1-الله لي كوبا يا شباب جوبا
أود هنا لفت الانتباه إلى الكلمة الناضجة التي كتبها الرفيق سليمان حامد بجريدة الميدان (3-12-2010). استعاد فيها ذكرى سفره لكوبا مبعوثاً من حزبه الشيوعي بعد انتفاضة 1985 لمناقشة الحركة الشعبية بالتراجع عن مقاطعة انتخابات 1986. وجلس في منتجع فبراديرا القريب من هافانا إلى أعضاء من القيادة العليا وهم لام أكول وجيمس واني ويوسف كوة وقبريال أشوت بحضور رفاق كوبيين.
ومعلوم أن الحركة الشعبية وصفت محصلة الانتفاضة في حيز السلطة ب"مايو 2" وقررت ألا تتعامل معها ولا تدخل الانتخابات. ولم يكن الحزب ذاهلاً عن الشرط السالب الذي جرت فيه الانتخابات. فدولة مايو بثأرها ضد الانتفاضة هي الدولة ما تزال. ومتنت الجبهة الإسلامية القومية حلفها مع المجلس العسكري دفاعاً عن قوانين سبتمبر وألبت الناس والجيش للحرب ب"أمان السودان". كما امتلكت ناصية المال من بنوكها الناجحة. ولم يمنع هذا كله الشيوعيين من قبول تحدي الانتخابات متوكلين على جذوة الانتفاضة وثقة في جماهيرها التي ستبلغ بها الميس.
وكان من رأي الشوعيين إن ما بدا للحركة وغيرها من الانتفاضة كعودة لنميري خداع بصري. فالانتفاضة أحدثت بالفعل واقعاً سياسياً جديداً لا يستنسخ النميرية. فليس في المايوية سعة لأحزاب أو نقابات أو صحف سيدة نفسها لا تأتمر بالحزب الواحد الأحد. فالكفة رجحت بالانتفاضة لصالح القوى الديمقراطية وستكون الانتخابات، متى أحسنا القيام بها، هي المناسبة الشرعية لاستكمال عمل الانتفاضة.
وكان عشم الشيوعي أن تكون الحركة في طليعة ذلك الاستكمال لشغل الانتفاضة. فقد أمِل الحزب أن توظف الحركة رصيدها الرمزي والسياسي لتلك الغاية. فهي قد أصبحت موضع ثقة جماهير الانتفاضة التي تذكر لها "تلويعها" للمستبد حتى خبط الأرض. كما أنعشت في الجماهير الشمالية عشقاً جديداً للوطن بدعوتها للوحدة في سودان جديد. أما رصيدها السياسي فهو في امتلاكها مفاتيح الجنوب البرلمانية بما سيغذي البرلمان بكتلة نيابية للسلم والوحدة. وكان الحزب يرى أن الحركة استحقت أن تستقبل استقبال الابطال بما فعلت وبما وسعها أن تفعل في حلفها مع قوى الانتفاضة. وقال سليمان إن ذلك الاستقبال قد وقع لقرنق في 2005 بعد اتفاقية مرهقة مع نظام ليس أقل شراً من نميري.
لم يوفق سليمان في مهمته. وكان بذل جهداً لإزالة مخاوف الحركة من أن تكون الانتخابات مكيدة تحرمهم بطاقاتها الورقية من مزايا "فوهة البندقية". وربما الجأهم إلى هذا الظن السيء مكر نميري الذي اتفق معهم في أديس ابابا 1972 فحلوا جيش الأنانيا وقعدوا في الصقيعة. فقال لهم إنه لا أحد يرهن خوضهم الانتخابات بتصفية كيانهم العسكري. فليحتفظوا به حتى يأمنوا بغيره في وقتهم المناسب. وطلب من الرفيق الكوبي ان يكون شهيداً عليه وعلى قوى الانتفاضة في ذلك. ولم يكن الكوبي ميالاً للخطة. فالكوبيون يحبونها حرب تحرير حتى النصر. ولم تتزحزح الحركة عن موقف مقاطعة الانتخابات.
ومن رأي سليمان إن المقاطعة كانت خطأ كبيراً من الحركة. فقد أهدرت فرصة نادرة في تخليق حلف وطني ديمقراطي طيب أصله في الانتفاضة وفرعه في الحركة الشعبية البرلمانية. وناشد سليمان الحركة ألا تتبع طريق الانفصال فتخطيء الخطأ الذي سيقضي على الوطن بالمرة.
كنت اسمع إلى الرفيق الشفيع خضر على قناة الجزيرة وتوقعت منه مثل هذه الخبرات الشيوعية في الإلفة الوثقى مع الجنوب. ولم أجد منه، متى ذنبَّبه المحاور على فشلنا الشمالي في الجنوب، سوى اعتذرات عن خيبات الصفوة وما إلى ذلك.وللحديث بقية إن شاء الله.
2-من جهل تاريخه تبرع له به منصور خالد
استمعت بمزيد الحزن للقاء الدكتور الشفيع خضر، أمين الاتصال الخارجي بالحزب الشيوعي، بقناة الجزيرة قبل أيام. أزعجني انتداب نفسه متحدثاً باسم النخب السياسية الشمالية معلناً فشلها في بناء دولة جاذبة للجنوب. وأسقمني تنصيب نفسه ناطقاً عن هذه النخب من جهتين. فنظرية النخبة من مكروهات الماركسية ولها عراك فكري طويل ضدها لأنها تبطل الصراع الطبقي. ومن الجهة الأخرى عجبت ل"تماهي" الشفيع مع هذه النخب التي ما أنزل الله بها من سلطان. لم يميزها لا عن نفسه ولا حزبه ولا طبقته اللائي جئن به إلى مقعده ذلك في قناة الجزيرة.
فصفوة الطبقة العاملة السودانية التي عرفتها لم تفشل ولم تدمن الفشل. وددت لو سمعت الشفيع يحدث العرب عن طول باعنا النظري والعملي في إدارة التنوع العرقي والثقافي في دولة ما بعد الاستعمار. لو ذكر كلمة حسن الطاهر زروق في برلمان 1954. لو ذكر وقفتنا كالسيف وحدنا في وجه الشوفينية الشمالية بعد مذبحة توريت حفاظاً على الوطن. لو ذكر إيثار العمال لمطالبتهم بمساواة الأجور بين الشمال والجنوب في مقابل إثرة الأفندية الذين "لغفوا" السودنة. وودت لو ترحم على روح الرفيق تاج السر حسن آدم الذي بعثه اتحاد نقابات العمال في 1954 ليعين عمال الجنوب على تنظيم نقاباتهم. ومات قبل أشهر ولم ترد هذه المأثرة في دفتر حسناته السياسية. وددت لو ذكر ترجمة أستاذنا عبد الخالق لكتاب ستالين عن اللغة والمجتمع في 1954، وهو الكتاب الذي اتبعناه في كفالة الحقوق الثقافية القومية. ووضعت على هديه كتابي (الماركسية ومسالة اللغة السودانية، 1977) حملت فيه على القوميين الجنوبيين لتبذلهم في حقوق شعبهم الثقافية. وودت لو ذكر رفيقنا الحر دكتور مصطفى السيد الذي حمل البرنامج الوطني الديمقراطي عميقاٌ في الغابة وهو يطوف قرى الزاندي يداوي الجدري. وكتب عن ذلك في كتابه "مشاوير الحياة" وثيقة لنخبة أدمنت الشعب. وودت لو ذكر جوزيف قرنق، جو. وإعلان 9 يونيو. وموقفنا في الأحد الأسود في 1964 نحمي الجنوبيين من شوفنية شمالية بغيضة. وسهر معنا استاذنا عبد الخالق ليله بحاله.
لم أر سبباًً واحداً ليدخل الشفيع "في ضفوره" خجلاً نيابة عن نخب فشلها لا توقد له نار. وواضح أنه سمع العبارة من منصور خالد كغيره ونقلها عنه. وكنت حذرت من أن منصوراً حين يعمم الفشل على الصفوات فهو مثل أبو الحصين الذي قطع ذنبه في مغامرة سرقة البطيخ. ولما خاف اكتشاف ذِنبه من ذَنبه أغرى أبو حصينات الأخرى بقطع اذنابها. وضاع الأثر في الماء. وحرصت منذ نحو 3 سنوات على كتابة مأثرة الصفوة الماركسية في مسألة الجنوب في مقالات متسلسلة في مجلة "أوراق" بلغت 55 فصلاً. فمن جهل تاريخه تبرع له به منصور خالد.
لقد اقحم التاريخ الفاسد الذي كتبه منصوور خالد عن مسألة الجنوب أفاضل الشماليين في ما يعرف ب"عقدة الذنب الليبرالية". وهي إخجالهم من تاريخهم حتى النخاع. وهذه العقدة أوسع الأبواب لعقم السياسة لأن المصاب بها يتعاطي الآخر ، الجنوبي في حالنا، بوصاية وشفقة. فيعطل نقده له خشية أن يجرح مر النسيم خدوده بذريعة أننا اخطأنا في حقه وسففنا التراب. ولذلك جئت أمس بكلمة للاستاذ سليمان حامد خلت من هذه العاطفية المذنبة العقيم. فقد التمس من الحركة الشعبية أن لا تكرر بالانفصال خطأ إضرابها عن انتخابات 1986 لسبب واه. وقد نصحها الشيوعيون آنذاك ألا تفعل. ففعلت وجابت ضقلها يكركب
عقدة الذنب الليبرالية هي التي حجبت الحق عن الحركة الشعبية . . . طويلاً.
IbrahimA@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم