من “لا للحرب” إلى “لا للخيبة”: قراءة في محنة البدايات من الصفر في الأزمة السودانية

في علوم السياسة كما في الإدارة، هناك فرقٌ جوهري بين من يؤسس لمشروع جديد (Kick-off) ومن يحاول فقط إعادة تشغيل مشروع بدأ أصلاً وتعثر لأسباب ما (Kick-start). والفرق هنا ليس لغوي فحسب، بل بين فلسفتين مختلفتين في الفهم والممارسة: الأولى تعني البدء من نقطة الصفر بالتفكير في الإشتراطات والحاجات الموضوعية والفاعلين، والثانية تعني ببساطة تحريك ما توقف، أو بإختصار البناء على ما أُنجز.
المشروع الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإيجاد سلام في السودان لن يعدو أن يكون ضمن ال Kick start
فنفسية وذهنية الرئيس ترمب تسعى ل “إنجاز سلام” يضمه لسجله من زاوية النتائج السريعة القابلة للإعلان، لا من زاوية تفكيك الأسباب المعقدة. فهو لا يبحث عن هندسة تسويات طويلة الأجل، بل عن توقيع اتفاق يوقف صوت الرصاص ولو مرحلياً. Kick-start لمسار متعثر بدأته جدة، لا Kick-off لمشروع تأسيسي جديد. وذلك ضمن تحليل الذهنية الأمريكية البراغماتية التي لا تجنح للبداية من الصفر.
مهما يكن من أمر، ولضمان فهم مجمل الصورة يجب البدء بقراءة موقف القوى الإقليمية في هذا المسار وتحديداً الإمارات ومصر. فكلاهما ظلّ طوال فترة الحرب يقدم دعمه — وإن تفاوتت الدرجة والأسلوب — لصالح أحد طرفي النزاع.
الإمارات تدعم الدعم السريع بشكل مباشر أو غير مباشر، وتسعى لضمان بقاء هذه القوة كفاعل ميداني يمكّنها من الاحتفاظ بنفوذ استراتيجي في السودان، لا سيما فيما يتصل بالموانئ والتعدين وموقع السودان في معادلات البحر الأحمر. مصر، من جهتها، تحرص على بقاء الجيش السوداني موحّداً ومسيطراً، كنسخة لنموذج متحقق فعلاً… غير أن كلا الطرفين يلتقيان عند نقطة جوهرية واحدة رفض أي تحول ديمقراطي حقيقي قد يُخرج المشهد من أيدي العسكر تماماً ويفتح الباب لقوى مدنية قد لا تتفق مع مصالحهما.
هذا التفاهم الضمني بين أبوظبي والقاهرة ليس خافياً على واشنطن، بل هو جزء من الترتيبات التي تتعاطى معها إدارة ترمب ببراغماتية كاملة. فالإمارات ومصر، رغم تباين دعمهما لأطراف الحرب، تتقاطعان في أمرين: الأول، منع تمدد الديمقراطية في السودان، والثاني، الحفاظ على ترتيبات أمنية تجعل أي استقرار محتمل يخدم مصالحهما، لا مصالح السودانيين في بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة الطابع. كما أن قيادة كلا البلدين محل ثقة شخصية لدى الرئيس ترمب، وهو ما يجعل أي تسوية أمريكية تراعي مصالحهما قبل أن تفكر في طموحات القوى المدنية السودانية.
مِن هذا المنطلق، لا يمكن للقوى المدنية السودانية أن تُفاجأ من استبعادها في أي عملية تسوية مرتقبة. فما ستقوم به أمريكا على الأرجح ليس اختراع طاولة، بل إعادة تشغيل طاولة صُممت أصلًا بين القوى المتحاربة، لحفظ التوازن الأمني لا للبحث عن انتقال ديمقراطي. كان من الممكن لهذه القوى أن تقرأ هذا المشهد منذ البداية، حين أمنت “بسذاجة” على مسار جدة التفاوضي وباركته رغم وضوح أهدافه ومحدوديتها.
لقد نبه كاتب هذا المقال مبكراً لذلك الموقف في مقال سابق بعنوان “شعار لا للحرب.. نقص القادرين على التمام” نشر بصحيفة سودانايل بتاريخ 20 مايو 2023م فبرغم الطابع الأخلاقي النبيل لشعار لا للحرب، إلا انه كان بمثابة إعلان انسحابٍ صريح من دائرة الفعل إلى دائرة الهموم، وفقاً لتوصيف ستيفن آر. كوفي. فهو موقف رفضَ الحرب عند لحظة إندلاعها، غير أنه لم يُترجم إلى آليات تجعل القوى المدنية قادرة على التأثير في مجرياتها أو في مآلاتها. ولأن القوى المدنية لم تمتلك أدوات الفعل أو أوراق القوة، فقد أُقصيت بطبيعة الحال من مسارات القرار، وأُعيد تموضعها كشاهد على صفقات تُبرم بين مَن يسيطرون على الأرض و يملكون السلاح. كان ذلك المقال محاولة للتنبيه المبكر إلى أن مجرد رفع الشعار لا يصنع سياسة، وأن من يرفع شعار “لا للحرب” دون أن يسنده برؤية أو أدوات، يتحول من فاعل محتمل إلى متفرج مضطر. اليوم، وقد قررت القوى الدولية أن تُعيد تحريك المسار لا إطلاقه، يتأكد أن هذا الشعار لم يكن كافياً لحجز مقعد في طاولة صُنعت لمن يملكون وسائل الفرض، لا لمن يكتفون بالاحتجاج الأخلاقي.
أمريكا عادة لا تبدأ من الصفر، وتعيد هندسة ما تراه صالحاً للتحريك. فالمشهد برمته يتمثل في حقائق قد تبدو محزنة وهي أن الإقليم يوزع الأدوار وفق مصالحه، والعسكر يفاوضون لأن بيدهم القوة وقد صاروا أشبه بوكلاء للقوى الإقليمية. وأمريكا تريد أن يُكتب السلام في سجل ترمب الطامح لنوبل بأي ثمن… ومَن ليس بوسعه إدراك هذه الحقائق المحزنة، لن يصنع له مكاناً في نهاياته. القوى المدنية السودانية، إذا أرادت استعادة دورها، لا بد لها من إعادة التفكير لا في الشعارات، بل في الأدوات: كيف تنتقل من دائرة الهموم إلى دائرة التأثير؟
الإجابة ليست في طلب طاولة جديدة، تضمهم وتضمن تمثيلهم بل في إدراك أن اللعبة مستمرة فوق طاولة قائمة، ومَن لا يمتلك كروتاً لا يُدعى للعب.
لذلك، من المهم التذكير أن الفارق بين Kick-off و Kick-start ليس مجرد فارق لغوي، بل يعكس اختلافًا جوهرياً في فلسفة التعامل مع النزاعات وفق المنطق الأمريكي.
وأزاء معطيات هذا الواقع، لن يكون التفكير الرغبوي كافياً لإعادة القوى المدنية إلى قلب المعادلة. فمن لا يمتلك أوراق التأثير سيظل خارج دوائر الفعل، مهما حسُنت نواياه أو سمت شعاراته. إن ما تحتاجه القوى المدنية اليوم ليس انتظار دعوة جديدة، بل امتلاك أدوات تجعل حضورها في أي مسار تفاوضي أمراً لا يمكن تجاوزه.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …