من أكثر ما يردده طرفا الحرب في السودان اتهام الرافضين للانحياز إليهما بأنهم يقفون على الحياد في “معركة وطنية/أخلاقية عظيمة”، مستشهدين بمقولة مارتن لوثر كينغ عن أن الحياد في القضايا الأخلاقية الكبرى انحيازٌ للظالم.
غير أن هذه المقولة، على وجاهتها في سياقها، تفترض أولًا أن القضية المطروحة قضية أخلاقية واضحة الوجاهة، وأن أحد طرفيها يمثل الحق المبين تمثيلًا لا لبس فيه.
بيد أنه قبل مطالبة الناس بالانحياز، ينبغي للطرفين أن يجيبا عن سؤال أبسط: من الذي منحكما شهادة التفوق الأخلاقي؟ ومن الذي قرر أن هذه الحرب هي معركة بين الخير والشر، وليست مأساةً ضحيتها شعب مغلوب على أمره ويتقاسم وزرها طرفان كل يزعم أنه يخوض معركة أخلاقية/وطنية عظيمة؟
ثم من قال إننا محايدون؟
إن رفض الانضمام إلى أحد المعسكرين لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من الحق والباطل، ولا يعني التخلي عن الواجب الوطني أو الأخلاقي. على العكس، نحن أكثر انشغالًا بوطننا وأهلنا، ونسعى بكل ما نستطيع إلى إيقاف الحرب، وتخفيف معاناة الناس، والدعوة إلى الاحتكام للعقل بدل السلاح.
ولئن كنا لسنا محايدين، فلا نرى أنفسنا أيضًا تابعين لأي طرف من أطراف الصراع، بل نقف في مواجهة كل من يسهم في إدامة هذه المأساة، مهما كان اسمه أو شعاره أو مبرراته؛ ونعارض الجميع حين ينتهكون ويرتكبون الفظائع، ونؤيد أي خطوة تخدم الوطن والناس، مهما كان مصدرها. ولسنا مستعدين للتخلي عن استقلال حكمنا الأخلاقي لمجرد أن طرفًا يريد أن يضيف أسماءنا إلى قائمة مؤيديه.
ولا نعيب على من اختار الحياد. فالحياد بين حقٍ ظاهر وباطلٍ ظاهر قد يكون تقصيراً، أما الحياد بين باطلين، أو بين موقفين لم ينجح أي منهما في اكتساب المشروعية الأخلاقية، فهو موقف مفهوم، بل قد يكون أكثر شرفًا من الانخراط في تبرير أخطاء هذا أو جرائم ذاك.
المؤسف أن الطرفين لا يكتفيان بالدعوة إلى تأييدهما، بل يحاولان إكراه الآخرين على ذلك. فمن يرفض الاصطفاف يتعرض للتخوين والتشنيع والتنمر، وكأن حرية الضمير أصبحت جريمة. وهذه الرغبة الجامحة في إخضاع الناس ليست دليل قوة، وإنما دليل عجز عن الإقناع. فالقضية العادلة لا تحتاج إلى إرهابٍ معنوي لجذب المناصرين والمؤيدين، بل يكفي الحق أن يكون أبلج حتى يتقاطر إليه الناس.
ويشيع في هذا السياق منطقٌ آخر لا يقل خطورة، وهو مطالبة الناس بالانحياز إلى “الأقل سوءًا”. وكأن الشر أصبح درجات على مقياس حراري: إذا انخفضت درجته صار مقبولًا، وإذا ارتفعت صار مرفوضًا.
ولا نرى الأمر كذلك.
فالشر، في أصله، ليس مجرد كمية، بل هو كيفية. ليس رقمًا على مقياس، بل حقيقة أخلاقية. وقد يختلف باطلان في حجم الضرر، لكن اختلافهما في الدرجة لا يحول أحدهما إلى حق، ولا يمنحه حصانة أخلاقية، ولا يجعل تأييده واجبًا.
ليست مقاومة الباطل عملية مفاضلة بين الشرور فحسب، وإنما هي قبل ذلك تمسكٌ بالمبدأ. وقد تفرض الضرورات السياسية أحيانًا خيارات صعبة، لكن الضرورة شيء، وتحويلها إلى فضيلة أخلاقية شيء آخر. فلا ينبغي أن نخلط بين الحق الأيلج وبين ما يلجأ إليه بعض الناس اضطراراً، ثم لا يلبثوا أن يمدحوه باعتباره الحق الأوحد.
ولا نعتقد أن السودان سيخرج من محنته إذا ظل كل طرف يطالب الناس بأن يعطلوا ضمائرهم، ويستعيروا ضميره هو. وإنما يخرج منها يوم يستعيد الناس حقهم في أن يحكموا على الجميع بميزان واحد، وأن يقولوا لكل مخطئ: أخطأت، دون خوف من التخوين، ودون أن يُكرهوا على اختيار أحد الباطلين.
إن الحياد موقف مفهوم ومقبول عندما تكون المعركة بين باطلين لا يقفان على أرضية صلبة من المبادئ الأخلاقية العظيمة ولا يتمايزان فيما بينهما إلا كمياً في درجة السوء.
أما الموقف الأخلاقي غير المحايد وغير المنحاز فهو أن تقول لا لكلا الباطلين، لا أن تقول لأحدهما أنت أقل سوءا ولذلك فأنا معك.
أصحاب الضمير الحر والحي لا يستدعون ليكونوا أبواقاً وطبولاً ووقودا في حرب غير أخلاقية وغير وطنية، مصطفين مع هذا الطرف أو ذاك.
سيظل أصحاب الضمير الحي والحر يعملون أثناء الحرب للتخفيف من أوزارها على المستضعفين، محاولين إطفاء نارها والحيلولة دون انتشار شرارها.
وسيبقون شاهدين على الحقيقة، منحازين إلى الإنسان، وإلى العدل، وإلى الوطن.
ولن ينحازوا أبداً إلى المتحاربين.
ولن يكونوا أبداً ظهيراً للمجرمين.
-الريح عبد القادر-
.
elrayahabdelgadir@gmail.com
