من حصار الفاشر إلى خطاب الإستقرار والأمن.. أي ذاكرة يراهن عليها الجنجويدي النور قبة؟

عبدالغني بريش فيوف
لم تمضِ إلا أيام قليلة على إعلان انشقاق اللواء النور قبة من صفوف ميليشيا الدعم السريع، حتى ظهر في أول حديث إعلامي له لصحيفة “الكرامة”، محاولا تقديم نفسه بصورة مختلفة تماما عن تلك التي يعرفها السودانيون جيدا.
فبينما لم يهدأ بعد غضب الشارع السوداني من الطريقة التي استُقبل بها من قبل قيادة الجيش، في مشهد بدا للكثيرين وكأنه استقبال بطل عائد من معركة وطنية، خرج الرجل برسالة إلى الشعب السوداني يدعو فيها إلى التكاتف من أجل استعادة الأمن والاستقرار، مؤكدا أن المستقبل سيكون لمن يلتزم بمؤسسات الدولة ويسهم في حماية الوطن.
غير أن هذه الرسالة التي أراد لها صاحبها أن تبدو وطنية ومطمئنة، بدت في نظر كثيرين أقرب إلى محاولة مستفزة لتجاوز ذاكرة الشعب السوداني ومعاناته، فالرجل الذي يتحدث اليوم بلغة الدولة والمؤسسات ليس شخصية مجهولة الماضي، بل هو أحد القادة العسكريين البارزين في ميليشيا الدعم السريع، تلك القوة التي ارتبط اسمها خلال هذه الحرب بارتكاب انتهاكات واسعة وجرائم مروعة في عدد من مناطق البلاد، إذ كيف يمكن لقائد عسكري كان جزءا من هذه الحرب ومن نتائجها الكارثية أن يظهر فجأة في ثوب الداعي إلى الأمن والاستقرار، وكيف يمكن أن يُطلب من الشعب السوداني أن يتلقى مثل هذه التصريحات وكأن شيئا لم يحدث؟
في حديثه لصحيفة الكرامة، قدم النور قبة رواية مفادها أن قراره بالانضمام إلى القوات المسلحة جاء بعد قناعة متدرجة بعدم جدوى استمرار القتال، وأوضح أن انتقاله لم يكن خطوة عشوائية، بل تم بتنسيق مسبق مع جهات عسكرية مختصة، وأن الهدف من ذلك هو دعم مؤسسات الدولة والمساهمة في استعادة الأمن والاستقرار.
هذه اللغة قد تبدو للوهلة الأولى لغة رجل قرر في لحظة مراجعة أن يقف مع الدولة ومؤسساتها، لكن المشكلة لا تكمن في الكلمات بقدر ما تكمن في التاريخ الذي يسبقها، فالقتال الذي يقول إنه اكتشف فجأة عدم جدواه، هو القتال ذاته الذي شارك فيه بفعالية طوال فترة الثلاث سنوات الماضية، والذي كانت نتيجته تدمير أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم وتشريد الملايين من السودانيين من بيوتهم ومدنهم.
الحديث عن دعم مؤسسات الدولة يبدو بدوره مفارقة لافتة، حين يصدر عن قائد كان جزءاً من قوة عسكرية تمردت على الدولة نفسها وأسهمت في تقويض مؤسساتها وإغراق البلاد في صراع دموي طويل، لذلك فإن السؤال الحقيقي، ليس لماذا انشق النور قبة، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدا، بعد كل ما وقع من مآس وخسائر.
هل كان هذا التحول نتيجة مراجعة أخلاقية حقيقية لما جرى، أم أنه مجرد قراءة جديدة لموازين القوى على الأرض، حين بدأت كفة المعركة تميل في اتجاه مختلف؟
في تفاصيل حديثه، أشار النور قبة إلى أن رحلته نحو مناطق سيطرة الجيش بدأت من شمال دارفور عبر طرق صحراوية وعرة استغرقت عدة أيام قبل أن يصل إلى وجهته، وربما أراد من خلال هذه الرواية أن يضفي طابعا دراميا على عملية انتقاله، وأن يقدمها باعتبارها خطوة صعبة اتخذها بعد تفكير طويل، لكن المشكلة هنا ليست في الطريق الذي سلكه للوصول إلى الجيش، بل في الطريق الطويل من الدم والدمار الذي سبق تلك الرحلة، فالمدن التي دمرت، والقرى التي أحرقت، والآلاف الذين فقدوا حياتهم خلال هذه الحرب، لم يكونوا مجرد تفاصيل عابرة يمكن تجاوزها بسهولة.
إن ذاكرة الشعوب لا تُمحى بهذه البساطة، ومعاناة الملايين من السودانيين الذين فقدوا بيوتهم وأمانهم وأقاربهم لا يمكن اختزالها في خطاب سياسي أو تصريح صحفي يدعو إلى التكاتف الوطني.
وتحدث النور قبة أيضا عن حالة من التوتر داخل صفوف الدعم السريع بعد إعلان انشقاقه، مؤكدا أن قراره نهائي ولا رجعة فيه، بل وأعرب عن اعتقاده بأن خطوته قد تدفع آخرين إلى مراجعة مواقفهم وإعادة تقييم خياراتهم.
قد يكون ذلك صحيحا من زاوية الحسابات العسكرية، وربما يشجع بعض القادة أو المقاتلين داخل الدعم السريع على التفكير في خطوات مماثلة، غير أن القضية بالنسبة للشعب السوداني لا تتعلق فقط بتبدل المواقع العسكرية أو انتقال القادة من معسكر إلى آخر، بل تتعلق قبل كل شيء بالمسؤولية عن الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال هذه الحرب، فالتحولات السياسية والعسكرية قد تكون جزءاً من مسار أي صراع، لكن العدالة تظل مطلبا أساسيا لأي مجتمع يسعى إلى التعافي بعد الكوارث، ومن دون الاعتراف بما حدث ومحاسبة المسؤولين عنه، فإن أي حديث عن المستقبل والاستقرار سيظل ناقصا ومثيرا للشكوك.
وفي جانب آخر من حديثه، كشف النور قبة عن تواصل هاتفي جمعه قبل أسبوعين بقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بحميرتي، مشيرا إلى أنه خارج السودان ويتنقل بين عدة مواقع، فيما يتولى شقيقه عبد الرحيم دقلو إدارة العمليات العسكرية بشكل مباشر.
هذه المعلومات قد تبدو ذات أهمية في سياق فهم طبيعة القيادة داخل الدعم السريع في هذه المرحلة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن مدى التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة السودانية، فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى شبكة من التحالفات والتحركات المتغيرة التي تجعل المشهد أكثر ضبابية.
كما نفى النور قبة وجود خلافات مع القوات المشتركة، مؤكداً أن العلاقة قائمة على التنسيق والتفاهم، وأن المرحلة المقبلة ستشهد انخراطا كاملا لقواته في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش، وأوضح أيضا أن إجراءات تنظيمية اتخذت داخل صفوفه شملت تغيير الزي العسكري والالتزام بالضوابط المعتمدة داخل القوات المسلحة.
لكن تغيير الزي العسكري، مهما كان مهما من الناحية التنظيمية، لا يعني بالضرورة تغييرا في الذاكرة أو في التاريخ، فالقضية بالنسبة للكثير من السودانيين ليست مجرد مسألة اندماج إداري أو عسكري، بل مسألة أخلاقية تتعلق بالمحاسبة والاعتراف بالمسؤولية.
إن تحويل قادة سابقين في ميليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة إلى شخصيات مرحب بها في مؤسسات الدولة من دون أي مراجعة أو مساءلة، يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الجرائم يمكن تجاوزها بسهولة إذا تغيرت التحالفات.
وفي ختام حديثه، وجه النور قبة رسالة إلى الشعب السوداني دعا فيها إلى التكاتف من أجل استعادة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن المستقبل سيكون لمن يلتزم بمؤسسات الدولة ويسهم في حماية الوطن.
هذه الدعوة، رغم ما تحمله ظاهريا من كلمات إيجابية، تطرح بدورها مفارقة مؤلمة، فالأمن والاستقرار اللذان يدعو إليهما اليوم هما نفسهما ما فقده ملايين السودانيين بسبب الحرب التي كان هو جزءا منها، ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه كثير من السودانيين اليوم، ليس ما إذا كان النور قبة قد غير موقعه العسكري، بل ما إذا كان قد غيّر فعلا موقفه من المسؤولية التاريخية عما جرى في البلاد.
إن الشعوب التي عانت من الحروب والنزاعات تعرف جيدا أن المصالحة الوطنية الحقيقية لا تُبنى على النسيان القسري ولا على تجاهل الماضي، بل على الاعتراف الصريح بالجرائم والمآسي، وعلى العدالة التي تضمن عدم تكرارها.
أما القفز فوق هذه الحقائق، ومحاولة تقديم شخصيات ارتبطت بالحرب والدمار في صورة دعاة للسلام والاستقرار، فإنه لا يؤدي إلا إلى تعميق الجراح وإثارة غضب الضحايا، ولهذا فإن ظهور النور قبة بهذه اللغة التصالحية لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن السياق الأوسع للحرب السودانية، ولا عن مشاعر الغضب والمرارة التي يعيشها ملايين السودانيين حتى اليوم، ذلك أن الشعب الذي فقد أبناءه وبيوته وأمانه ليس بحاجة إلى خطابات عامة عن الوطنية، بقدر حاجته إلى حقيقة واضحة وعدالة حقيقية.
وحتى يتحقق ذلك، سيظل السؤال معلقا في أذهان كثيرين، هو، إلى متى يستمر هذا الاستغباء لمشاعر الشعب السوداني، وإلى متى يُطلب من الضحايا أن يتعاملوا مع الماضي وكأنه صفحة يمكن طيها بهذه السهولة؟

bresh2@msn.com

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

من المتمة إلى الجنينة.. كيف برر الوليد مادبو الإبادة من عهد التعايشي إلى زمن الجنجويد!

عبدالغني بريش فيوفليس هناك ما هو أشد خطراً على مستقبل الأوطان من مثقف يطوّع قلمه …