باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 20 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من منصب القائد العام للجيش إلى مفتاح الدولة

اخر تحديث: 19 سبتمبر, 2026 9:27 مساءً
شارك

من منصب القائد العام للجيش إلى مفتاح الدولة: كيف تحوّل تركّز القيادة العليا للقوات المسلحة السودانية من أداة للانضباط العسكري إلى مدخل للسلطة السياسية؟

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تتناول الدراسة تاريخ منصب القائد العام للقوات المسلحة السودانية باعتباره مدخلاً أساسياً لفهم تطور العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والسلطة السياسية في السودان، وتخلص إلى أن المشكلة التاريخية لم تكن في وجود قيادة عسكرية عليا في حد ذاته، وإنما في طبيعة الصلاحيات المرتبطة بها، وموقعها داخل النظام الدستوري، ومدى خضوعها للرقابة المدنية والمؤسسية، وقدرتها على التحول من قيادة مهنية للقوات المسلحة إلى مركز للسلطة السياسية والاقتصادية والأمنية. ولذلك فإن تاريخ هذا المنصب يعكس جانباً مهماً من تاريخ الدولة السودانية نفسها، من مرحلة سودنة الجيش والاستقلال، مروراً بالانقلابات العسكرية، ثم عهد الإنقاذ، فالانتقال بعد ثورة ديسمبر، وانقلاب 25 أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 وما أعقبها.

بدأت جذور القوات المسلحة السودانية الحديثة في مؤسسات عسكرية أنشأها الحكم الاستعماري، ثم تطورت عملية سودنة القيادة العسكرية في السنوات السابقة للاستقلال. واكتسبت عملية السودنة أهمية سياسية ومؤسسية لأنها نقلت القيادة تدريجياً إلى ضباط سودانيين وجعلت القوات المسلحة واحدة من أهم المؤسسات الوطنية الموحدة عند الاستقلال في يناير 1956. وقد منح الجيش هذا الموقع وزناً سياسياً يتجاوز وظيفته العسكرية، خاصة في ظل ضعف المؤسسات المدنية واتساع البلاد والتفاوتات الإقليمية والصراعات السياسية والاجتماعية. ومنذ البداية أصبح السؤال المتعلق بمن يقود القوات المسلحة مرتبطاً بصورة وثيقة بالسؤال المتعلق بمن يملك القدرة على التأثير في الدولة.

أظهرت السنوات التالية للاستقلال أن المؤسسة العسكرية لم تظل بعيدة عن السياسة. فقد وقع انقلاب إبراهيم عبود في 1958، ثم انقلاب جعفر نميري في 1969، ثم انقلاب عمر البشير في 1989. وعلى الرغم من اختلاف الظروف السياسية والأيديولوجية والتحالفات المحيطة بكل انقلاب، فإن القاسم المشترك بينها كان انتقال القيادة العسكرية من قيادة المؤسسة المسلحة إلى ممارسة السلطة السياسية على مستوى الدولة. وأصبح قائد عسكري أو ضابط كبير في كل تجربة رئيساً للدولة أو مركزاً رئيسياً للسلطة. وفي المقابل شهد السودان انتفاضات شعبية أطاحت بنظامي عبود في 1964 ونميري في 1985، ثم ثورة ديسمبر التي أطاحت بالبشير في 2019، مما يؤكد أن التاريخ السوداني لم يكن تاريخ تدخل الجيش في السياسة فقط، بل كان أيضاً تاريخ مقاومة مجتمعية متكررة لاحتكار السلطة.

يحتل قانون القوات المسلحة لسنة 1983 وتعديلاته مكانة مهمة في النقاش حول بنية منصب القائد العام، لأن القوانين العسكرية تحدد من يملك صلاحيات التعيين والترقية والإعفاء والإحالة إلى التقاعد وإعادة تشكيل القيادة. ويعرض العميد الركن المتقاعد السر أحمد سعيد في كتابه «السيف والطغاة: القوات المسلحة السودانية والسياسة» قراءة مؤسسية ترى أن جانباً من أزمة الجيش ارتبط بالتغيرات التي أدخلها قانون 1983، وبتركيز قدر كبير من السلطة في موقع القائد العام، بما أضعف المؤسسات المهنية والرقابية وفتح المجال للولاءات الشخصية والتسييس والإقصاء. وانطلاقاً من هذه القراءة طرح السر أحمد سعيد تصوراً لإلغاء موقع القائد العام بصورته ذات الصلاحيات الفردية المركزة، ونقل القيادة المهنية إلى هيئة أركان مشتركة ذات طابع جماعي مؤسسي، مع الاستفادة من بعض خصائص النموذج الأميركي.

ولا يعني هذا الطرح إلغاء القيادة العسكرية أو التسلسل القيادي، وإنما يميز بين الحاجة إلى قيادة عملياتية واضحة وبين تركيز سلطة التعيين والترقية والإعفاء والتقاعد والقرارات المؤسسية الكبرى في شخص واحد. كما أن جوهر المشكلة لا يمكن اختزاله في نص قانوني واحد، لأن أثر القوانين يعتمد على السياق السياسي والمؤسسي وعلى قوة الرقابة المدنية والقضائية والبرلمانية. ولذلك فإن قضية القائد العام هي في حقيقتها قضية توازن بين القيادة المهنية والسلطة الشخصية، وبين التسلسل العسكري الضروري وبين الضوابط المؤسسية الضرورية لمنع تحول القيادة إلى سلطة شخصية.

خلال عهد الإنقاذ منذ 1989 اتسعت العلاقة بين القوات المسلحة والدولة من خلال إعادة تنظيم المجال الأمني والعسكري وظهور أجهزة وقوات مسلحة متعددة، من بينها قوات الدفاع الشعبي ثم قوات الدعم السريع، إلى جانب الأجهزة الأمنية المختلفة. وأدى تعدد مراكز القوة إلى تعقيد بنية الدولة الأمنية بدلاً من إنتاج قيادة وطنية موحدة خاضعة لمؤسسات مدنية قوية. كما توسع الدور الاقتصادي للمؤسسات العسكرية والأمنية، فأصبحت الشركات والأصول والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية جزءاً من معادلة القوة السياسية. وأصبح النفوذ العسكري لا يقاس فقط بالقدرة على إصدار الأوامر للقوات، وإنما أيضاً بالسيطرة أو التأثير في الموارد الاقتصادية والتعيينات والشبكات الأمنية والسياسية.

أعادت ثورة ديسمبر 2018–2019 سؤال القيادة العسكرية إلى قلب الدولة. فعندما أُطيح بالبشير في أبريل 2019 تولى الجيش قيادة المرحلة الانتقالية عبر المجلس العسكري الانتقالي برئاسة عبد الفتاح البرهان، ثم أُنشئت بموجب الوثيقة الدستورية مؤسسات انتقالية جمعت بين المدنيين والعسكريين. وأقرت الوثيقة مكانة القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والمؤسسات الأمنية، لكنها لم تحسم بصورة نهائية قضايا جوهرية، مثل الاحتكار الموحد للقوة المسلحة، والعلاقة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والاقتصاد العسكري، والحدود الدقيقة بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية. ولذلك ظل الانتقال قائماً على تسوية مؤقتة أكثر منه إعادة بناء مكتملة للعلاقة بين الجيش والدولة.

في 25 أكتوبر 2021 عاد القائد العسكري إلى مركز السلطة السياسية بصورة مباشرة عندما أعلن عبد الفتاح البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ واعتقال رئيس الوزراء وعدد من المسؤولين. وأدى ذلك إلى انهيار الصيغة الانتقالية التي كانت قائمة على تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين. وأصبحت المسافة بين قيادة القوات المسلحة وممارسة السلطة السياسية أضعف، وهو ما أعاد إلى الواجهة الإشكالية الأساسية للعلاقات المدنية-العسكرية: كيف يمكن أن تكون القوات المسلحة مؤسسة مهنية قوية وقادرة على أداء مهامها، وفي الوقت نفسه تخضع للسلطة المدنية الدستورية ولا تتحول قيادتها إلى سلطة سياسية مستقلة؟

كشفت حرب 15 أبريل 2023 أن أزمة القيادة العسكرية في السودان أعمق من مسألة شاغل منصب القائد العام. فقد كانت الخلافات حول مستقبل قوات الدعم السريع ودمجها في القوات المسلحة، وتسلسل القيادة، والمدة الزمنية للدمج، ومن يملك القرار النهائي بشأن القوة المسلحة، من القضايا الرئيسية التي سبقت الحرب. وعندما اندلعت الحرب ظهر بوضوح أن الدولة لم تكن تمتلك احتكاراً موحداً للقوة، بل كانت هناك القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والحركات المسلحة وأجهزة وقوات أمنية أخرى ذات درجات مختلفة من الاستقلال. وهكذا كشفت الحرب أن وجود قيادة رسمية للقوات المسلحة لا يكفي وحده لضمان وحدة القوة العسكرية على مستوى الدولة.

وأدت الحرب إلى انهيار واسع في الحياة المدنية والخدمات والبنية التحتية ونزوح ملايين السودانيين. كما أن تغير أعداد النازحين لا ينبغي تفسيره باعتباره تغيراً موازياً في عدد سكان السودان، لأن الانتقال من النزوح إلى العودة أو من منطقة إلى أخرى يمثل حركة سكانية لا فقداناً سكانياً بالضرورة. وأصبحت عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية مرتبطة بصورة مباشرة بإعادة بناء الدولة نفسها، لأن الحرب أظهرت العلاقة بين تعدد مراكز القوة المسلحة وبين انهيار النظام السياسي والمؤسسي.

خلال 2025 و2026 استمر القائد العام في أداء دور محوري في إعادة تشكيل قمة المؤسسة العسكرية. وشملت إعادة تنظيم هيئة الأركان تعيين رئيس جديد لها ونواب ومسؤولين عن العمليات والاستخبارات العسكرية والقوات الجوية والدفاع الجوي والتدريب والإدارة والتفتيش والخدمات الطبية وغيرها. وتوضح هذه التعيينات أن القائد العام يملك تأثيراً مهماً في تشكيل القيادة العليا للقوات المسلحة، وهو أمر طبيعي من حيث الحاجة إلى قيادة عسكرية قادرة على إدارة المؤسسة، لكنه يصبح قضية مؤسسية عندما لا تكون التعيينات والترقيات والإعفاءات محكومة بقواعد مهنية ثابتة وشفافة وقابلة للمراجعة.

وفي سبتمبر 2026 أُثير مجدداً النقاش حول العلاقة بين قيادة القوات المسلحة ورئاسة الدولة بعد تصريحات منسوبة إلى ياسر العطا بشأن بقاء عبد الفتاح البرهان رئيساً للدولة لعدة دورات انتخابية إلى حين إعادة بناء الأحزاب السياسية. وتكتسب هذه التصريحات أهميتها لأنها تعيد إنتاج السؤال الذي طرحه السر أحمد سعيد من زاوية معاكسة: هل ينبغي أن تكون القيادة العسكرية المهنية منفصلة مؤسسياً عن رئاسة الدولة، أم يمكن أن يستمر الجمع بين الموقعين أو الارتباط الوثيق بينهما؟ ولا يمثل التصريح وحده نصاً دستورياً أو خطة سياسية مكتملة، لكنه يكشف استمرار الجدل حول طبيعة العلاقة بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية.

تكشف المقارنة بين طرح السر أحمد سعيد والتصورات التي ظهرت في النقاش السياسي والعسكري الحديث اختلافاً أساسياً في فهم العلاقة بين القوة العسكرية والدولة. فالرؤية التي عرضها السر أحمد سعيد تركز على تقليل تركّز السلطة داخل المؤسسة العسكرية وبناء قيادة جماعية أكثر مؤسسية، بينما يؤدي استمرار الجمع بين القيادة العسكرية ورئاسة الدولة، إذا تحول إلى قاعدة دائمة، إلى تقليص المسافة بين السلطة السياسية والقيادة العسكرية. ويحتاج فهم النموذج الأميركي المشار إليه في طرح السر أحمد سعيد إلى قدر من الدقة، لأن الولايات المتحدة لا تلغي القيادة العليا السياسية للقوات المسلحة، بل تجعل الرئيس قائداً أعلى دستورياً، مع وجود وزير دفاع مدني وهيئة أركان مشتركة ورؤساء قيادات قتالية ضمن سلسلة قيادة واضحة. ولذلك فإن الدرس المؤسسي لا يتمثل في نسخ النموذج الأميركي، وإنما في الفصل بين الوظائف السياسية والعملياتية وإنشاء مؤسسات متعددة تمنع احتكار القرار العسكري في شخص واحد.

وتخلص الدراسة إلى أن إصلاح منصب القائد العام لا يمكن أن يتم بمعزل عن إصلاح القطاع الأمني والعسكري كله. ويتطلب ذلك تحديداً دستورياً واضحاً للقيادة المدنية للقوات المسلحة، وتحديداً دقيقاً للقيادة المهنية اليومية، وتنظيم اختصاصات رئيس هيئة الأركان، ووضع قواعد ثابتة للتعيين والترقية والإعفاء والتقاعد، وإخضاع ميزانية الدفاع والإنفاق العسكري لرقابة تشريعية ومالية مناسبة، ومعالجة الاقتصاد العسكري، وإعادة تنظيم العلاقة مع قوات الدعم السريع والحركات المسلحة من خلال ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج أو الدمج المهني المنظم وفق معايير واضحة، إضافة إلى إصلاح الشرطة والأجهزة الاستخبارية والقوات شبه العسكرية.

كما ينبغي أن تظل القرارات المتعلقة بالحرب والسلام والميزانية الدفاعية وإعلان الطوارئ والرقابة على المؤسسات العسكرية ضمن الإطار الدستوري المدني، مع عدم تحويل الرقابة المدنية إلى تدخل سياسي في التفاصيل العملياتية اليومية. فالمطلوب ليس جيشاً ضعيفاً، وإنما جيش قوي مهنياً ومنضبط دستورياً؛ قيادة عملياتية واضحة، لكن دون احتكار شخصي للسلطة المؤسسية؛ ومؤسسة عسكرية قادرة على الدفاع عن الدولة، ولكن غير قادرة أو مخولة بحكمها.

والخلاصة الأساسية للدراسة هي أن المشكلة السودانية ليست في اسم القائد العام ولا في وجود هذا المنصب بصورة مجردة، وإنما في قابلية المنصب لأن يتحول، في ظل ضعف المؤسسات المدنية وتعدد القوات المسلحة وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية، إلى بوابة للسيطرة على الدولة. فقد أظهر التاريخ السوداني أن انتقال قائد عسكري إلى قمة الدولة تكرر في مراحل مختلفة، وأن الجمع بين القوة العسكرية والسلطة السياسية يمكن أن يضعف الفصل المؤسسي بين من يقود القوة ومن يقرر كيفية استخدامها.

وبالتالي فإن القضية الأعمق التي يواجهها السودان في مرحلة ما بعد الحرب ليست تحديد الشخص الذي سيشغل منصب القائد العام، وإنما بناء نظام تكون فيه الدولة أقوى من القائد، والمؤسسة أقوى من الشخص، والجيش مؤسسة وطنية مهنية موحدة لا تتحول إلى حزب سياسي أو أداة شخصية، وفي الوقت نفسه تخضع لسلطة مدنية دستورية قادرة على الرقابة والمساءلة. وبذلك تصبح قوة القوات المسلحة نابعة من قوة مؤسساتها وقواعدها المهنية، لا من تركيز السلطة في شخص قائدها، ويصبح تغيير القائد انتقالاً مؤسسياً عادياً لا أزمة سياسية أو إعادة تأسيس للدولة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: تاريخ منصب واحد يكشف تاريخ العلاقة بين الجيش والدولة

يمثل منصب القائد العام للقوات المسلحة السودانية أكثر من مجرد وظيفة عسكرية عليا؛ فهو أحد المفاتيح الأساسية لفهم تطور الدولة السودانية الحديثة والعلاقة المضطربة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. فمنذ نشأة الجيش الوطني وتبلور مؤسساته في السنوات الأخيرة من الحكم الاستعماري، مروراً بالاستقلال والانقلابات العسكرية في 1958 و1969 و1989، ثم الانتفاضتين الشعبيتين في 1964 و1985، وانتهاءً بانقلاب 2021 والحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، ظل السؤال المتعلق بمن يملك سلطة القيادة العليا للقوة المسلحة مرتبطاً بصورة مباشرة بالسؤال الأوسع: من يملك الدولة، ومن يستطيع أن يقرر اتجاهها السياسي والأمني والاقتصادي؟

ولا تكمن المشكلة التاريخية بالضرورة في وجود منصب قائد عام للقوات المسلحة في حد ذاته، إذ تحتاج الجيوش الحديثة إلى قيادة واضحة وسلسلة قيادة محددة. وإنما تكمن القضية في طبيعة الصلاحيات التي تُمنح لهذا المنصب، وفي موقعه داخل النظام الدستوري، وفي مدى الفصل بين القيادة العسكرية المهنية والسلطة السياسية، وفي وجود مؤسسات قادرة على مراقبة قرارات القيادة العسكرية ومراجعتها ومساءلتها. ولهذا فإن تاريخ منصب القائد العام في السودان يمكن قراءته بوصفه تاريخاً لتحول القيادة العسكرية من وظيفة مؤسسية داخل الدولة إلى موقع قد يصبح، في ظروف معينة، مدخلاً إلى السيطرة على الدولة نفسها.

وتزداد أهمية هذا السؤال بعد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لأن الحرب كشفت بصورة شديدة الوضوح أن وجود جيش قوي لا يعني بالضرورة وجود بنية قيادة عسكرية مستقرة أو احتكار مؤسسي موحد للقوة المسلحة. فقد تحولت قضية دمج قوات الدعم السريع وتحديد التسلسل القيادي والمدة الزمنية للدمج إلى واحدة من القضايا المركزية في الأزمة التي سبقت الحرب، وأصبحت مسألة من يخضع لمن، ومن يملك القرار النهائي بشأن القوات المسلحة، جزءاً من الصراع السياسي والعسكري نفسه.

وتعتمد هذه الدراسة منهجاً تاريخياً-مؤسسياً يربط تطور منصب القائد العام بالتغيرات الدستورية والقانونية والانقلابات العسكرية والحروب والتحولات السياسية والاقتصادية. وقد تم ترتيب المادة وفق تسلسل سببي يبدأ من نشأة القيادة العسكرية الوطنية، ثم ينتقل إلى تدخل الجيش في الحكم، ثم إلى التحولات القانونية والمؤسسية، ثم إلى عهد الإنقاذ، فالانتقال بعد ثورة ديسمبر، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وحرب 15 أبريل 2023، وأخيراً إلى الحاضر والخيارات المؤسسية المستقبلية. والهدف من هذا الترتيب ليس سرد تاريخ عسكري متتابع فحسب، بل تفسير الكيفية التي تراكمت بها الصلاحيات والعلاقات السياسية والاقتصادية حول منصب القائد العام حتى أصبح موقعه جزءاً من معادلة الحكم في السودان.

من جيش مستعمَر إلى مؤسسة وطنية: كيف وُلدت القيادة العليا للقوات المسلحة السودانية؟

تعود جذور القوات المسلحة السودانية الحديثة إلى القوات التي أنشأها الحكم الثنائي البريطاني-المصري وأُعيد تنظيمها تدريجياً لتخدم أغراض الدولة الاستعمارية، قبل أن تبدأ عملية سودنة القيادة العسكرية في السنوات السابقة للاستقلال. وكانت سودنة القوات المسلحة خطوة سياسية ورمزية ومؤسسية مهمة، لأنها نقلت تدريجياً السيطرة على المؤسسة العسكرية من الضباط البريطانيين وغير السودانيين إلى ضباط سودانيين.

وتشير الرواية الرسمية للقوات المسلحة إلى 14 أغسطس 1954 بوصفه تاريخاً بارزاً في عملية سودنة القوات المسلحة، مع تولي الفريق أحمد محمد الجعلي موقع القائد العام في سياق هذه العملية. وهذه الرواية الرسمية مهمة لفهم الطريقة التي تصف بها المؤسسة العسكرية نفسها بوصفها إحدى أولى المؤسسات الوطنية التي اكتملت سودنتها قبل الاستقلال.

وعند إعلان استقلال السودان في الأول من يناير 1956، كانت البلاد تمتلك جيشاً وطنياً يمثل إحدى المؤسسات القليلة التي امتلكت بنية تنظيمية موحدة على المستوى الوطني. ولذلك اكتسب الجيش منذ البداية وزناً يتجاوز حجمه العسكري المباشر. فقد كان من المؤسسات التي تمتلك الانضباط والتنظيم والقدرة على الحركة والاتصال في دولة تعاني من ضعف المؤسسات المدنية، واتساع الأراضي، والتفاوت الإقليمي، والصراعات السياسية والاجتماعية.

هذه الخاصية ستصبح لاحقاً ذات أهمية حاسمة. فالمؤسسة التي تمتلك احتكاراً نسبياً للقوة المنظمة تستطيع أن تصبح لاعباً سياسياً عندما تكون المؤسسات المدنية ضعيفة أو منقسمة. وهنا لا يكون السؤال فقط: لماذا تدخل الجيش في السياسة؟ بل أيضاً: كيف صُممت الدولة بحيث أصبح الجيش يمتلك القدرة المؤسسية على التدخل؟

وتؤكد الأدبيات المقارنة للعلاقات المدنية-العسكرية أن استقلال المؤسسة العسكرية مهنياً عن الأحزاب والسياسة لا يعني بالضرورة ابتعادها عن السياسة إذا كانت البنية الدستورية لا تضع حدوداً واضحة بين الوظائف العسكرية والسلطة السياسية (Huntington, 1957; Janowitz, 1960; Finer, 1988). وتوضح الحالة السودانية هذه الإشكالية بصورة خاصة، لأن المؤسسة العسكرية لم تكن مجرد جهاز دفاع خارجي، وإنما أصبحت في مراحل مختلفة طرفاً في تحديد طبيعة النظام السياسي نفسه.

1958 و1969 و1989: عندما انتقلت القيادة العسكرية من الثكنة إلى قمة الدولة

شهد السودان منذ الاستقلال ثلاث عمليات استيلاء عسكري رئيسية على السلطة قبل عام 2019: انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958، وانقلاب العقيد جعفر نميري في مايو 1969، وانقلاب العميد عمر حسن أحمد البشير في يونيو 1989. وعلى الرغم من اختلاف الظروف والأيديولوجيات والتحالفات في الحالات الثلاث، فإنها تكشف نمطاً تاريخياً مهماً: انتقال القيادة العسكرية من قيادة القوات إلى ممارسة السيادة السياسية.

في نوفمبر 1958، تولى الفريق إبراهيم عبود السلطة في انقلاب عسكري جاء في سياق أزمة سياسية داخل النظام البرلماني. وقد كان انقلاب 1958 مختلفاً عن انقلاب 1989 من حيث طبيعته الأيديولوجية والتحالفات السياسية المحيطة به، لكنه وضع سابقة تاريخية شديدة الأهمية تمثلت في أن قائد القوات المسلحة أصبح رئيساً للدولة.

ثم جاء انقلاب مايو 1969 بقيادة جعفر نميري، في تحالف أولي مع قوى سياسية يسارية وقومية. وسرعان ما دخل النظام الجديد في صراعات داخلية، بما في ذلك الصراع مع الحزب الشيوعي السوداني في يوليو 1971. وبعد ذلك تطور نظام مايو إلى بنية رئاسية عسكرية شديدة التركيز للسلطة.

أما انقلاب يونيو 1989 فقد اتخذ شكلاً مختلفاً تماماً، إذ جاء بتحالف بين قيادة عسكرية بقيادة عمر البشير والحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي. ولم يكن الانقلاب مجرد تغيير للحكومة، بل كان بداية إعادة هندسة واسعة للدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصاد السياسي. ومع مرور الوقت، أصبح الرئيس نفسه القائد الأعلى للدولة والقوات المسلحة، بينما أعيد تشكيل مؤسسات الأمن والقوة والاقتصاد بما يخدم استمرارية النظام.

وهكذا تكشف الانقلابات الثلاثة عن مسار تاريخي متكرر: أزمة سياسية مدنية، ثم تدخل عسكري، ثم انتقال قائد عسكري أو ضابط كبير إلى قمة الدولة. وقد أشار باحثون إلى أن القوات المسلحة السودانية أطاحت بثلاث حكومات مدنية قبل انقلاب أكتوبر 2021، وأن هذه التدخلات ارتبطت كل مرة تقريباً بإعادة تنظيم المجال السياسي والأمني حول قيادة عسكرية جديدة (Woodward, 2020; Verhoeven, 2023).

لكن التاريخ السوداني يكشف أيضاً الوجه المقابل لهذا المسار. ففي 1964 أدت المقاومة الشعبية إلى سقوط نظام عبود، وفي 1985 أدى الحراك الشعبي إلى سقوط نظام نميري، وفي 2019 أدى الحراك الجماهيري إلى إسقاط نظام البشير. ولذلك فإن تاريخ السودان ليس تاريخ تدخل الجيش في السياسة فقط، بل تاريخ التوتر المستمر بين سلطة عسكرية مركزية ومجتمع مدني يطالب باستعادة المجال السياسي.

وقد كانت إحدى الخصائص المتكررة أن إزالة الحاكم العسكري لم تكن تعني بالضرورة إعادة بناء العلاقة المؤسسية بين الجيش والدولة. ففي 1985 تولى المشير عبد الرحمن سوار الذهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وبدأ انتقالاً إلى الحكم المدني. وكانت التجربة قصيرة نسبياً، لكنها أكدت أن الجيش ظل مؤسسة لا يمكن تجاوزها في ترتيبات الانتقال السياسي.

قانون 1983: عندما أصبح السؤال القانوني سؤالاً عن بنية السلطة نفسها

تحتل قوانين القوات المسلحة مكانة مركزية في فهم تطور منصب القائد العام، لأن القانون هو الذي يحدد بصورة رسمية من يعين كبار الضباط، ومن يرقّيهم، ومن يحيلهم إلى التقاعد، ومن يملك سلطة توزيع المسؤوليات القيادية، ومن يملك القرار في الظروف الاستثنائية.

وقد قدم العميد الركن المتقاعد السر أحمد سعيد – أحد أكفأ ضباط القوات المسلحة المشهود لهم بالمناقبية المهنية والتميُز- في كتابه “السيف والطغاة: القوات المسلحة السودانية والسياسة” الصادر عام 2003، رؤية مؤسسية تناقض مشروع العطا من أساسه. فهو يعيد جانباً مهماً من أزمة الجيش إلى قانون القوات المسلحة لسنة 1983 وتعديلاته، الذي ركز سلطات التعيين والترقية والإعفاء والإحالة إلى التقاعد في يد القائد العام، فأضعف المؤسسات المهنية والرقابية، وفتح المجال للولاء الشخصي والتسييس والإقصاء، وجعل السيطرة على موقع القائد العام مدخلاً للسيطرة على الجيش والدولة.

وانطلاقاً من ذلك، اقترح سعادة العميد إلغاء موقع القائد العام بصورته ذات الصلاحيات الفردية المركزة، وإسناد القيادة المهنية إلى هيئة أركان مشتركة، على غرار النموذج الأميركي. والمقصود ليس إضعاف القيادة العسكرية، بل تحويلها من سلطة شخصية هرمية إلى قيادة جماعية مؤسسية تتوزع داخلها المسؤوليات وتخضع قراراتها للتداول والضوابط المهنية. وهنا تتضح مفارقة مشروع العطا: ففي الوقت الذي تدعو فيه الخبرة الإصلاحية من داخل الجيش إلى تفكيك تركّز السلطة في يد القائد العام، يقترح العطا مضاعفة هذا التركّز بجمع القيادة العسكرية ورئاسة الدولة في شخص واحد.

وتحتاج هذه الفقرة إلى تدقيق تاريخي مهم. فهناك اختلاف في الفهارس والمصادر حول سنة نشر كتاب السر أحمد سعيد؛ إذ تشير بعض الفهارس إلى طبعة أولى في 2001، بينما ترد إحالات ومصادر أخرى إلى طبعة 2003. ولذلك يُشار هنا إلى الطبعة المتداولة سنة 2003 كما وردت في المادة محل الدراسة، مع عدم افتراض أن اختلاف سنة الفهرسة يعني اختلاف مضمون الكتاب.

ولا ينبغي فهم نقد السر أحمد سعيد على أنه دعوة إلى إلغاء القيادة العسكرية الموحدة بمعنى إلغاء التسلسل القيادي. فالجيش الحديث يحتاج إلى تسلسل قيادة واضح، خصوصاً في العمليات. وإنما يتمثل جوهر الطرح في التمييز بين القيادة العملياتية وبين تركيز السلطة المؤسسية في شخص واحد بحيث تصبح قرارات التعيين والترقية والإعفاء والتقاعد وإعادة تشكيل المؤسسة مرتبطة بصورة مفرطة بإرادة القائد.

وتظهر هذه النقطة في الدراسات الحديثة للعلاقات المدنية-العسكرية، التي تميز بين الاحتراف العسكري وبين الاستقلال المؤسسي غير الخاضع للمساءلة. فالجيش المحترف يحتاج إلى قيادة مهنية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات داخلية تمنع تحويل القيادة المهنية إلى سلطة شخصية، وإلى سلطة مدنية دستورية تمتلك الرقابة النهائية على استخدام القوة العامة (Feaver, 2003; Bruneau and Matei, 2008).

كما ينبغي الحذر من اختزال قانون 1983 في عبارة أن كل السلطات أصبحت حرفياً في يد القائد العام. فالمواد القانونية المتاحة في المصادر الثانوية تشير إلى توزيع بعض الاختصاصات بين رئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى، والقائد العام، وهيئات القيادة العسكرية، ومؤسسات أخرى. ولذلك فإن الأدق علمياً هو القول إن قانون 1983، وفق قراءة السر أحمد سعيد، أسهم في إعادة تنظيم توازن القوة داخل القيادة العسكرية بصورة عززت موقع القائد العام، وليس القول إن كل صلاحية قانونية كانت محصورة فيه دون أي استثناء.

وهذا التمييز مهم لأن القضية ليست مجرد نص قانوني منفرد، وإنما تراكم قانوني وسياسي ومؤسسي. فقد يصبح النص الذي يمنح صلاحيات واسعة للقائد أقل خطراً في نظام ديمقراطي قوي، بينما يصبح شديد الخطورة في نظام تكون فيه الرقابة البرلمانية والقضائية والإعلامية ضعيفة.

الإنقاذ: من قائد القوات إلى مركز منظومة الدولة الأمنية والاقتصادية

مثلت فترة حكم عمر البشير منذ يونيو 1989 تحولاً نوعياً في علاقة القيادة العسكرية بالدولة. فقد لم يعد الجيش وحده الفاعل الأمني المركزي، بل ظهرت منظومة واسعة من الأجهزة والتنظيمات المسلحة والأمنية، وجرى توسيع دور جهاز الأمن والمخابرات، وإنشاء قوات الدفاع الشعبي، وتطوير ترتيبات أمنية متعددة، ثم ظهور وتوسع قوات الدعم السريع.

وفي هذه البيئة أصبحت السيطرة على القوة موزعة بين عدة مؤسسات، لكنها لم تصبح بالضرورة أكثر مؤسسية. بل إن تعدد الأجهزة المسلحة والأمنية يمكن أن يؤدي، في غياب سلطة مدنية قوية، إلى منافسة داخل الدولة نفسها.

وكان الاقتصاد العسكري جزءاً مهماً من هذه العملية. فقد أصبحت مؤسسات مرتبطة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية تمتلك أو تدير شركات وأصولاً اقتصادية في قطاعات مختلفة. وفي مارس 2021 أُعلن اتفاق لنقل شركات مملوكة للمؤسسة العسكرية إلى السيطرة المدنية، في سياق عملية الانتقال الديمقراطي. وقد ربطت تحليلات كارنيغي بين الإصلاح الاقتصادي العسكري وبين إعادة بناء التوازن بين المدنيين والعسكريين في السودان (Sayigh, 2021).

وتوضح هذه التجربة أن سلطة القائد العسكري لا يمكن قياسها بعدد الوحدات التي يأمرها مباشرة فقط. فالنفوذ العسكري يمكن أن يتسع عبر الاقتصاد، والتعيينات، والشبكات الأمنية، والمؤسسات السياسية، والعلاقات الخارجية.

ولهذا فإن إصلاح منصب القائد العام لا يمكن فصله عن إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية والاقتصادية كلها. فإذا تغير اسم المنصب بينما ظلت الشركات العسكرية والأجهزة المسلحة والامتيازات الاقتصادية خارج الرقابة المدنية، فإن التغيير القانوني قد يكون محدود الأثر.

2019: الثورة التي أعادت سؤال القائد العام إلى قلب الدولة

أطاحت احتجاجات ديسمبر 2018–أبريل 2019 بنظام عمر البشير، وفي 11 أبريل 2019 أعلن الجيش عزل البشير وتشكيل مجلس عسكري انتقالي. وهنا ظهر السؤال القديم في صورة جديدة: هل سيكون الجيش جسراً إلى الحكم المدني أم سيصبح بديلاً عنه؟

تولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وأصبح لاحقاً رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة. وفي أغسطس 2019 أُنشئت مؤسسات الفترة الانتقالية بموجب الوثيقة الدستورية، التي نظمت العلاقة بين المكون المدني والمكون العسكري.

وقد نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019 على أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسستان عسكريتان وطنيتان، وأن علاقتهما بالسلطة التنفيذية تنظمها القوانين الخاصة بهما، كما وضعت أحكاماً تتعلق بالشرطة والمخابرات والمحاكم العسكرية (Constitute Project, 2019).

لكن الصياغة الدستورية نفسها عكست طبيعة التسوية الانتقالية. فلم تُحسم بصورة نهائية مسألة احتكار الدولة للقوة، ولا بصورة نهائية العلاقة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولا مسألة الاقتصاد العسكري، ولا الحدود الدقيقة بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية.

ولهذا كان الانتقال بعد 2019 انتقالاً مزدوجاً: من ناحية أعاد المدنيين إلى قمة السلطة التنفيذية والتشريعية الانتقالية، ومن ناحية أخرى أبقى قيادة المؤسسة العسكرية والأمنية ذات نفوذ سياسي واقتصادي واسع.

25 أكتوبر 2021: عندما أصبحت القيادة العسكرية مركزاً مباشراً للسلطة السياسية

في 25 أكتوبر 2021 أعلن عبد الفتاح البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين. وبذلك انهارت الصيغة الانتقالية التي كانت قائمة على تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين (Sayigh, 2021).

وقد أعاد الانقلاب طرح السؤال القديم بصورة مباشرة: ماذا يحدث عندما يصبح القائد العام للقوات المسلحة في الوقت نفسه رأس السلطة السياسية الفعلية؟

في هذه الحالة تختفي، أو تضعف بشدة، المسافة المؤسسية بين من يستخدم القوة العسكرية ومن يخضع للرقابة السياسية عليها. ويصبح الجيش طرفاً في العملية السياسية، بينما يصبح القائد العسكري جزءاً من الصراع السياسي الذي يفترض أن تكون المؤسسة العسكرية محايدة تجاهه.

وهذه هي إحدى القضايا الأساسية في نظرية العلاقات المدنية-العسكرية. فالرقابة المدنية لا تعني بالضرورة أن المدنيين يديرون العمليات العسكرية اليومية، وإنما تعني أن القرار النهائي بشأن استخدام القوة العامة والحرب والسلام والميزانية العسكرية والتعيينات العليا يقع داخل نظام دستوري مدني قابل للمساءلة (Huntington, 1957; Feaver, 2003).

15 أبريل 2023: الحرب التي كشفت أن مشكلة القيادة أكبر من منصب القائد العام

كانت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 نتيجة تراكم طويل من الخلافات حول بنية الدولة الأمنية والعسكرية، وكان النزاع حول مستقبل قوات الدعم السريع ودمجها داخل القوات المسلحة أحد المحاور الرئيسية في الأزمة السابقة للحرب.

وكان الخلاف لا يتعلق فقط بما إذا كانت قوات الدعم السريع ستُدمج أم لا، وإنما أيضاً بسرعة الدمج وتسلسل القيادة ومن يملك السلطة النهائية على القوة الجديدة. فقد طرحت تقديرات مختلفة للمدة المطلوبة لعملية الدمج، بينما كانت القيادة العسكرية والقوات المسلحة وقوات الدعم السريع تحمل تصورات مختلفة بشأن مستقبل النظام الأمني.

وبمجرد اندلاع الحرب، ظهر بوضوح أن السودان لم يكن يمتلك احتكاراً واحداً مؤسسياً للقوة المسلحة. كانت القوات المسلحة تمتلك بنية عسكرية وطنية واسعة، بينما امتلكت قوات الدعم السريع بنية قتالية مستقلة وموارد وشبكات اقتصادية وأمنية، كما كانت هناك حركات مسلحة وقوى أمنية وأجهزة أخرى.

وهكذا كشفت الحرب أن السؤال عن القائد العام لا يمكن اختزاله في السؤال عن الشخص الذي يحمل هذا اللقب. فالمشكلة الأعمق هي: هل توجد مؤسسة عسكرية واحدة ذات قيادة موحدة، وسلسلة قيادة واضحة، ومرجعية دستورية مدنية، وميزانية خاضعة للرقابة، ونظام ترقيات وتعيينات مهني، واقتصاد عسكري قابل للمراجعة؟

إذا كانت الإجابة سلبية، فإن تغيير القائد العام وحده لا يعالج المشكلة.

وقد ترتب على الحرب انهيار واسع في الحياة المدنية والنزوح وتدمير البنية التحتية والخدمات. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة في يوليو 2026، بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 8.62 مليون شخص في 185 محلية في الولايات السودانية الثماني عشرة، بينما بلغ عدد العائدين نحو 4.93 مليون شخص. وهذه الأرقام لا تعني أن انخفاض عدد النازحين يساوي انخفاضاً في عدد سكان السودان؛ فهي تقيس حركة السكان بين حالات النزوح والعودة، وقد تكون العودة في كثير من الحالات إلى مناطق لا تزال فيها الخدمات والبنية الأساسية شديدة الضعف (IOM, 2026).

وهكذا أصبحت الحرب اختباراً عملياً للنموذج المؤسسي الذي تراكم على مدى عقود. فقد أثبتت أن تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة يمكن أن يتحول، في ظل انهيار التسوية السياسية، إلى حرب شاملة.

2025–2026: القائد العام بين إدارة الحرب وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية

استمرت سلطة القائد العام خلال الحرب في الارتباط بصورة مباشرة بإعادة تنظيم القوات المسلحة. ففي أغسطس 2025 أعلن البرهان، بصفته رئيس مجلس السيادة والقائد العام، تشكيل هيئة قيادة جديدة وتعيين الفريق أول محمد عثمان الحسين الحسن رئيساً لهيئة الأركان، إلى جانب نواب لرئيس هيئة الأركان ومسؤولي العمليات والاستخبارات العسكرية والقوات الجوية والدفاع الجوي والتدريب والإدارة والتفتيش والخدمات الطبية وغيرها (SUNA, 2025).

وتكشف هذه التعيينات عن الدور الكبير الذي يمارسه القائد العام في تشكيل قمة الهرم العسكري. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل قرار تعيين يمثل مشكلة مؤسسية؛ فالجيوش تحتاج إلى قيادة قادرة على التعيين وإعادة توزيع المسؤوليات. لكن القضية الدستورية تبدأ عندما تصبح عملية التعيين والترقية والإعفاء غير محكومة بقواعد ثابتة، أو عندما يصبح بقاء الضابط في منصبه مرتبطاً بعلاقته الشخصية برأس المؤسسة السياسية والعسكرية.

وفي سبتمبر 2026 نُسب إلى الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام، تصريح قال فيه إن القوات المسلحة ستدفع باتجاه بقاء البرهان رئيساً للدولة لعدة دورات انتخابية إلى أن يعاد بناء الأحزاب السياسية، مستنداً إلى مخاوف من انهيار الدولة (Sudan Tribune, 2026).

وهذا التصريح، إذا نُظر إليه من زاوية تاريخ المؤسسات، يعيد طرح القضية التي أثارها السر أحمد سعيد ولكن في الاتجاه المعاكس. فبدلاً من السؤال عن كيفية توزيع السلطة داخل المؤسسة العسكرية، يصبح السؤال عن إمكانية استمرار الارتباط بين رأس القيادة العسكرية ورأس الدولة.

ولا ينبغي تحويل هذا التصريح إلى افتراض بوجود خطة دستورية مكتملة، لأنه تصريح سياسي منسوب إلى مسؤول عسكري، وليس نصاً دستورياً أو قانوناً نافذاً. لكن أهميته التحليلية تكمن في أنه يكشف استمرار النقاش داخل السودان حول العلاقة بين القيادة العسكرية ورئاسة الدولة.

السر أحمد سعيد وياسر العطا: خلاف على شخص أم على هندسة الدولة؟

يمكن فهم الفرق بين الرؤيتين بوصفه خلافاً أعمق من الخلاف حول اسم شخص بعينه.

فطرح السر أحمد سعيد ينطلق من مشكلة تركيز السلطة داخل المؤسسة العسكرية، ويرى أن تقوية المؤسسة تعني توزيع المسؤوليات داخل القيادة المهنية، وتقوية هيئة الأركان والمؤسسات المهنية والرقابية، وتقليل قابلية الجيش للتحول إلى أداة شخصية.

أما التصريحات المنسوبة إلى العطا في سبتمبر 2026 فتضع استمرار قيادة عسكرية بعينها في رأس الدولة داخل تصور يرتبط بإعادة بناء المجال السياسي. وإذا تحولت مثل هذه الرؤية إلى قاعدة دستورية دائمة، فإنها ستعيد وصل المنصبين السياسي والعسكري بصورة وثيقة، بدلاً من الفصل بينهما.

لكن المقارنة تحتاج إلى فهم دقيق للنموذج الأميركي الذي أشار إليه السر أحمد سعيد. فالولايات المتحدة لا تلغي منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ فالدستور الأميركي يجعل الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة. وفي الوقت نفسه توجد هيئة الأركان المشتركة برئاسة رئيس هيئة الأركان المشتركة، لكن رئيسها ليس قائداً عملياتياً للقوات المسلحة بالمعنى المباشر، إذ تعمل سلسلة القيادة العملياتية عبر الرئيس ووزير الدفاع إلى قادة القيادات القتالية الموحدة. وقد عزز قانون غولدووتر-نيكولز لعام 1986 وضوح هذه السلسلة العملياتية ورفع من الدور المؤسسي لهيئة الأركان المشتركة في المشورة العسكرية والتخطيط.

ومن ثم فإن الاستفادة من النموذج الأميركي لا تعني نسخ النظام الأميركي، ولا تعني أن إلغاء منصب القائد العام سيؤدي تلقائياً إلى الديمقراطية. وإنما تعني الاستفادة من مبدأ الفصل بين السلطة السياسية المدنية والقيادة المهنية العسكرية، مع وجود مؤسسات متعددة تمنع احتكار القرار العسكري في شخص واحد.

ما الذي ينبغي أن يعنيه إصلاح منصب القائد العام بعد الحرب؟

إذا كان الهدف هو بناء مؤسسة عسكرية وطنية مستقرة، فإن إعادة تعريف منصب القائد العام يجب أن تكون جزءاً من إصلاح أوسع للقطاع الأمني والعسكري، لا مجرد تعديل في الاسم أو في ترتيب المناصب.

أولاً، ينبغي أن يكون هناك تعريف دستوري واضح للقيادة المدنية للقوات المسلحة. ويمكن أن يتولى رئيس الدولة، وفق النظام الدستوري الذي يختاره السودانيون، وظيفة القائد الأعلى بوصفها وظيفة دستورية، بينما تكون القيادة المهنية اليومية في يد رئيس أركان أو رئيس دفاع مهني يخضع لوزير دفاع مدني وللسلطة الدستورية.

ثانياً، ينبغي تحديد اختصاصات رئيس هيئة الأركان بدقة، بحيث تشمل التخطيط العسكري والتدريب والجاهزية والتنظيم والعمليات ضمن سلسلة قيادة واضحة، دون أن تتحول الوظيفة المهنية إلى سلطة سياسية مستقلة.

ثالثاً، يجب أن تصبح التعيينات والترقيات

من منصب القائد إلى مفتاح الدولة: كيف تحوّل تركّز القيادة العليا للقوات المسلحة السودانية من أداة للانضباط العسكري إلى مدخل للسلطة السياسية؟

مقدمة تحليلية: تاريخ منصب واحد يكشف تاريخ العلاقة بين الجيش والدولة

يمثل منصب القائد العام للقوات المسلحة السودانية أكثر من مجرد وظيفة عسكرية عليا؛ فهو أحد المفاتيح الأساسية لفهم تطور الدولة السودانية الحديثة والعلاقة المضطربة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية. فمنذ نشأة الجيش الوطني وتبلور مؤسساته في السنوات الأخيرة من الحكم الاستعماري، مروراً بالاستقلال والانقلابات العسكرية في 1958 و1969 و1989، ثم الانتفاضتين الشعبيتين في 1964 و1985، وانتهاءً بانقلاب 2021 والحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، ظل السؤال المتعلق بمن يملك سلطة القيادة العليا للقوة المسلحة مرتبطاً بصورة مباشرة بالسؤال الأوسع: من يملك الدولة، ومن يستطيع أن يقرر اتجاهها السياسي والأمني والاقتصادي؟

ولا تكمن المشكلة التاريخية بالضرورة في وجود منصب قائد عام للقوات المسلحة في حد ذاته، إذ تحتاج الجيوش الحديثة إلى قيادة واضحة وسلسلة قيادة محددة. وإنما تكمن القضية في طبيعة الصلاحيات التي تُمنح لهذا المنصب، وفي موقعه داخل النظام الدستوري، وفي مدى الفصل بين القيادة العسكرية المهنية والسلطة السياسية، وفي وجود مؤسسات قادرة على مراقبة قرارات القيادة العسكرية ومراجعتها ومساءلتها. ولهذا فإن تاريخ منصب القائد العام في السودان يمكن قراءته بوصفه تاريخاً لتحول القيادة العسكرية من وظيفة مؤسسية داخل الدولة إلى موقع قد يصبح، في ظروف معينة، مدخلاً إلى السيطرة على الدولة نفسها.

وتزداد أهمية هذا السؤال بعد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لأن الحرب كشفت بصورة شديدة الوضوح أن وجود جيش قوي لا يعني بالضرورة وجود بنية قيادة عسكرية مستقرة أو احتكار مؤسسي موحد للقوة المسلحة. فقد تحولت قضية دمج قوات الدعم السريع وتحديد التسلسل القيادي والمدة الزمنية للدمج إلى واحدة من القضايا المركزية في الأزمة التي سبقت الحرب، وأصبحت مسألة من يخضع لمن، ومن يملك القرار النهائي بشأن القوات المسلحة، جزءاً من الصراع السياسي والعسكري نفسه.

وتعتمد هذه الدراسة منهجاً تاريخياً-مؤسسياً يربط تطور منصب القائد العام بالتغيرات الدستورية والقانونية والانقلابات العسكرية والحروب والتحولات السياسية والاقتصادية. وقد تم ترتيب المادة وفق تسلسل سببي يبدأ من نشأة القيادة العسكرية الوطنية، ثم ينتقل إلى تدخل الجيش في الحكم، ثم إلى التحولات القانونية والمؤسسية، ثم إلى عهد الإنقاذ، فالانتقال بعد ثورة ديسمبر، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وحرب 15 أبريل 2023، وأخيراً إلى الحاضر والخيارات المؤسسية المستقبلية. والهدف من هذا الترتيب ليس سرد تاريخ عسكري متتابع فحسب، بل تفسير الكيفية التي تراكمت بها الصلاحيات والعلاقات السياسية والاقتصادية حول منصب القائد العام حتى أصبح موقعه جزءاً من معادلة الحكم في السودان.

من جيش مستعمَر إلى مؤسسة وطنية: كيف وُلدت القيادة العليا للقوات المسلحة السودانية؟

تعود جذور القوات المسلحة السودانية الحديثة إلى القوات التي أنشأها الحكم الثنائي البريطاني-المصري وأُعيد تنظيمها تدريجياً لتخدم أغراض الدولة الاستعمارية، قبل أن تبدأ عملية سودنة القيادة العسكرية في السنوات السابقة للاستقلال. وكانت سودنة القوات المسلحة خطوة سياسية ورمزية ومؤسسية مهمة، لأنها نقلت تدريجياً السيطرة على المؤسسة العسكرية من الضباط البريطانيين وغير السودانيين إلى ضباط سودانيين.

وتشير الرواية الرسمية للقوات المسلحة إلى 14 أغسطس 1954 بوصفه تاريخاً بارزاً في عملية سودنة القوات المسلحة، مع تولي الفريق أحمد محمد الجعلي موقع القائد العام في سياق هذه العملية. وهذه الرواية الرسمية مهمة لفهم الطريقة التي تصف بها المؤسسة العسكرية نفسها بوصفها إحدى أولى المؤسسات الوطنية التي اكتملت سودنتها قبل الاستقلال.

وعند إعلان استقلال السودان في الأول من يناير 1956، كانت البلاد تمتلك جيشاً وطنياً يمثل إحدى المؤسسات القليلة التي امتلكت بنية تنظيمية موحدة على المستوى الوطني. ولذلك اكتسب الجيش منذ البداية وزناً يتجاوز حجمه العسكري المباشر. فقد كان من المؤسسات التي تمتلك الانضباط والتنظيم والقدرة على الحركة والاتصال في دولة تعاني من ضعف المؤسسات المدنية، واتساع الأراضي، والتفاوت الإقليمي، والصراعات السياسية والاجتماعية.

هذه الخاصية ستصبح لاحقاً ذات أهمية حاسمة. فالمؤسسة التي تمتلك احتكاراً نسبياً للقوة المنظمة تستطيع أن تصبح لاعباً سياسياً عندما تكون المؤسسات المدنية ضعيفة أو منقسمة. وهنا لا يكون السؤال فقط: لماذا تدخل الجيش في السياسة؟ بل أيضاً: كيف صُممت الدولة بحيث أصبح الجيش يمتلك القدرة المؤسسية على التدخل؟

وتؤكد الأدبيات المقارنة للعلاقات المدنية-العسكرية أن استقلال المؤسسة العسكرية مهنياً عن الأحزاب والسياسة لا يعني بالضرورة ابتعادها عن السياسة إذا كانت البنية الدستورية لا تضع حدوداً واضحة بين الوظائف العسكرية والسلطة السياسية (Huntington, 1957; Janowitz, 1960; Finer, 1988). وتوضح الحالة السودانية هذه الإشكالية بصورة خاصة، لأن المؤسسة العسكرية لم تكن مجرد جهاز دفاع خارجي، وإنما أصبحت في مراحل مختلفة طرفاً في تحديد طبيعة النظام السياسي نفسه.

1958 و1969 و1989: عندما انتقلت القيادة العسكرية من الثكنة إلى قمة الدولة

شهد السودان منذ الاستقلال ثلاث عمليات استيلاء عسكري رئيسية على السلطة قبل عام 2019: انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958، وانقلاب العقيد جعفر نميري في مايو 1969، وانقلاب العميد عمر حسن أحمد البشير في يونيو 1989. وعلى الرغم من اختلاف الظروف والأيديولوجيات والتحالفات في الحالات الثلاث، فإنها تكشف نمطاً تاريخياً مهماً: انتقال القيادة العسكرية من قيادة القوات إلى ممارسة السيادة السياسية.

في نوفمبر 1958، تولى الفريق إبراهيم عبود السلطة في انقلاب عسكري جاء في سياق أزمة سياسية داخل النظام البرلماني. وقد كان انقلاب 1958 مختلفاً عن انقلاب 1989 من حيث طبيعته الأيديولوجية والتحالفات السياسية المحيطة به، لكنه وضع سابقة تاريخية شديدة الأهمية تمثلت في أن قائد القوات المسلحة أصبح رئيساً للدولة.

ثم جاء انقلاب مايو 1969 بقيادة جعفر نميري، في تحالف أولي مع قوى سياسية يسارية وقومية. وسرعان ما دخل النظام الجديد في صراعات داخلية، بما في ذلك الصراع مع الحزب الشيوعي السوداني في يوليو 1971. وبعد ذلك تطور نظام مايو إلى بنية رئاسية عسكرية شديدة التركيز للسلطة.

أما انقلاب يونيو 1989 فقد اتخذ شكلاً مختلفاً تماماً، إذ جاء بتحالف بين قيادة عسكرية بقيادة عمر البشير والحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي. ولم يكن الانقلاب مجرد تغيير للحكومة، بل كان بداية إعادة هندسة واسعة للدولة والأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصاد السياسي. ومع مرور الوقت، أصبح الرئيس نفسه القائد الأعلى للدولة والقوات المسلحة، بينما أعيد تشكيل مؤسسات الأمن والقوة والاقتصاد بما يخدم استمرارية النظام.

وهكذا تكشف الانقلابات الثلاثة عن مسار تاريخي متكرر: أزمة سياسية مدنية، ثم تدخل عسكري، ثم انتقال قائد عسكري أو ضابط كبير إلى قمة الدولة. وقد أشار باحثون إلى أن القوات المسلحة السودانية أطاحت بثلاث حكومات مدنية قبل انقلاب أكتوبر 2021، وأن هذه التدخلات ارتبطت كل مرة تقريباً بإعادة تنظيم المجال السياسي والأمني حول قيادة عسكرية جديدة (Woodward, 2020; Verhoeven, 2023).

لكن التاريخ السوداني يكشف أيضاً الوجه المقابل لهذا المسار. ففي 1964 أدت المقاومة الشعبية إلى سقوط نظام عبود، وفي 1985 أدى الحراك الشعبي إلى سقوط نظام نميري، وفي 2019 أدى الحراك الجماهيري إلى إسقاط نظام البشير. ولذلك فإن تاريخ السودان ليس تاريخ تدخل الجيش في السياسة فقط، بل تاريخ التوتر المستمر بين سلطة عسكرية مركزية ومجتمع مدني يطالب باستعادة المجال السياسي.

وقد كانت إحدى الخصائص المتكررة أن إزالة الحاكم العسكري لم تكن تعني بالضرورة إعادة بناء العلاقة المؤسسية بين الجيش والدولة. ففي 1985 تولى المشير عبد الرحمن سوار الذهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وبدأ انتقالاً إلى الحكم المدني. وكانت التجربة قصيرة نسبياً، لكنها أكدت أن الجيش ظل مؤسسة لا يمكن تجاوزها في ترتيبات الانتقال السياسي.

قانون 1983: عندما أصبح السؤال القانوني سؤالاً عن بنية السلطة نفسها

تحتل قوانين القوات المسلحة مكانة مركزية في فهم تطور منصب القائد العام، لأن القانون هو الذي يحدد بصورة رسمية من يعين كبار الضباط، ومن يرقّيهم، ومن يحيلهم إلى التقاعد، ومن يملك سلطة توزيع المسؤوليات القيادية، ومن يملك القرار في الظروف الاستثنائية.

وقد قدم العميد الركن المتقاعد السر أحمد سعيد – أحد أكفأ ضباط القوات المسلحة المشهود لهم بالمناقبية المهنية والتميُز- في كتابه “السيف والطغاة: القوات المسلحة السودانية والسياسة” الصادر عام 2003، رؤية مؤسسية تناقض مشروع العطا من أساسه. فهو يعيد جانباً مهماً من أزمة الجيش إلى قانون القوات المسلحة لسنة 1983 وتعديلاته، الذي ركز سلطات التعيين والترقية والإعفاء والإحالة إلى التقاعد في يد القائد العام، فأضعف المؤسسات المهنية والرقابية، وفتح المجال للولاء الشخصي والتسييس والإقصاء، وجعل السيطرة على موقع القائد العام مدخلاً للسيطرة على الجيش والدولة.

وانطلاقاً من ذلك، اقترح سعادة العميد إلغاء موقع القائد العام بصورته ذات الصلاحيات الفردية المركزة، وإسناد القيادة المهنية إلى هيئة أركان مشتركة، على غرار النموذج الأميركي. والمقصود ليس إضعاف القيادة العسكرية، بل تحويلها من سلطة شخصية هرمية إلى قيادة جماعية مؤسسية تتوزع داخلها المسؤوليات وتخضع قراراتها للتداول والضوابط المهنية. وهنا تتضح مفارقة مشروع العطا: ففي الوقت الذي تدعو فيه الخبرة الإصلاحية من داخل الجيش إلى تفكيك تركّز السلطة في يد القائد العام، يقترح العطا مضاعفة هذا التركّز بجمع القيادة العسكرية ورئاسة الدولة في شخص واحد.

وتحتاج هذه الفقرة إلى تدقيق تاريخي مهم. فهناك اختلاف في الفهارس والمصادر حول سنة نشر كتاب السر أحمد سعيد؛ إذ تشير بعض الفهارس إلى طبعة أولى في 2001، بينما ترد إحالات ومصادر أخرى إلى طبعة 2003. ولذلك يُشار هنا إلى الطبعة المتداولة سنة 2003 كما وردت في المادة محل الدراسة، مع عدم افتراض أن اختلاف سنة الفهرسة يعني اختلاف مضمون الكتاب.

ولا ينبغي فهم نقد السر أحمد سعيد على أنه دعوة إلى إلغاء القيادة العسكرية الموحدة بمعنى إلغاء التسلسل القيادي. فالجيش الحديث يحتاج إلى تسلسل قيادة واضح، خصوصاً في العمليات. وإنما يتمثل جوهر الطرح في التمييز بين القيادة العملياتية وبين تركيز السلطة المؤسسية في شخص واحد بحيث تصبح قرارات التعيين والترقية والإعفاء والتقاعد وإعادة تشكيل المؤسسة مرتبطة بصورة مفرطة بإرادة القائد.

وتظهر هذه النقطة في الدراسات الحديثة للعلاقات المدنية-العسكرية، التي تميز بين الاحتراف العسكري وبين الاستقلال المؤسسي غير الخاضع للمساءلة. فالجيش المحترف يحتاج إلى قيادة مهنية، لكنه يحتاج أيضاً إلى مؤسسات داخلية تمنع تحويل القيادة المهنية إلى سلطة شخصية، وإلى سلطة مدنية دستورية تمتلك الرقابة النهائية على استخدام القوة العامة (Feaver, 2003; Bruneau and Matei, 2008).

كما ينبغي الحذر من اختزال قانون 1983 في عبارة أن كل السلطات أصبحت حرفياً في يد القائد العام. فالمواد القانونية المتاحة في المصادر الثانوية تشير إلى توزيع بعض الاختصاصات بين رئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى، والقائد العام، وهيئات القيادة العسكرية، ومؤسسات أخرى. ولذلك فإن الأدق علمياً هو القول إن قانون 1983، وفق قراءة السر أحمد سعيد، أسهم في إعادة تنظيم توازن القوة داخل القيادة العسكرية بصورة عززت موقع القائد العام، وليس القول إن كل صلاحية قانونية كانت محصورة فيه دون أي استثناء.

وهذا التمييز مهم لأن القضية ليست مجرد نص قانوني منفرد، وإنما تراكم قانوني وسياسي ومؤسسي. فقد يصبح النص الذي يمنح صلاحيات واسعة للقائد أقل خطراً في نظام ديمقراطي قوي، بينما يصبح شديد الخطورة في نظام تكون فيه الرقابة البرلمانية والقضائية والإعلامية ضعيفة.

الإنقاذ: من قائد القوات إلى مركز منظومة الدولة الأمنية والاقتصادية

مثلت فترة حكم عمر البشير منذ يونيو 1989 تحولاً نوعياً في علاقة القيادة العسكرية بالدولة. فقد لم يعد الجيش وحده الفاعل الأمني المركزي، بل ظهرت منظومة واسعة من الأجهزة والتنظيمات المسلحة والأمنية، وجرى توسيع دور جهاز الأمن والمخابرات، وإنشاء قوات الدفاع الشعبي، وتطوير ترتيبات أمنية متعددة، ثم ظهور وتوسع قوات الدعم السريع.

وفي هذه البيئة أصبحت السيطرة على القوة موزعة بين عدة مؤسسات، لكنها لم تصبح بالضرورة أكثر مؤسسية. بل إن تعدد الأجهزة المسلحة والأمنية يمكن أن يؤدي، في غياب سلطة مدنية قوية، إلى منافسة داخل الدولة نفسها.

وكان الاقتصاد العسكري جزءاً مهماً من هذه العملية. فقد أصبحت مؤسسات مرتبطة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية تمتلك أو تدير شركات وأصولاً اقتصادية في قطاعات مختلفة. وفي مارس 2021 أُعلن اتفاق لنقل شركات مملوكة للمؤسسة العسكرية إلى السيطرة المدنية، في سياق عملية الانتقال الديمقراطي. وقد ربطت تحليلات كارنيغي بين الإصلاح الاقتصادي العسكري وبين إعادة بناء التوازن بين المدنيين والعسكريين في السودان (Sayigh, 2021).

وتوضح هذه التجربة أن سلطة القائد العسكري لا يمكن قياسها بعدد الوحدات التي يأمرها مباشرة فقط. فالنفوذ العسكري يمكن أن يتسع عبر الاقتصاد، والتعيينات، والشبكات الأمنية، والمؤسسات السياسية، والعلاقات الخارجية.

ولهذا فإن إصلاح منصب القائد العام لا يمكن فصله عن إصلاح المنظومة العسكرية والأمنية والاقتصادية كلها. فإذا تغير اسم المنصب بينما ظلت الشركات العسكرية والأجهزة المسلحة والامتيازات الاقتصادية خارج الرقابة المدنية، فإن التغيير القانوني قد يكون محدود الأثر.

2019: الثورة التي أعادت سؤال القائد العام إلى قلب الدولة

أطاحت احتجاجات ديسمبر 2018–أبريل 2019 بنظام عمر البشير، وفي 11 أبريل 2019 أعلن الجيش عزل البشير وتشكيل مجلس عسكري انتقالي. وهنا ظهر السؤال القديم في صورة جديدة: هل سيكون الجيش جسراً إلى الحكم المدني أم سيصبح بديلاً عنه؟

تولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وأصبح لاحقاً رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة. وفي أغسطس 2019 أُنشئت مؤسسات الفترة الانتقالية بموجب الوثيقة الدستورية، التي نظمت العلاقة بين المكون المدني والمكون العسكري.

وقد نصت الوثيقة الدستورية لعام 2019 على أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع مؤسستان عسكريتان وطنيتان، وأن علاقتهما بالسلطة التنفيذية تنظمها القوانين الخاصة بهما، كما وضعت أحكاماً تتعلق بالشرطة والمخابرات والمحاكم العسكرية (Constitute Project, 2019).

لكن الصياغة الدستورية نفسها عكست طبيعة التسوية الانتقالية. فلم تُحسم بصورة نهائية مسألة احتكار الدولة للقوة، ولا بصورة نهائية العلاقة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولا مسألة الاقتصاد العسكري، ولا الحدود الدقيقة بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية.

ولهذا كان الانتقال بعد 2019 انتقالاً مزدوجاً: من ناحية أعاد المدنيين إلى قمة السلطة التنفيذية والتشريعية الانتقالية، ومن ناحية أخرى أبقى قيادة المؤسسة العسكرية والأمنية ذات نفوذ سياسي واقتصادي واسع.

25 أكتوبر 2021: عندما أصبحت القيادة العسكرية مركزاً مباشراً للسلطة السياسية

في 25 أكتوبر 2021 أعلن عبد الفتاح البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء وإعلان حالة الطوارئ واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من المسؤولين. وبذلك انهارت الصيغة الانتقالية التي كانت قائمة على تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين (Sayigh, 2021).

وقد أعاد الانقلاب طرح السؤال القديم بصورة مباشرة: ماذا يحدث عندما يصبح القائد العام للقوات المسلحة في الوقت نفسه رأس السلطة السياسية الفعلية؟

في هذه الحالة تختفي، أو تضعف بشدة، المسافة المؤسسية بين من يستخدم القوة العسكرية ومن يخضع للرقابة السياسية عليها. ويصبح الجيش طرفاً في العملية السياسية، بينما يصبح القائد العسكري جزءاً من الصراع السياسي الذي يفترض أن تكون المؤسسة العسكرية محايدة تجاهه.

وهذه هي إحدى القضايا الأساسية في نظرية العلاقات المدنية-العسكرية. فالرقابة المدنية لا تعني بالضرورة أن المدنيين يديرون العمليات العسكرية اليومية، وإنما تعني أن القرار النهائي بشأن استخدام القوة العامة والحرب والسلام والميزانية العسكرية والتعيينات العليا يقع داخل نظام دستوري مدني قابل للمساءلة (Huntington, 1957; Feaver, 2003).

15 أبريل 2023: الحرب التي كشفت أن مشكلة القيادة أكبر من منصب القائد العام

كانت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 نتيجة تراكم طويل من الخلافات حول بنية الدولة الأمنية والعسكرية، وكان النزاع حول مستقبل قوات الدعم السريع ودمجها داخل القوات المسلحة أحد المحاور الرئيسية في الأزمة السابقة للحرب.

وكان الخلاف لا يتعلق فقط بما إذا كانت قوات الدعم السريع ستُدمج أم لا، وإنما أيضاً بسرعة الدمج وتسلسل القيادة ومن يملك السلطة النهائية على القوة الجديدة. فقد طرحت تقديرات مختلفة للمدة المطلوبة لعملية الدمج، بينما كانت القيادة العسكرية والقوات المسلحة وقوات الدعم السريع تحمل تصورات مختلفة بشأن مستقبل النظام الأمني.

وبمجرد اندلاع الحرب، ظهر بوضوح أن السودان لم يكن يمتلك احتكاراً واحداً مؤسسياً للقوة المسلحة. كانت القوات المسلحة تمتلك بنية عسكرية وطنية واسعة، بينما امتلكت قوات الدعم السريع بنية قتالية مستقلة وموارد وشبكات اقتصادية وأمنية، كما كانت هناك حركات مسلحة وقوى أمنية وأجهزة أخرى.

وهكذا كشفت الحرب أن السؤال عن القائد العام لا يمكن اختزاله في السؤال عن الشخص الذي يحمل هذا اللقب. فالمشكلة الأعمق هي: هل توجد مؤسسة عسكرية واحدة ذات قيادة موحدة، وسلسلة قيادة واضحة، ومرجعية دستورية مدنية، وميزانية خاضعة للرقابة، ونظام ترقيات وتعيينات مهني، واقتصاد عسكري قابل للمراجعة؟

إذا كانت الإجابة سلبية، فإن تغيير القائد العام وحده لا يعالج المشكلة.

وقد ترتب على الحرب انهيار واسع في الحياة المدنية والنزوح وتدمير البنية التحتية والخدمات. ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة في يوليو 2026، بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 8.62 مليون شخص في 185 محلية في الولايات السودانية الثماني عشرة، بينما بلغ عدد العائدين نحو 4.93 مليون شخص. وهذه الأرقام لا تعني أن انخفاض عدد النازحين يساوي انخفاضاً في عدد سكان السودان؛ فهي تقيس حركة السكان بين حالات النزوح والعودة، وقد تكون العودة في كثير من الحالات إلى مناطق لا تزال فيها الخدمات والبنية الأساسية شديدة الضعف (IOM, 2026).

وهكذا أصبحت الحرب اختباراً عملياً للنموذج المؤسسي الذي تراكم على مدى عقود. فقد أثبتت أن تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة يمكن أن يتحول، في ظل انهيار التسوية السياسية، إلى حرب شاملة.

2025–2026: القائد العام بين إدارة الحرب وإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية

استمرت سلطة القائد العام خلال الحرب في الارتباط بصورة مباشرة بإعادة تنظيم القوات المسلحة. ففي أغسطس 2025 أعلن البرهان، بصفته رئيس مجلس السيادة والقائد العام، تشكيل هيئة قيادة جديدة وتعيين الفريق أول محمد عثمان الحسين الحسن رئيساً لهيئة الأركان، إلى جانب نواب لرئيس هيئة الأركان ومسؤولي العمليات والاستخبارات العسكرية والقوات الجوية والدفاع الجوي والتدريب والإدارة والتفتيش والخدمات الطبية وغيرها (SUNA, 2025).

وتكشف هذه التعيينات عن الدور الكبير الذي يمارسه القائد العام في تشكيل قمة الهرم العسكري. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل قرار تعيين يمثل مشكلة مؤسسية؛ فالجيوش تحتاج إلى قيادة قادرة على التعيين وإعادة توزيع المسؤوليات. لكن القضية الدستورية تبدأ عندما تصبح عملية التعيين والترقية والإعفاء غير محكومة بقواعد ثابتة، أو عندما يصبح بقاء الضابط في منصبه مرتبطاً بعلاقته الشخصية برأس المؤسسة السياسية والعسكرية.

وفي سبتمبر 2026 نُسب إلى الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام، تصريح قال فيه إن القوات المسلحة ستدفع باتجاه بقاء البرهان رئيساً للدولة لعدة دورات انتخابية إلى أن يعاد بناء الأحزاب السياسية، مستنداً إلى مخاوف من انهيار الدولة (Sudan Tribune, 2026).

وهذا التصريح، إذا نُظر إليه من زاوية تاريخ المؤسسات، يعيد طرح القضية التي أثارها السر أحمد سعيد ولكن في الاتجاه المعاكس. فبدلاً من السؤال عن كيفية توزيع السلطة داخل المؤسسة العسكرية، يصبح السؤال عن إمكانية استمرار الارتباط بين رأس القيادة العسكرية ورأس الدولة.

ولا ينبغي تحويل هذا التصريح إلى افتراض بوجود خطة دستورية مكتملة، لأنه تصريح سياسي منسوب إلى مسؤول عسكري، وليس نصاً دستورياً أو قانوناً نافذاً. لكن أهميته التحليلية تكمن في أنه يكشف استمرار النقاش داخل السودان حول العلاقة بين القيادة العسكرية ورئاسة الدولة.

السر أحمد سعيد وياسر العطا: خلاف على شخص أم على هندسة الدولة؟

يمكن فهم الفرق بين الرؤيتين بوصفه خلافاً أعمق من الخلاف حول اسم شخص بعينه.

فطرح السر أحمد سعيد ينطلق من مشكلة تركيز السلطة داخل المؤسسة العسكرية، ويرى أن تقوية المؤسسة تعني توزيع المسؤوليات داخل القيادة المهنية، وتقوية هيئة الأركان والمؤسسات المهنية والرقابية، وتقليل قابلية الجيش للتحول إلى أداة شخصية.

أما التصريحات المنسوبة إلى العطا في سبتمبر 2026 فتضع استمرار قيادة عسكرية بعينها في رأس الدولة داخل تصور يرتبط بإعادة بناء المجال السياسي. وإذا تحولت مثل هذه الرؤية إلى قاعدة دستورية دائمة، فإنها ستعيد وصل المنصبين السياسي والعسكري بصورة وثيقة، بدلاً من الفصل بينهما.

لكن المقارنة تحتاج إلى فهم دقيق للنموذج الأميركي الذي أشار إليه السر أحمد سعيد. فالولايات المتحدة لا تلغي منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ فالدستور الأميركي يجعل الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة. وفي الوقت نفسه توجد هيئة الأركان المشتركة برئاسة رئيس هيئة الأركان المشتركة، لكن رئيسها ليس قائداً عملياتياً للقوات المسلحة بالمعنى المباشر، إذ تعمل سلسلة القيادة العملياتية عبر الرئيس ووزير الدفاع إلى قادة القيادات القتالية الموحدة. وقد عزز قانون غولدووتر-نيكولز لعام 1986 وضوح هذه السلسلة العملياتية ورفع من الدور المؤسسي لهيئة الأركان المشتركة في المشورة العسكرية والتخطيط.

ومن ثم فإن الاستفادة من النموذج الأميركي لا تعني نسخ النظام الأميركي، ولا تعني أن إلغاء منصب القائد العام سيؤدي تلقائياً إلى الديمقراطية. وإنما تعني الاستفادة من مبدأ الفصل بين السلطة السياسية المدنية والقيادة المهنية العسكرية، مع وجود مؤسسات متعددة تمنع احتكار القرار العسكري في شخص واحد.

ما الذي ينبغي أن يعنيه إصلاح منصب القائد العام بعد الحرب؟

إذا كان الهدف هو بناء مؤسسة عسكرية وطنية مستقرة، فإن إعادة تعريف منصب القائد العام يجب أن تكون جزءاً من إصلاح أوسع للقطاع الأمني والعسكري، لا مجرد تعديل في الاسم أو في ترتيب المناصب.

أولاً، ينبغي أن يكون هناك تعريف دستوري واضح للقيادة المدنية للقوات المسلحة. ويمكن أن يتولى رئيس الدولة، وفق النظام الدستوري الذي يختاره السودانيون، وظيفة القائد الأعلى بوصفها وظيفة دستورية، بينما تكون القيادة المهنية اليومية في يد رئيس أركان أو رئيس دفاع مهني يخضع لوزير دفاع مدني وللسلطة الدستورية.

ثانياً، ينبغي تحديد اختصاصات رئيس هيئة الأركان بدقة، بحيث تشمل التخطيط العسكري والتدريب والجاهزية والتنظيم والعمليات ضمن سلسلة قيادة واضحة، دون أن تتحول الوظيفة المهنية إلى سلطة سياسية مستقلة.

ثالثاً، يجب أن تصبح التعيينات والترقيات والإحالات إلى التقاعد خاضعة لقواعد مكتوبة ومعايير مهنية قابلة للمراجعة. ولا ينبغي أن تعتمد الترقيات العليا بصورة أساسية على الولاء الشخصي أو العلاقات السياسية.

رابعاً، يجب إخضاع ميزانية الدفاع والإنفاق العسكري لرقابة برلمانية ومراجعة مالية مستقلة، مع مراعاة متطلبات السرية العسكرية المشروعة. فالسرية العملياتية لا تعني السرية المالية المطلقة.

خامساً، يجب معالجة الاقتصاد العسكري بصورة مؤسسية. فالشركات والأصول التجارية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية ينبغي أن تخضع لنظام قانوني واضح، وأن تكون الأنشطة التجارية غير المرتبطة مباشرة بالدفاع خاضعة للسياسة المالية العامة والرقابة المدنية.

سادساً، لا يمكن إعادة بناء جيش وطني مستقر دون معالجة العلاقة مع قوات الدعم السريع والحركات المسلحة. ويتطلب ذلك ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، أو الدمج المهني المنظم لمن تنطبق عليهم المعايير، وإعادة بناء القيادة الموحدة على أساس قانوني ومهني.

سابعاً، ينبغي الفصل بين إصلاح القوات المسلحة وإصلاح الشرطة والأجهزة الاستخبارية والقوات شبه العسكرية. فالدولة التي تمتلك جيشاً موحداً ولكنها تحتفظ بأجهزة أمنية مسلحة متعددة خارج سلسلة قيادة واضحة قد تعيد إنتاج المشكلة نفسها.

ثامناً، يجب أن تكون السلطة المدنية قادرة على إعلان الحرب والسلام، واعتماد الميزانية العسكرية، والموافقة على كبار التعيينات، ومراقبة حالة الطوارئ، والتحقيق في الانتهاكات، دون أن تتدخل في القرارات العملياتية اليومية للقادة العسكريين.

وهذا هو جوهر مفهوم السيطرة المدنية المهنية: لا ينبغي للمدنيين أن يحلوا محل الضباط في قيادة العمليات، ولا ينبغي للضباط أن يحلوا محل المؤسسات المدنية في اتخاذ القرارات السياسية الكبرى.

المستقبل: هل يحتاج السودان إلى قائد أقوى أم مؤسسة أقوى؟

التجربة السودانية منذ الاستقلال تجعل من الصعب النظر إلى سؤال القيادة العسكرية باعتباره مسألة إدارية بسيطة. فقد أظهرت التجربة أن زيادة تركيز السلطة قد تمنح القيادة قدرة أكبر على اتخاذ القرار في المدى القصير، لكنها قد ترفع في الوقت نفسه تكلفة الخطأ السياسي عندما تكون الرقابة المؤسسية ضعيفة.

وفي المقابل، لا يعني توزيع الصلاحيات إضعاف القوات المسلحة. فالجيش يحتاج إلى قائد واضح في العمليات، وإلى سلسلة قيادة لا لبس فيها، وإلى سرعة في اتخاذ القرار أثناء الحرب. لكن وضوح القيادة العملياتية شيء، وتركيز السلطة السياسية والمؤسسية والاقتصادية في شخص واحد شيء آخر.

وهنا تكمن القيمة التحليلية لطرح السر أحمد سعيد. فجوهر اقتراحه ليس أن تكون القوات المسلحة بلا قائد، بل أن تكون المؤسسة أكبر من قائدها. فإذا أصبح بقاء الجيش أو تماسكه أو ترقيات ضباطه أو تشكيل قيادته مرتبطاً بشخص واحد، تصبح المؤسسة معرضة لتحولها إلى مؤسسة شخصية. أما إذا كانت القواعد والمؤسسات أقوى من الأشخاص، فإن تغير القائد لا يؤدي إلى أزمة في الدولة أو إلى إعادة تشكيل المؤسسة كلها.

كما تكشف تجربة 2019–2026 أن المشكلة ليست عسكرية فقط. فالضعف الحزبي، والانقسام السياسي، وغياب البرلمان الانتقالي الفعال، وضعف المؤسسات القضائية والرقابية، وتعدد الجيوش والقوات المسلحة، والاقتصاد العسكري، والصراعات الإقليمية، كلها عوامل تجعل أي منصب عسكري عالي الصلاحيات أكثر حساسية.

ولهذا فإن مستقبل منصب القائد العام ينبغي أن يُناقش ضمن تسوية دستورية شاملة تحدد بوضوح العلاقة بين الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاقتصاد العسكري والحياة السياسية.

ولا توجد صيغة واحدة مفروضة مسبقاً على السودان. فهناك نماذج مختلفة في العالم تتوزع فيها وظائف القائد الأعلى والوزير المدني ورئيس الأركان وهيئة الأركان والقيادات العملياتية بطرق مختلفة. وما يهم في الحالة السودانية هو أن تكون الصيغة النهائية متوافقة مع الدستور، وأن تمنع استخدام القوات المسلحة كأداة حزبية أو شخصية، وأن تضمن في الوقت نفسه قدرة الجيش على أداء مهمته المهنية في الدفاع عن البلاد.

خاتمة نقدية: أزمة السودان ليست في اسم القائد العام بل في قابلية المنصب لأن يصبح بوابة إلى الدولة

تكشف مسيرة منصب القائد العام للقوات المسلحة السودانية منذ سودنة الجيش وحتى حرب 15 أبريل 2023 وما بعدها أن القضية الحقيقية لم تكن في وجود قيادة عسكرية عليا، وإنما في العلاقة بين هذه القيادة وبين مؤسسات الدولة.

فمنذ 1958 ظهر النموذج الذي يمكن فيه لقائد عسكري أن ينتقل من قيادة الجيش إلى رئاسة الدولة. وتكرر النمط في 1969 و1989، ثم عاد بصورة مختلفة بعد 2019. وفي عهد الإنقاذ اتسعت المشكلة من علاقة الجيش بالرئاسة إلى شبكة أوسع من الأجهزة الأمنية والاقتصاد العسكري والقوات شبه العسكرية. وبعد ثورة 2019 لم تُحسم هذه البنية، ثم أدى انقلاب 25 أكتوبر 2021 إلى إعادة القائد العسكري إلى مركز السلطة السياسية المباشرة. وبعد 15 أبريل 2023 كشفت الحرب أن القضية أعمق من شخص القائد العام: إنها قضية وحدة المؤسسة العسكرية واحتكار الدولة للقوة وسلامة سلسلة القيادة والرقابة المدنية.

ومن هذه الزاوية، تصبح ملاحظة السر أحمد سعيد حول تركيز الصلاحيات ذات قيمة تتجاوز زمن كتابه. فالقضية التي يطرحها هي أن الجيش قد يضعف عندما تصبح مؤسساته الداخلية أضعف من رأسه. وتصبح هذه المشكلة أكثر خطورة عندما يجتمع رأس المؤسسة العسكرية مع رأس الدولة، لأن الفصل بين من يقود القوة ومن يقرر سياسياً كيفية استخدامها يصبح أقل وضوحاً.

وفي المقابل، فإن مجرد تفكيك منصب القائد العام أو توزيع بعض صلاحياته لن يكون كافياً إذا بقيت الدولة تفتقر إلى مؤسسات مدنية قوية، وإذا بقيت هناك قوات مسلحة متعددة، واقتصاد عسكري خارج الرقابة، وترتيبات أمنية موازية، وقوانين تسمح بتداخل السياسة والقيادة العسكرية.

الخلاصة الأعمق التي يقدمها التاريخ السوداني هي أن قوة الجيش لا تُقاس بقوة قائد واحد، وإنما بقدرة المؤسسة العسكرية على البقاء مهنية ووطنية وموحدة وخاضعة للدستور حتى بعد تغير قائدها وحكومتها ونظامها السياسي.

ومن ثم فإن السؤال الذي يواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب ليس فقط: من سيكون القائد العام؟ بل السؤال الأكثر أهمية مؤسسياً: هل يستطيع السودان بناء نظام تكون فيه الدولة أقوى من القائد، والمؤسسة أقوى من الشخص، والجيش أقوى مهنياً من أن يتحول إلى حزب سياسي، وأضعف سياسياً من أن يحكم الدولة؟

وهنا تحديداً تنتقل قضية القائد العام من كونها قضية عسكرية داخلية إلى كونها اختباراً لطبيعة الدولة السودانية نفسها.

المراجع

  1. سعيد، السر أحمد. السيف والطغاة: القوات المسلحة السودانية والسياسة. الخرطوم: [بيانات النشر بحسب الطبعة المعتمدة في الفهرس المستخدم]؛ 2003.
  2. Constitute Project. دستور جمهورية السودان الانتقالي لعام 2019. دستورانيات؛ 2019.
  3. السودان نيوز. القوات المسلحة السودانية تعلن تشكيل هيئة أركان جديدة وتعيينات وترقيات في القيادة العليا. الخرطوم: وكالة السودان للأنباء؛ 2025.
  4. سودان تربيون. إصلاح المؤسسة العسكرية اليوم قبل الغد: من يحمي الجيش من قائده؟ الخرطوم؛ 2025.
  5. IOM. Sudan Displacement Tracking Matrix: Mobility Update. Geneva: International Organization for Migration; 2026.
  6. السودان. قانون القوات المسلحة لسنة 1983 وتعديلاته. الخرطوم: حكومة جمهورية السودان؛ 1983.
  7. Bruneau TC, Matei FC. Towards a new conceptualization of democratization and civil-military relations. Democratization. 2008;15(5):909-929.
  8. Feaver PD. Armed Servants: Agency, Oversight, and Civil-Military Relations. Cambridge: Harvard University Press; 2003.
  9. Finer SE. The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics. 2nd ed. Boulder: Westview Press; 1988.
  10. Huntington SP. The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations. Cambridge: Harvard University Press; 1957.
  11. Janowitz M. The Professional Soldier: A Social and Political Portrait. New York: Free Press; 1960.
  12. Sayigh Y. Sudan’s Military Companies Go Civilian: The Urgency of Economic Reform. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2021.
  13. Sayigh Y. The Military Has Taken Power in Sudan and Dissolved Its Transitional Government. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2021.
  14. Sayigh Y. A Road Map to Civilian Rule If Sudan’s Military Putschists Retreat. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2021.
  15. Sudan Tribune. Yasser al-Atta says Sudan’s army backs Burhan remaining head of state for several electoral cycles. Khartoum; 2026.
  16. Verhoeven H. Surviving revolution and democratisation: the Sudan armed forces, state fragility and security competition. Journal of Modern African Studies. 2023.
  17. Woodward P. Sudan: Soldiers and Civilians, 1958–2019. Oxford Research Encyclopedia of Politics. Oxford: Oxford University Press; 2020.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
ما بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية الديمقراطية .. بقلم بروفيسور/ محمد زين العابدين عثمان
بيانات
بيان من شبكة الصَّحفيين السُّودانيين
يكاد عقلي يذهب! .. بقلم: الدكتور الخضر هارون
منبر الرأي
فارسا الرهان، معتز بن موسى ومحمد بن ســـــلمان .. بقلم: د. شهاب طه
منبر الرأي
بين الحرب والتسوية:

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

يوم الأمس عندنا طويل بلا نهاية .. بقلم/ شهاب طه

طارق الجزولي
منبر الرأي

الشعب السودانى اليوم فى الشارع , يقرر ألانعتاق والخلاص! .. بقلم: بدوى تاجو

طارق الجزولي
منبر الرأي

وزير المالية ذو أبعاد ثلاثية في ارتفاع أسعار العملات وإبادة المواطن وتدمير البيئة .. بقلم: سيد الحسن

سيد الحسن
منبر الرأي

من مسرح مدرسي إلى ثلاجة موز … بقلم: عبدالله علقم

عبد الله علقم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss