في سوق مفتوحة؛ ومن المستفيدين من اقتصاد الحرب إلى شركاء في اقتصاد السلام.
كما لا ينبغي أن تكون الدولة في مرحلة ما بعد الحرب مجرد «موزع للتراخيص» أو «مشترياً للسلع» أو «جامعاً للضرائب». الدولة الحديثة التي يحتاجها السودان هي الدولة التي تضمن الطريق، وتحمي العقد، وتنظم المنافسة، وتوثق الملكية، وتمنع تمويل الحرب، وتوفر البنية التحتية والمعلومة العامة، وتضمن أن تكون القاعدة واحدة للجميع.
وتؤكد أحدث استراتيجية للأمم المتحدة للقطاع الخاص في السودان أن القطاع الخاص لم يتوقف رغم الحرب، وأن دعم المزارعين والتجار والمصنعين الصغار والشركات المرتبطة بالشتات يمكن أن يكون أساساً لاستعادة الاقتصاد، لا مجرد ملحق بالمساعدات الإنسانية (UNDP، 2026). وفي الوقت نفسه فإن استمرار اقتصاد الحرب في السلع ذات القيمة العالية، كما تكشف دراسات الذهب والصمغ العربي، يعني أن التعافي التجاري لن يكون مستداماً إذا لم يترافق مع معالجة شبكات التمويل والتهريب والملكية المرتبطة بالصراع (Soliman، 2025؛ OHCHR، 2026).
وبذلك فإن الهدف النهائي ليس مجرد زيادة حجم التجارة، وإنما بناء سوق سودانية وطنية موحدة، متصلة بالإقليم والعالم، قادرة على الصمود أمام الصدمات، مولدة للوظائف، داعمة للمنتجين، مانعة لتمويل الحرب، ومؤسسة لاقتصاد ما بعد الحرب أكثر تنوعاً وعدالة وإنتاجية من الاقتصاد الذي سبقها.
وإذا نجح السودان في ذلك، يمكن أن تتحول التجارة من أحد مسارات تفكك الدولة إلى إحدى أهم أدوات إعادة بنائها؛ ويمكن أن ينتقل «التاجر الكبير» من كونه رمزاً لشبكة مغلقة من رأس المال والامتيازات إلى كونه مستثمراً في الإنتاج والتصنيع والتصدير، بينما ينتقل «السوق السوداني» من مجموعة أسواق متجاورة تفصلها الحواجز إلى سوق وطنية واحدة تربط القضارف والجزيرة وكردفان ودارفور والنيل الأزرق والشرق والشمال والخرطوم بالموانئ والأسواق الإقليمية والعالمية.
وهذه هي النقطة الجوهرية التي يجب أن تحكم سياسة التجارة في سودان ما بعد الحرب: إعادة بناء السوق ليست نتيجة تلقائية للسلام؛ بل هي إحدى مؤسسات السلام نفسها. فإذا أعيد بناء الطرق والمخازن والموانئ والمصارف والجمارك دون إعادة بناء قواعد المنافسة والملكية والشفافية، يمكن أن يعاد إنتاج اقتصاد الحرب داخل مؤسسات جديدة. أما إذا اقترنت إعادة البناء المادي بإصلاح اقتصاد سياسي للتجارة، فإن التجارة يمكن أن تصبح واحدة من أقوى أدوات تحويل السلام السياسي إلى سلام اقتصادي واجتماعي مستدام.
المراجع
- Abay KA, Abdelfattah LAA, Breisinger C, Siddig K. Evaluating cereal market (dis)integration in less developed and fragile markets: The case of Sudan. Food Policy. 2022;114:102399.
أباي ك، عبدالفتاح ل، برايسنغر ك، صديق خ. تقييم تكامل وعدم تكامل أسواق الحبوب في الأسواق الأقل تطوراً والهشة: حالة السودان. سياسة الغذاء. 2022؛114:102399. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Abay KA, Abdelaziz F, Abdelfattah LAA, Breisinger C, Dorosh PA, Resnick D, et al. Wheat subsidies, wheat markets and food security in Sudan: Current state and options for the future. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2022.
أباي ك وآخرون. دعم القمح وأسواق القمح والأمن الغذائي في السودان: الوضع الراهن والخيارات المستقبلية. واشنطن: المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء؛ 2022. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Abushama H, Guo Z, Siddig K, Kirui OK, Abay KA, You L. Monitoring indicators of economic activity in Sudan amidst ongoing conflict using satellite data. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2023.
أبو شامة ح وآخرون. رصد مؤشرات النشاط الاقتصادي في السودان أثناء النزاع المستمر باستخدام بيانات الأقمار الصناعية. واشنطن: المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء؛ 2023. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Abushama H, Resnick D, Siddig K, Kirui OK. Political and economic drivers of Sudan’s armed conflict: Implications for the agri-food system. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2024.
أبو شامة ح وآخرون. المحركات السياسية والاقتصادية للنزاع المسلح في السودان: التداعيات على النظام الغذائي الزراعي. واشنطن: المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء؛ 2024. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Baldo S, Soliman A. Gold and the war in Sudan: How regional solutions can support an end to conflict. London: Chatham House; 2025, updated 2026.
بالدو س، سليمان أ. الذهب والحرب في السودان: كيف يمكن للحلول الإقليمية دعم إنهاء الصراع. لندن: تشاتام هاوس؛ 2025، محدث 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Breisinger C, Kirui O, Dorosh P, Glauber J, Laborde D. The Russia-Ukraine conflict is likely to compound Sudan’s existing food security problems. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2022.
برايسنغر ك وآخرون. من المرجح أن يؤدي النزاع الروسي الأوكراني إلى تفاقم مشكلات الأمن الغذائي القائمة في السودان. واشنطن: المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء؛ 2022. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Center for Advanced Defense Studies. The network of Sudan’s military and security-linked companies. Washington, DC: C4ADS; 2022.
مركز الدراسات المتقدمة للدفاع والأمن. شبكة الشركات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية والأمنية في السودان. واشنطن: مركز الدراسات المتقدمة للدفاع والأمن؛ 2022. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Collier P, Hoeffler A. Greed and grievance in civil war. Oxford Econ Pap. 2004;56(4):563-595.
كوليير ب، هوفلر أ. الجشع والمظالم في الحرب الأهلية. أوراق أكسفورد الاقتصادية. 2004؛56(4):563-595. - International Monetary Fund. Sudan: First review under the Staff-Monitored Program—Press release; staff report; and statement by the Executive Director for Sudan. Washington, DC: IMF; 2021.
صندوق النقد الدولي. السودان: المراجعة الأولى في إطار البرنامج الذي يراقبه الموظفون: البيان الصحفي وتقرير الموظفين وبيان المدير التنفيذي للسودان. واشنطن: صندوق النقد الدولي؛ 2021. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - International Monetary Fund. Sudan: Second review under the Staff-Monitored Program and request for extension—Staff report and statement by the Executive Director for Sudan. Washington, DC: IMF; 2021.
صندوق النقد الدولي. السودان: المراجعة الثانية في إطار البرنامج الذي يراقبه الموظفون وطلب التمديد: تقرير الموظفين وبيان المدير التنفيذي للسودان. واشنطن: صندوق النقد الدولي؛ 2021. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Kirui OK, Siddig K, Abushama H, Taffesse AS. Armed conflict and business operations in Sudan: Survey evidence from agri-food processing firms. Sudan Strategy Support Program Working Paper. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2023.
كيروي أ وآخرون. النزاع المسلح وعمليات الأعمال في السودان: أدلة المسوح من شركات تصنيع الأغذية الزراعية. ورقة عمل برنامج دعم الاستراتيجية في السودان. واشنطن: المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء؛ 2023. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Manger LO, ed. Trade and traders in the Sudan. Bergen: Department of Social Anthropology, University of Bergen; 1984.
مانغر ل، محرر. التجارة والتجار في السودان. برغن: قسم الأنثروبولوجيا الاجتماعية، جامعة برغن؛ 1984. - Organisation for Economic Co-operation and Development. OECD Due Diligence Guidance for Responsible Supply Chains of Minerals from Conflict-Affected and High-Risk Areas. 3rd ed. Paris: OECD Publishing; 2016.
منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. إرشادات العناية الواجبة لسلاسل الإمداد المسؤولة للمعادن من المناطق المتأثرة بالنزاع وعالية المخاطر. الطبعة الثالثة. باريس: منشورات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؛ 2016. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Resnick D, Abushama H, Siddig K, Kirui OK. How warring factions gained influence in Sudan’s food system—and what it means for the current conflict. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2026.
ريسنك د وآخرون. كيف اكتسبت الفصائل المتحاربة نفوذاً في النظام الغذائي السوداني وما الذي يعنيه ذلك للنزاع الحالي. واشنطن: المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء؛ 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Siddig K, Vos R. Sudan’s food crisis deepens as conflict intensifies. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2024.
صديق خ، فوس ر. أزمة الغذاء في السودان تتعمق مع تصاعد النزاع. واشنطن: المعهد الدولي لبحوث سياسات الغذاء؛ 2024. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Soliman A, Baldo S. Gold and the war in Sudan: Gold production and trade during the war. London: Chatham House; 2025, updated 2026.
سليمان أ، بالدو س. الذهب والحرب في السودان: إنتاج الذهب وتجارتُه أثناء الحرب. لندن: تشاتام هاوس؛ 2025، محدث 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Sudan Tribune. Sudan raw gold prices hit record high amid currency slump and global surge. Khartoum: Sudan Tribune; 2026 Aug 9.
سودان تربيون. أسعار الذهب الخام السوداني تبلغ مستوى قياسياً وسط انهيار العملة وارتفاع الأسعار العالمية. الخرطوم: سودان تربيون؛ 9 أغسطس 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Sultan DH. Merchants and a bankrupt state: Reflections on contextual imperatives and the genesis of predicament in Kordofan. Afr Stud Rev. 1993;36(3):75-94.
سلطان د. التجار والدولة المفلسة: تأملات في المحددات السياقية ونشأة المأزق في كردفان. مجلة الدراسات الأفريقية. 1993؛36(3):75-94. - United Nations Conference on Trade and Development. General profile: Sudan. Geneva: UNCTADstat; 2025.
مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. الملف العام: السودان. جنيف: قاعدة بيانات الأونكتاد؛ 2025. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - United Nations Conference on Trade and Development. Maritime profile: Sudan. Geneva: UNCTADstat; 2025.
مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. الملف البحري: السودان. جنيف: قاعدة بيانات الأونكتاد؛ 2025. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - United Nations Development Programme. Heightened human rights due diligence for business in conflict-affected contexts: A guide. New York: UNDP; 2022.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. العناية الواجبة المعززة بحقوق الإنسان للأعمال التجارية في السياقات المتأثرة بالنزاعات: دليل. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ 2022. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - United Nations Development Programme. Sudan Private Sector Engagement Strategy 2026–2028. Khartoum: UNDP; 2026.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. استراتيجية إشراك القطاع الخاص في السودان 2026–2028. الخرطوم: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - United Nations Human Rights Office. “War economy” sustains conflict, UN report warns: Sudan’s gum arabic trade and conflict economy. Geneva: Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights; 2026.
مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. «اقتصاد الحرب» يديم النزاع، يحذر تقرير أممي: تجارة الصمغ العربي واقتصاد الحرب في السودان. جنيف: مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان؛ 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - United Nations Security Council. Final report of the Panel of Experts on the Sudan. New York: United Nations; 2024.
مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بالسودان. نيويورك: الأمم المتحدة؛ 2024. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - United States Department of State. Sudan: 2022 Investment Climate Statements. Washington, DC: US Department of State; 2022.
وزارة الخارجية الأمريكية. السودان: تقرير مناخ الاستثمار لعام 2022. واشنطن: وزارة الخارجية الأمريكية؛ 2022. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Walz T. Egyptian-Sudanese trade in the Ottoman period to 1882. Oxford Research Encyclopedia of African History. Oxford: Oxford University Press; 2018.
والز ت. التجارة المصرية السودانية في الفترة العثمانية حتى عام 1882. موسوعة أكسفورد لأبحاث التاريخ الأفريقي. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد؛ 2018. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - World Bank. Marketing Africa’s high-value foods: Traditional merchant class in Sudan. Washington, DC: World Bank; 2015.
البنك الدولي. تسويق الأغذية الأفريقية عالية القيمة: طبقة التجار التقليدية في السودان. واشنطن: البنك الدولي؛ 2015. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - World Bank. Sudan Economic Update: The Economic and Social Consequences of the Conflict—Charting a Path to Recovery. Washington, DC: World Bank; 2025.
البنك الدولي. التحديث الاقتصادي للسودان: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للنزاع ــ رسم مسار للتعافي. واشنطن: البنك الدولي؛ 2025. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - World Bank. Sudan: Country overview and economic update. Washington, DC: World Bank; 2026.
البنك الدولي. السودان: لمحة عن الدولة والتحديث الاقتصادي. واشنطن: البنك الدولي؛ 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - World Bank. World Development Indicators: Sudan. Washington, DC: World Bank; 2026.
البنك الدولي. مؤشرات التنمية العالمية: السودان. واشنطن: البنك الدولي؛ 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - World Integrated Trade Solution. Sudan trade statistics and indicators. Washington, DC: World Bank; 2024.
نظام حلول التجارة العالمية المتكامل. إحصاءات ومؤشرات التجارة في السودان. واشنطن: البنك الدولي؛ 2024. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - United Nations Development Programme. Around one-third of businesses closed in Sudan, but support for private sector key to saving lives and spurring recovery. New York: UNDP; 2026.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. نحو ثلث الشركات أُغلق في السودان، لكن دعم القطاع الخاص ضروري لإنقاذ الأرواح وتحفيز التعافي. نيويورك: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي؛ 2026. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Reuters. How a key ingredient in Coca-Cola, M&M’s is smuggled from war-torn Sudan. London: Reuters; 2025 Mar 4.
رويترز. كيف يجري تهريب مكوّن أساسي في كوكاكولا وإم آند إمز من السودان الذي مزقته الحرب. لندن: رويترز؛ 4 مارس 2025. تاريخ الوصول: 27 أغسطس 2026. - Reuters. UN warns Sudan gum arabic trade helps sustain civil war. London: Reuters; 2026 Jul 15.
رويترز. الأمم المتحدة تحذر من أن تجارة الصمغ العربي
ملحق: أبرز عشرين اسماً ومجموعةً في عالم التجارة ورأس المال الخاص السوداني قبل الحرب وأثناءها — خريطة القوة التجارية التي يمكن أن تتحول إلى محرك لإعادة الإعمار
ملاحظة منهجية بشأن معنى «أكبر عشرين تاجراً» وحدود الترتيب
لا توجد، حتى أغسطس/آب 2026، قاعدة بيانات عامة مستقلة ومدققة تسمح بترتيب كبار التجار السودانيين ترتيباً مالياً قاطعاً وفق صافي الثروة الشخصية أو الإيرادات السنوية أو القيمة السوقية للأصول. كما أن غالبية المجموعات السودانية الكبرى شركات خاصة لا تنشر قوائم مالية تفصيلية بصورة منتظمة، بينما أدت الحرب منذ 15 أبريل/نيسان 2023 إلى تدمير أو تعطيل منشآت وسجلات ونقل مراكز أعمال إلى الخارج، فضلاً عن تغير أسعار الصرف وتعددها وتغير قيمة الأصول بصورة جذرية. لذلك فإن القائمة التالية ليست «قائمة فوربس» ولا تدعي أنها ترتيب محاسبي لصافي الثروة، وإنما هي ترتيب تحليلي تقريبي لأبرز عشرين اسماً أو أسرة أو مجموعة تمثل مراكز مهمة في رأس المال التجاري الخاص السوداني، استناداً إلى اتساع النشاط، وتنوع القطاعات، والتاريخ التجاري، وحجم الشركات المعروف علناً، والانتشار الجغرافي، والارتباط بالتجارة الداخلية والخارجية، والقدرة على التأثير في سلاسل الإمداد، والأهمية المحتملة لإعادة الإعمار.
وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة لأن الأدبيات الأكاديمية تصف مجموعة دال بأنها كانت أكبر وأكثر الشركات السودانية الخاصة تنوعاً، بينما تصف المجموعة نفسها حالياً بأنها من أكبر وأكثر التكتلات الخاصة تنوعاً في السودان، وتعلن أنها تعمل منذ أكثر من ستين عاماً، وتضم 16 شركة وأكثر من 5500 موظف، وتغطي منتجاتها وخدماتها نحو 90% من السودان (Mann, 2013; DAL Group, 2026). كما تؤكد دراسة أحدث عن القطاع الخاص الزراعي والغذائي السوداني أهمية التركيز على المجموعات الكبيرة المملوكة غالباً لعائلات، ومنها مجموعة دال، وسي تي سي، وأبناء مغبوب، وويتّا، ومجموعة معاوية البرير، ومجموعة حجار، وكيري، ومجموعة ساي، باعتبارها جهات ذات قدرة كبيرة على التأثير في سلاسل القيمة الغذائية (Hoffmann, 2025).
كما يجب التمييز بين التاجر الفرد، ورجل الأعمال، والأسرة التجارية، والمجموعة القابضة، والشبكة القطاعية. فالقوة التجارية السودانية الحديثة لا تتمثل دائماً في شخص يشتري السلع ويبيعها، وإنما في مجموعات متكاملة تجمع الاستيراد والتوزيع والتصنيع والزراعة والنقل والطاقة والخدمات. ولذلك فإن الاقتصار على «أسماء الأفراد» يخفي جزءاً كبيراً من الواقع الاقتصادي.
ويجب كذلك عدم تفسير إدراج أي اسم باعتباره اتهاماً أو حكماً على النزاهة أو مصدر الثروة. فالإدراج هنا يعني الأهمية الاقتصادية أو التاريخية أو التجارية، ولا يعني إثبات ارتكاب مخالفة أو تمويل نزاع. وفي القطاعات التي يصعب فيها تحديد أفراد بعينهم، مثل تجارة الذهب أو الماشية أو المحاصيل، يُستخدم الاسم القطاعي بدلاً من اختلاق أسماء غير موثقة.
- أسامة داود عبد اللطيف ومجموعة دال: أكبر مركز خاص متكامل للغذاء والصناعة والتجارة
يأتي أسامة داود عبد اللطيف ومجموعة دال في المرتبة الأولى في هذا الترتيب التحليلي بسبب قوة الأدلة المتاحة على اتساع المجموعة وتنوعها واستمراريتها. فقد خلصت دراسة أكاديمية إلى أن دال كانت أكبر شركة عائلية وأكثرها تنوعاً في السودان، وأن نموها لم يعتمد فقط على امتيازات الدولة أو تصدير المواد الخام، وإنما على السلع الاستهلاكية والتصنيع وشبكات النقل والتدريب والبحث السوقي (Mann, 2013). وتظل هذه النتيجة من أهم الأدلة الأكاديمية المتاحة على طبيعة الرأسمال التجاري-الصناعي السوداني الحديث.
وتوضح المجموعة أن تاريخها يعود إلى شركة ساير وكولي التي تأسست عام 1951، ثم انتقلت امتيازات المعدات الهندسية إلى الشركة السودانية للجرارات المملوكة لداود عبد اللطيف عام 1966، وبعد مراحل التأميم وإعادة الخصخصة تطورت أعمال الأسرة إلى دال موتورز والزراعة والأغذية والخدمات الطبية والطاقة وغيرها (DAL Group, 2026). وتؤكد المجموعة في معلوماتها الحالية استمرارها في قطاعات متعددة، وهو ما يعزز اعتبارها نموذجاً للرأسمال المتكامل أكثر من كونها مجرد شركة تجارة تقليدية (DAL Group, 2026).
وتوضح المجموعة أن أعمالها تشمل الأغذية والمشروبات والزراعة والمعدات الثقيلة والعقارات والطاقة والتعدين والسيارات والرعاية الصحية والتعليم، وأن لديها أكثر من 5500 موظف و16 شركة وتغطي نحو 90% من السودان وفق بياناتها المؤسسية (DAL Group, 2026). وتظهر أهمية دال بصورة خاصة في الغذاء؛ فقد أنشأت سايقا في التسعينيات، وتذكر المجموعة أن طاقة مطاحنها تجاوزت مليون طن من الحبوب سنوياً، كما توسعت في الألبان والمكرونة والمشروبات، وفي الخدمات الهندسية والزراعية والسيارات والأدوية والغازات الطبية والصناعية (DAL Group, 2026).
ومن منظور ما بعد الحرب، فإن هذه البنية المتكاملة تجعل دال نموذجاً لما يمكن أن يسمى رأس المال التجاري المنتج: رأس مال لا يكتفي باستيراد السلعة وتوزيعها، وإنما يمتلك القدرة على تصنيعها وتخزينها ونقلها وتطوير سلسلة القيمة المحيطة بها. لكن هذه القوة تقتضي في الوقت نفسه قواعد قوية للمنافسة والإفصاح والحوكمة حتى لا يتحول الحجم الاقتصادي إلى تركّز مفرط في السوق.
- أسرة حجار وأنيس جورج حجار ومجموعة حجار: أحد أقدم البيوت التجارية العابرة للحدود
تمثل أسرة حجار ومجموعة حجار أحد أقدم البيوت التجارية التي تطورت من التجارة التقليدية إلى مجموعة عابرة للحدود. والتصحيح المهم هنا هو أن الاسم العربي الصحيح هو حجار، وليس «هاغار». كما أن الاسم المتداول بالإنجليزية في المصادر المؤسسية هو Haggar. وتشير قاعدة تاريخ الشركات العائلية إلى أن ميخائيل حجار، الذي تعود جذور الأسرة التجارية إليه، انتقل من حلب إلى السودان في أواخر القرن التاسع عشر، وأن النشاط التجاري المبكر ارتبط بأم درمان والرحلات التجارية إلى الجنوب، بينما تسجل المصادر بداية موثقة للنشاط عام 1904 (Family Business Histories, 2024).
وتؤكد مجموعة حجار نفسها أن تاريخها يعود إلى عام 1904، وأن مقرها الإقليمي أصبح في دبي منذ عام 2013، وأن المجموعة تعمل حالياً عبر قطاعات متعددة في أفريقيا، مع تركيز متزايد على الزراعة والصناعات المرتبطة بها والطاقة النظيفة والبنية التحتية الرقمية (Haggar Group, 2026). كما تذكر المصادر المؤسسية أن أنيس جورج حجار قاد المجموعة في مراحل مهمة من توسعها، وأن خبرته ارتبطت ببناء مراكز طويلة الأجل في الزراعة والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في السودان وجنوب السودان وأفريقيا (Haggar Foundation, 2026).
وتشير البيانات المنشورة عن المجموعة إلى أنها تعمل عبر ستة قطاعات وفي ثلاث دول، وأنها استثمرت أكثر من 160 مليون دولار منذ عام 2000، مع استمرار توجهها إلى التوسع الإقليمي في أفريقيا والخليج (Haggar Group, 2026). كما تظهر قاعدة بيانات المستثمرين التابعة للوكالة الألمانية للتعاون الدولي أن حجار كانت من الشركات السودانية الخاصة التي أبدت اهتماماً بالاستثمار في الزراعة وتكنولوجيا المعلومات والطاقة، وأنها استخدمت أدوات تمويل تشمل الاستثمار في رأس المال والديون والمنح في سياقات دعم ريادة الأعمال (GIZ, 2022).
وتكمن أهمية حجار في أنها تقدم مثالاً واضحاً على تحول رأس المال السوداني من التجارة المحلية إلى شبكة إقليمية ودولية. كما أن وجود المقر الإقليمي خارج السودان يوضح كيف يمكن للحرب أن تدفع رأس المال السوداني إلى إعادة توزيع مراكزه الجغرافية. وبعد الحرب يمكن تحويل هذه الشبكات الخارجية إلى قناة لاستعادة الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا بدلاً من أن تصبح بديلاً دائماً عن الاقتصاد السوداني.
- معاوية محمد أحمد البرير ومجموعة البرير: من التجارة إلى الصناعة والزراعة والغذاء
يمثل معاوية محمد أحمد البرير ومجموعة البرير أحد أبرز نماذج رأس المال التجاري السوداني الذي انتقل من التجارة إلى الاستثمار الإنتاجي. كما يؤكد الموقع المؤسسي لغرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية أن معاوية محمد أحمد البرير كان رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني في 2026، وهو ما يعكس موقعه المؤسسي داخل مجتمع الأعمال السوداني (Ghorfa, 2026).
وتكمن أهمية هذا النموذج في أن مستقبل السودان لا يحتاج إلى زيادة عدد المستوردين فقط، وإنما إلى تحويل رأس المال التجاري إلى مطاحن ومصانع ومزارع ومخازن وسلاسل توزيع. وتؤكد الأدبيات الحديثة حول النظام الزراعي والغذائي السوداني أن مجموعة معاوية البرير تقع ضمن المجموعات الخاصة الكبيرة ذات الصلة المباشرة بسلاسل القيمة الغذائية (Hoffmann, 2025).
وتُظهر الخبرة السودانية أن هذا التحول هو أحد أفضل المسارات المتاحة لكبار التجار في مرحلة ما بعد الحرب: فالتاجر الذي يمول المنتج الزراعي ويجمع المحصول ويخزنه ويصنعه ويصدره يخلق قيمة مضافة وفرص عمل وعملة أجنبية أكثر بكثير من التاجر الذي يقتصر نشاطه على الوساطة.
ولهذا ينبغي أن تستهدف السياسة الاقتصادية إعادة توجيه رأس المال التجاري الكبير نحو الصناعات الغذائية والزراعية، مع توفير حوافز مشروطة بالإنتاج والتشغيل والتصدير، وليس بالحصول على إعفاءات أو امتيازات تجارية مجردة.
- أمين النفيدي ومجموعة النفيدي: رأس المال التجاري المرتبط بالنقل والطاقة واللوجستيات
تمثل مجموعة النفيدي وأمين النفيدي فئة مهمة من رأس المال التجاري السوداني المرتبط بالنقل والطاقة والخدمات اللوجستية. وتكتسب هذه الأنشطة أهمية استثنائية في اقتصاد ما بعد الحرب لأن التجارة لا تعمل بمجرد وجود المنتج؛ بل تحتاج إلى طريق ومركبة ووقود ومخزن وتأمين وتمويل ونظام معلومات.
وتؤكد المصادر الخاصة بريادة الأعمال السودانية أن مجموعة النفيدي كانت، إلى جانب دال وحجار، من الجهات السودانية التي ساهمت في دعم بيئة الشركات الناشئة وريادة الأعمال، وهو ما يوضح أن نشاط المجموعة لا يقتصر على الوظيفة التجارية الضيقة (Haggar Group, 2022).
وقد أظهرت الحرب أن انهيار الطرق أو زيادة مخاطرها يمكن أن يرفع تكلفة السلعة بصورة تفوق تكلفة الإنتاج نفسها، وأن السيطرة على طرق النقل يمكن أن تتحول إلى أداة اقتصادية وعسكرية في آن واحد. لذلك فإن الشركات ذات الخبرة في النقل والخدمات اللوجستية يمكن أن تؤدي دوراً مركزياً في إعادة ربط مناطق الإنتاج بالمراكز الحضرية والموانئ.
وينبغي أن تتحول الاستثمارات المستقبلية من مجرد امتلاك شاحنات إلى بناء منظومات متكاملة تشمل التخزين والموانئ الجافة والتبريد والتتبع الرقمي والتأمين والخدمات الجمركية.
- مجموعة سي تي سي: قوة استراتيجية في الزراعة ومدخلاتها والمعدات والصادرات
تأتي مجموعة سي تي سي في مرتبة متقدمة بسبب عمقها التاريخي وتنوع أعمالها. وقد احتفلت المجموعة في أبريل/نيسان 2026 بمرور 70 عاماً على تأسيس الشركة المركزية للتجارة، مؤكدة استمرارها في العمل بالسودان رغم ظروف الحرب (CTC Group, 2026).
وتشمل أعمالها الآلات الزراعية والمدخلات الزراعية وتصدير السلع والمعدات الثقيلة والتشييد والإلكترونيات وتقنية المعلومات وإدارة المياه والسيارات والطاقة المتجددة (CTC Group, 2026).
وتبرز أهمية المجموعة بالنسبة إلى مرحلة إعادة الإعمار في أن استعادة الزراعة السودانية ستحتاج إلى ميكنة ومدخلات وأنظمة ري ومضخات ومعدات حصاد وخدمات صيانة، وهي مجالات تقع في صميم محفظة المجموعة. كما يرتبط نشاطها بتجارة السلع الزراعية ومعالجتها، وهو ما يجعلها نموذجاً للانتقال من التجارة إلى رفع القيمة المضافة المحلية (CTC Group, 2026).
وهذا النموذج يمثل الاتجاه المطلوب لسودان ما بعد الحرب: الانتقال من تجارة السلعة إلى تجارة القيمة المضافة.
- صلاح إدريس: نموذج رجل الأعمال متعدد القطاعات
يمثل صلاح إدريس أحد أشهر رجال الأعمال السودانيين في مرحلة ما بعد الاستقلال، وقد ارتبط اسمه باستثمارات متنوعة في الصناعة والخدمات والاتصالات وقطاعات أخرى.
وتكمن أهمية إدراجه هنا في أنه يمثل نموذجاً مختلفاً عن المجموعات العائلية القديمة؛ فهو يجسد انتقال رجل الأعمال السوداني إلى تكوين محفظة استثمارية متعددة القطاعات. غير أن الترتيب المالي الدقيق لهذا الاسم لا يمكن إثباته حالياً من قوائم مالية عامة قابلة للمراجعة، ولذلك ينبغي عدم اختلاق رقم لصافي الثروة.
والدرس الذي تطرحه هذه الحالة هو أن قياس قوة رجل الأعمال السوداني ينبغي ألا يعتمد على «الثروة المقدرة» في الصحافة، بل على الأصول المنتجة، والإيرادات، والعمالة، والاستثمار، وحصة السوق، والقدرة التصديرية.
- عزري حميد المبارك وشبكات رأس المال المرتبطة بالتعدين والذهب
يمثل عزري حميد المبارك أحد الأسماء المرتبطة بعالم الأعمال والاستثمار، في سياق تصبح فيه تجارة الذهب والتعدين من أكثر القطاعات أهمية وحساسية في السودان.
وتوضح تقارير عن تجارة الذهب السودانية وجود شركات خاصة وامتيازات تعدين وشبكات واسعة من المستثمرين والوسطاء والمشترين والمصدرين، وهو ما يجعل تحديد «أغنى» أفراد القطاع أمراً غير ممكن بالاعتماد على بيانات عامة مكتملة (Global Financial Integrity, 2020).
لكن أهمية الذهب في السودان تجعل ترتيب الأفراد في هذا القطاع أكثر صعوبة من القطاعات الصناعية، لأن جزءاً كبيراً من الذهب ينتج في التعدين الأهلي ويُجمع عبر شبكات متعددة من المنتجين والوسطاء والمشترين والمصدرين.
ولهذا فإن الإصلاح بعد الحرب يجب أن يركز على السلسلة بأكملها: التعدين، والشراء، والفحص، والتكرير، والتمويل، والتصدير، والتتبع، والمستفيد الحقيقي.
- أحمد داود عبد اللطيف والجيل الإداري الجديد في دال
يمثل أحمد داود عبد اللطيف امتداداً للجيل الجديد المرتبط بعائلة دال، وتبرز أهمية هذا النموذج في انتقال الشركات العائلية السودانية من المؤسس الفرد إلى الإدارة متعددة الأجيال.
ويعد هذا التحول مهماً لسودان ما بعد الحرب لأن إعادة الإعمار ستحتاج إلى مؤسسات تستطيع العمل بعقود طويلة الأجل، وتطبيق المحاسبة والحوكمة وإدارة المخاطر والتكنولوجيا، وليس فقط إلى أفراد يمتلكون رأس المال.
كما أن استمرار المجموعات العائلية عبر الأجيال يطرح ضرورة تطوير مجالس إدارة مستقلة، وسياسات تعاقب إداري، وإفصاح مالي، وفصل واضح بين ملكية الأسرة والإدارة التنفيذية.
- صالح عبد الرحمن يعقوب وشبكات تجارة السلع الزراعية والتصدير
يمثل صالح عبد الرحمن يعقوب أحد الأسماء المرتبطة بالنشاط التجاري والاستثماري، ولا سيما في مجالات السلع الزراعية والتجارة والاستثمار. ويظهر اسم شركة صالح عبد الرحمن يعقوب ضمن الجهات التي أُدرجت في نشرة الاستثمار الرسمية للسودان بوصفها من الشركات المشاركة في منظومة الاستثمار والقطاع الخاص السوداني (Embassy of Sudan, 2021).
وتنبع أهمية هذا النوع من رأس المال من موقعه بين المنتج والسوق الخارجي. فالسودان يمتلك إمكانات كبيرة في السمسم والصمغ العربي والحبوب الزيتية وغيرها، لكن جزءاً كبيراً من القيمة الاقتصادية يضيع نتيجة ضعف التخزين والمعالجة والجودة والتعبئة.
ولهذا يجب أن تتحول العلاقة بين التاجر والمزارع من علاقة شراء موسمي إلى شراكة في سلسلة القيمة تشمل التمويل المسبق، وتحسين المدخلات، والتخزين، والجودة، والتعبئة، والتصنيع، والتصدير.
- أسرة أبو العلا وشبكات الاستيراد والتصدير التاريخية
تمثل أسرة أبو العلا والشبكات التجارية المرتبطة بها جزءاً من التاريخ الطويل للتجارة السودانية الحديثة. فقد كانت شركات الاستيراد والتصدير من المكونات الأساسية للطبقة التجارية السودانية خلال القرن العشرين.
وتكشف الأدبيات التاريخية أن شركات تجارية سودانية لعبت أدواراً رئيسية في الاستيراد والتصدير، وأن هذه الشركات شكلت جزءاً من بنية الطبقة التجارية التي نشأت حول المدن والأسواق والموانئ (Woodward, 1978).
وتكمن أهمية هذا الإرث في أن السودان يمتلك خبرة تجارية متراكمة لا ينبغي فقدها. ولكن المطلوب بعد الحرب هو نقلها إلى شركات أكثر مؤسسية وشفافية، مرتبطة بالمصارف والتأمين والأنظمة الجمركية الحديثة.
- أسرة الميرغني والشبكات التجارية التاريخية المرتبطة بالختمية
لا يمكن فهم التاريخ الطويل لكبار التجار السودانيين من دون أسرة الميرغني والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالختمية. وهذا إدراج تاريخي-اقتصادي وليس تصنيفاً لشركة معاصرة أو حكماً على ثروة شخصية حالية.
وتوضح الأدبيات أن الختمية امتلكت نفوذاً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً، وأن بعض شبكاتها ارتبطت بتجارة التجزئة والاستيراد والتصدير، بما في ذلك الماشية والصمغ العربي والبذور الزيتية (Osborne, 2022).
وتكشف هذه التجربة أن رأس المال التجاري السوداني كان تاريخياً متشابكاً مع شبكات اجتماعية وسياسية ودينية، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار عند تصميم مؤسسات المنافسة والشفافية والتمويل السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.
- أسرة المهدي والشبكات الزراعية والتجارية التاريخية
تمثل أسرة المهدي مثالاً تاريخياً على التداخل بين رأس المال الزراعي والتجارة والنفوذ السياسي. وقد ساعدت ترتيبات اقتصادية خلال الحقبة الاستعمارية وبعدها في تكوين قاعدة اقتصادية مرتبطة بالشبكات الأنصارية (Osborne, 2022).
ولا ينبغي مساواة هذا النموذج التاريخي بالشركات التجارية الحديثة، لكنه مهم لفهم كيفية تطور مفهوم رأس المال الكبير في السودان، وكيف تداخلت الملكية الزراعية والتجارة والنفوذ السياسي في تشكيل الاقتصاد.
والدرس المؤسسي هو ضرورة الفصل في الدولة المستقبلية بين السلطة السياسية والامتياز الاقتصادي، بحيث لا تتحول العلاقات السياسية إلى احتكارات تجارية.
- الأسر والشبكات التجارية الزراعية والغذائية الكبرى
تضم هذه الفئة شبكات التجار الزراعيين والغذائيين التي لا يمكن اختزالها في اسم فرد واحد بسبب اتساعها وتعدد مراكزها. وهي تشمل تجار الحبوب والبذور الزيتية والسمسم والصمغ العربي والمواد الغذائية ومراكز التجميع.
وتكتسب هذه الفئة أهمية كبيرة لأن ملايين المنتجين السودانيين يعتمدون على هذه الشبكات للوصول إلى السوق. ولذلك فإن أي سياسة لإصلاح التجارة يجب ألا تستهدف كبار المجموعات فقط، بل يجب أن تعيد تنظيم العلاقة بين المنتجين الصغار والتجار والوسطاء والمصانع والمصدرين.
والسياسة الأفضل هي إدخال العقود الزراعية الشفافة، والمخازن المعتمدة، والإيصالات الإلكترونية للمخزون، والمنصات السعرية، والتمويل المرتبط بالمحصول.
- كبار تجار الذهب والصرافة وشبكات العملة الأجنبية
تمثل شبكات كبار تجار الذهب والعملات الأجنبية قوة تجارية مهمة، وإن كان من المستحيل تقديم ترتيب موثوق لأفرادها من دون بيانات رسمية.
وتوضح الأدبيات الخاصة بالاقتصاد السوداني وجود سوق عملة موازية وشبكات من الوسطاء والتجار، كما تظهر الدراسات أن شبكات السوق غير الرسمي يمكن أن تصبح جزءاً أساسياً من عملية تحديد سعر الصرف في ظل ضعف النظام الرسمي (Osborne, 2022).
وقد زادت الحرب أهمية هذه الشبكات بسبب ندرة النقد الأجنبي وانهيار قيمة الجنيه وتعطل النظام المصرفي في مناطق واسعة.
والدرس هو أن القضاء الإداري على السوق الموازي لا يكفي. بل يجب بناء نظام صرف رسمي جذاب وموثوق، يسمح للتاجر والمصدر والمغترب بإدخال العملات الأجنبية إلى النظام المصرفي بصورة قانونية وتنافسية.
- كبار تجار الماشية واللحوم: أحد أهم الجسور التجارية بين السودان والخليج
تمثل شبكات تجار الماشية واللحوم واحدة من أهم فئات رأس المال التجاري السوداني، خصوصاً في العلاقة بين مناطق الإنتاج في السودان والأسواق الخليجية.
وتتطلب هذه التجارة شبكات جمع ونقل وحجر بيطري وتمويل وتأمين وموانئ ومسارات تصدير، ولذلك فإن قوتها لا تكمن في التاجر وحده وإنما في شبكة الخدمات المحيطة به.
وبعد الحرب ينبغي تطوير هذه الشبكة إلى منظومة حديثة تشمل المسالخ والتبريد والتتبع البيطري وشهادات المنشأ والتعبئة والتصنيع. وهذا من شأنه تحويل السودان من مصدر للحيوانات الحية بدرجة كبيرة إلى مصدر للحوم والجلود والمنتجات الحيوانية ذات القيمة المضافة.
- كبار تجار ومصدري الصمغ العربي والسمسم والبذور الزيتية
يمثل تجار ومصدرو الصمغ العربي والسمسم والبذور الزيتية أحد أهم مراكز القوة التجارية السودانية. وتاريخياً ارتبطت هذه السلع بتكوين الطبقة التجارية وبشبكات التصدير والاستيراد (Osborne, 2022).
كما أن وجود شركات حديثة مثل CTC تعمل في تصدير السلع الزراعية ومعالجتها يوضح إمكان تحويل هذا القطاع من تصدير خام إلى قيمة مضافة. فالمجموعة تعمل في تجارة السلع الزراعية وتطوير قدرات المعالجة والخدمات المرتبطة بالجودة والتصدير (CTC Group, 2026).
والدرس هو أن كبار التجار في هذا القطاع يمكن أن يصبحوا محركات للتصنيع الزراعي إذا ارتبطت حوافزهم بالمعالجة المحلية والتشغيل والتصدير.
- كبار تجار مواد البناء والعقارات المرتبطون بإعادة الإعمار
ستنشأ بعد الحرب طبقة كبيرة من رجال الأعمال المرتبطين بالإسمنت والحديد ومواد البناء والمعدات والهندسة والعقارات. ومن غير الممكن حتى الآن ترتيب أفرادها بصورة مالية موثوقة بسبب الحرب وتدمير الأصول وتغير الملكية.
لكن هذا القطاع سيكون من أكبر قطاعات رأس المال في مرحلة إعادة الإعمار، وهو ما يخلق فرصة كبيرة وخطراً كبيراً في الوقت نفسه.
فالفرصة تتمثل في بناء مصانع الإسمنت والحديد والطوب والزجاج والأثاث والأنظمة الكهربائية، أما الخطر فيتمثل في إمكانية نشوء «أثرياء إعادة الإعمار» عبر عقود حكومية غير تنافسية.
لذلك يجب أن تكون كل عقود إعادة الإعمار الكبرى خاضعة للمناقصات الإلكترونية والإفصاح عن المستفيد الحقيقي والتدقيق المستقل.
- كبار المستوردين وموزعو السلع الأساسية
تمثل شركات استيراد وتوزيع الغذاء والدواء والوقود وقطع الغيار والسلع الاستهلاكية فئة لا تقل أهمية عن كبار الصناعيين.
وقد أصبح دورها أكثر حساسية أثناء الحرب بسبب اضطراب الإنتاج المحلي وسلاسل النقل والتمويل. لكن الاعتماد المفرط على الاستيراد يمكن أن يعيد إنتاج الاختلال التجاري إذا لم يتحول جزء من نشاط هذه الشركات إلى استثمار إنتاجي محلي.
ولذلك ينبغي أن تميز السياسة بين الاستيراد الضروري للإنتاج وإعادة الإعمار وبين الاستيراد الاستهلاكي الذي يمكن إنتاج بدائله محلياً.
- كبار شركات وتجار التعدين الأهلي والذهب
يمثل التعدين الأهلي والوسطاء والمشترون والمصدرون المرتبطون بالذهب واحداً من أكبر التجمعات التجارية المنتشرة جغرافياً.
وتظهر تقارير النزاهة التجارية وجود شركات تعدين سودانية خاصة متعددة، إلى جانب شركات أجنبية ومشروعات مشتركة، بما يعكس تعدد الفاعلين في قطاع الذهب (Global Financial Integrity, 2020).
غير أن هذه البنية تجعل الذهب قطاعاً عالي المخاطر بالنسبة إلى غسل الأموال وتمويل النزاع والتهريب.
ولهذا فإن إصلاح القطاع ينبغي أن يقوم على إنشاء شبكة شراء رسمية ومنافسة، وتسجيل المنتجين، وتحسين أدوات التتبع، وتوفير خدمات مصرفية في مناطق التعدين، وربط التصدير بمصافي وأسواق موثوقة، مع عدم تدمير سبل عيش التعدين الأهلي بصورة مفاجئة.
- الجيل الجديد من رجال الأعمال السودانيين العابرين للحدود
تمثل شبكات الجيل الجديد من رجال الأعمال السودانيين في الإمارات ومصر والسعودية وشرق أفريقيا وغيرها تحولاً مهماً في بنية رأس المال السوداني.
فالحرب دفعت جزءاً من النشاط التجاري إلى خارج السودان، بينما كانت بعض المجموعات قد بنت وجوداً إقليمياً قبل الحرب. وتوضح حالة مجموعة حجار، على سبيل المثال، أن المجموعة اتخذت دبي مقراً إقليمياً، وأنها تركز حالياً على الزراعة والصناعات الزراعية والطاقة النظيفة والبنية التحتية الرقمية، مع امتداد عملياتها إلى عدة دول أفريقية (Haggar Group, 2026).
وهذا الانتشار يمكن أن يصبح مصدراً مهماً لرأس المال والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق إذا وضعت الدولة سياسات لجذب رأس المال السوداني في الخارج، مثل ضمان تحويل الأرباح، وحماية الاستثمار، وتوفير آليات تسوية المنازعات، وتبسيط تسجيل الشركات، وربط الاستثمار الخارجي بإعادة بناء الإنتاج داخل السودان.
الخلاصة التحليلية: الأهم ليس من هو «الأغنى»، وإنما من يملك مفاتيح إعادة تشغيل الاقتصاد السوداني
تكشف هذه القائمة أن مفهوم «أكبر تاجر» في السودان لا يمكن اختزاله في مقدار الثروة الشخصية. فهناك فرق بين رجل أعمال يملك عقارات وأصولاً مالية كبيرة وبين مجموعة تمتلك مطاحن ومصانع وشاحنات ومخازن ومزارع وشبكات توزيع ومنافذ تصدير.
ولهذا فإن دال تمثل نموذجاً للرأسمال الصناعي-التجاري المتكامل، بينما تمثل حجار نموذجاً لرأس المال العائلي التاريخي العابر للحدود، وتمثل سي تي سي نموذجاً للتجارة المرتبطة بالزراعة والمدخلات والمعدات والتصدير، بينما تمثل شبكات الذهب والماشية والمحاصيل نماذج قطاعية واسعة لا يمكن اختزالها في شخص واحد (Mann, 2013; CTC Group, 2026; Family Business Histories, 2024).
ومن ثم فإن الترتيب الأكثر فائدة لسودان ما بعد الحرب ليس ترتيب «أغنى عشرين تاجراً»، بل خريطة رأس المال القادر على إعادة تشغيل الغذاء والزراعة والطاقة والنقل والتعدين والتصنيع واللوجستيات والتجارة الخارجية.
ويجب أن تكون الدولة حذرة في تعاملها مع هذه القوى. فإقصاء كبار التجار بصورة جماعية سيحرم البلاد من رأس المال والخبرة وشبكات التوزيع، في حين أن منحهم امتيازات غير مشروطة يمكن أن يعيد إنتاج الاحتكار والفساد والاقتصاد السياسي للحرب. وقد أكدت الحكومة السودانية في 2026 أهمية الشراكة مع القطاع الخاص في الزراعة والصناعة والخدمات، وهو ما يجعل تنظيم هذه الشراكة إحدى القضايا المركزية في مرحلة التعافي الاقتصادي (حكومة السودان, 2026).
ولذلك ينبغي أن تقوم السياسة المستقبلية على أربعة شروط مترابطة: الشفافية، والمنافسة، والإنتاج، والمساءلة. ويشمل ذلك سجل المستفيد الحقيقي من الشركات، وربط سجل الشركات والضرائب والجمارك والمصارف، والتدقيق في القطاعات عالية المخاطر، وتطبيق قانون منافسة فعال، ومنع الاحتكار، والإفصاح عن العقود الحكومية، وربط الحوافز العامة بالاستثمار المنتج والتشغيل والتصدير والقيمة المضافة.
ويجب كذلك ألا تُستخدم العدالة الانتقالية كذريعة لمعاقبة النشاط التجاري المشروع، كما لا ينبغي أن تصبح إعادة الإعمار قناة لإضفاء الشرعية على أصول غير مشروعة. المطلوب هو فحص فردي قائم على الأدلة لمصدر الأموال والملكية والمستفيد الحقيقي والارتباطات القانونية والمالية.
وتظهر تجربة دال أن رأس المال الخاص السوداني قادر على بناء مؤسسات إنتاجية ولوجستية واسعة، بينما توضح تجربة حجار أن رأس المال السوداني يستطيع بناء شبكات عابرة للحدود، وتظهر تجربة CTC أن التجارة يمكن أن ترتبط مباشرة بالميكنة الزراعية ومعالجة السلع والتصدير (DAL Group, 2026; Haggar Group, 2026; CTC Group, 2026).
والهدف النهائي لسودان ما بعد الحرب يجب أن يكون تحويل هذه الخبرات من رأس مال تجاري يبحث عن الربح في بيئة هشة إلى رأس مال منتج يشارك في بناء اقتصاد قادر على الصمود. فالتاجر الذي يستورد الغذاء فقط أقل أهمية من الذي يبني مصنعاً غذائياً، والتاجر الذي يبيع الماشية الحية أقل أثراً من الذي يبني مسلخاً وسلسلة تبريد ومصنع جلود، وتاجر الذهب الذي يعمل خارج النظام الرسمي يمثل مخاطرة، بينما تاجر الذهب الذي يعمل في سلسلة موثقة وخاضعة للرقابة يمكن أن يصبح مصدراً منظماً للنقد الأجنبي.
وبذلك تصبح قائمة كبار التجار ليست مجرد قائمة أسماء، وإنما خريطة لمراكز رأس المال التي ستحدد، بدرجة كبيرة، ما إذا كان السودان بعد الحرب سيعيد إنتاج اقتصاد ما قبل الحرب، أم سيستخدم رأس المال التجاري الموجود لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً وشفافية وقدرة على المنافسة الإقليمية والدولية.
المراجع الإنجليزية
- CTC Group. 70 Years Moving Forward. Khartoum: CTC Group; 2026.
- CTC Group. CTC Group: Leading the Private Sector Participation in the Economic Development of Sudan. Khartoum: CTC Group; 2026.
- CTC Group. Our Businesses. Khartoum: CTC Group; 2026.
- CTC Group. Our Story. Khartoum: CTC Group; 2026.
- CTC Group. Commodity Exports. Khartoum: CTC Group; 2026.
- DAL Group. About DAL Group. Khartoum: DAL Group; 2026.
- DAL Group. History of DAL Group. Khartoum: DAL Group; 2026.
- Family Business Histories. Haggar Group: Family Business Histories Spotlight. London: Family Business Histories; 2024.
- Global Financial Integrity. Sudan and Trade Integrity. Washington, DC: Global Financial Integrity; 2020.
- GIZ. Investment Guide Sudan: Support System and Investor Directory. Bonn: Deutsche Gesellschaft für Internationale Zusammenarbeit; 2022.
- Haggar Foundation. Anis G Haggar. Khartoum: Haggar Foundation; 2026.
- Haggar Group. About Us. Dubai: Haggar Group; 2026.
- Haggar Group. The Launch of Orange Corners Darfur. Dubai: Haggar Group; 2022.
- Hoffmann C. The Emergence of SAF and RSF as Business Actors in Sudan’s Agrifood System. Washington, DC: International Food Policy Research Institute; 2025.
- Mann L. ‘We do our bit in our own space’: DAL Group and the development of a curiously Sudanese enclave economy. J Mod Afr Stud. 2013;51(3):427-455.
- Osborne A. Black Markets and Militants: Investing in Islamism, Labor Remittances, Islamic Banking, and the Rise of Political Islam in Sudan. Cambridge: Cambridge University Press; 2022.
- Woodward P. Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898–1985. Cambridge: Cambridge University Press; 1978.
المراجع العربية
- حكومة السودان. رئيس الوزراء يؤكد أهمية دور القطاع الخاص في تحقيق التنمية الاقتصادية بالبلاد. الخرطوم: حكومة جمهورية السودان؛ 2026.
- سفارة جمهورية السودان في برلين. السودان: نشرة الاستثمار 2021. برلين: سفارة جمهورية السودان؛ 2021.
- مجلة السودان للأعمال. أكثر العلامات التجارية إعجاباً في إفريقيا العاملة في السودان. الخرطوم: مجلة السودان للأعمال؛ 2020.
- مؤسسة حجار. السيرة التاريخية لأنيس جورج حجار وتطور مجموعة حجار في السودان وأفريقيا. الخرطوم: مؤسسة حجار؛ 2026.
