من موّل اعتصام القيادة العامة؟ ما الذي تقوله الأدلة عن المال الإقليمي والتبرعات الشعبية والشائعات في اعتصام القيادة العامة بالخرطوم؟
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
خلص المقال إلى أن سؤال «من موّل اعتصام القيادة العامة؟» يخفي ثلاثة أسئلة مختلفة: هل موّلت دولة إقليمية بقاء الاعتصام ومعيشته اليومية، وهل موّلت دول إقليمية خصوم الاعتصام أي المجلس العسكري وقوات الدعم السريع، وهل استمالت هذه الدول بعض الفاعلين السياسيين على طاولة التفاوض. وانتهى إلى أن الوعود المالية الخليجية للمجلس العسكري هي الأوفر أدلة لأنها معلنة وموثقة، وأن تمويل الاعتصام نفسه من دولة إقليمية لم يُعثر له على دليل موثق بينما تتكرر الإشارات إلى تبرعات المشاركين والجاليات، وأن الاستمالة السياسية تقع في منطقة وسطى تقوم على مقابلات مجهولة المصدر وتأويلات. وقد ملأت الشائعات الفراغ الناتج عن غياب الشفافية المالية وغياب نتائج التحقيق الرسمي. وبدأ المقال بعرض الروايات الثلاث المتنافسة، وهي رواية ناشطين ومنابر محسوبة على محور قطر وتركيا تقول إن السعودية والإمارات ومصر موّلت المجلس وربما منحته الضوء الأخضر لفض الاعتصام، ورواية رموز السلطة السابقة والمجلس التي تقول إن المعتصمين ممولون من سفارات ودول ومن الدولار، ورواية إعلام محسوب على محور الرياض وأبوظبي التي تحمّل الإسلاميين والإخوان المسؤولية. وبيّن أن أهمية المسألة تتجاوز التأريخ لأنها تحدد من يملك شرعية الحديث باسم الاعتصام ومن يُتهم بالتبعية، ولأنها تتصل بحرب اندلعت في أبريل 2023 صار فيها التدخل الإقليمي في قلب الصراع، ولأن التحقيق الوطني ظل بلا نتائج منشورة بعد سبع سنوات.
وفي الإطار المنهجي ميّز المقال بين النقد المباشر والدعم العيني والغطاء السياسي، وبين التمويل والاستمالة، واستند إلى نظرية تعبئة الموارد وأدبيات المقاومة المدنية ومقاربة سوق السياسة التي تتوقع أن يتجه المال الإقليمي إلى النخب المسلحة والمفاوضين لا إلى جماهير الخيام. ورتّب الأدلة في أربع درجات تبدأ بالوثائق القضائية والحقوقية والمصرفية، ثم التصريحات الرسمية والتقارير الصحفية المستندة إليها، ثم المقابلات مجهولة المصدر، وتنتهي بادعاءات الأطراف المتصارعة والتغريدات. ونبّه إلى أن كثيراً من المنابر طرف في استقطاب إقليمي، فاعتمد التثليث بين المصادر المتعارضة، ورتّب الفصول من الداخل إلى الخارج على نهج بنية المقال العلمي: مشكلة وفرضية ثم منهج ثم خلفية ثم نتائج ثم مناقشة ثم توصيات ثم خاتمة.
وفي الجذور بيّن أن الثورة كانت منظمة لا عفوية، فقد بدأت الاحتجاجات في منتصف ديسمبر 2018 في الدمازين وعطبرة والأبيض والقضارف ثم العاصمة، وقوبلت بالرصاص والاعتقالات، وبلغت 4088 حدثاً موثقاً في كل الولايات الثماني عشرة بما في ذلك اعتصامات أمام مقار الجيش في ولايات عدة، وهو اتساع يتعارض مع فكرة ممول مركزي واحد. وسبقتها بنية تنظيمية تضمنت تجمع المهنيين الذي تأسس عام 2016 وإعلان الحرية والتغيير في الأول من يناير 2019 ولجان المقاومة الأحياء التي تعود إلى قمع احتجاجات الوقود عام 2013 وقتل فيها أكثر من مئتي متظاهر. وواجه الحراك قمعاً منظماً شمل قتلى في أم درمان في يناير وهجمات على سبع منشآت صحية واعتقال 136 من العاملين الصحيين وحالة الطوارئ في فبراير. ثم بدأ الاعتصام في السادس من أبريل أمام القيادة العامة، وقدّرت لجان أطباء مقتل نحو 140 شخصاً منذ ديسمبر حتى 11 أبريل بينهم 26 في الأيام الستة الأخيرة. وحمى بعض الجنود المتظاهرين، ثم أُعلن عزل البشير في 11 أبريل وتنحى عوض بن عوف وخلفه البرهان بنائب هو حميدتي واستقال قوش، وبدأت المفاوضات في 13 أبريل ووعد البرهان في 23 أبريل بعدم فض الاعتصام بالقوة. وكان حميدتي قد أعلن تأييده لمطالب المحتجين في أواخر ديسمبر ولا تُعرف مشاركة قواته في قمع ما قبل 11 أبريل، مما يفسر التباساً في تصور موقعه.
وفي اقتصاد الساحة أوضح أن الاعتصام عاش على موارد موزعة: متطوعون يجمعون أموالهم لشراء مستلزمات الطعام، وأطباء وممرضون يعملون في عيادات الشوارع، وشباب يجمعون المال، وتبرعات نقدية من الجاليات، وتمويل جماعي منذ يناير 2019، وحملات الشتات الذي يقدر بنحو خمسة ملايين سوداني في الخارج، وتبرعات أطباء سودانيين في بريطانيا للإمداد الطبي واللوجستي. وتضمنت الساحة بائعات شاي وطعام ومعهداً تحول إلى مركز ثقافي ثم عيادة ومسرحاً وشاشات وحفلات وفعاليات نقابية، وهي صورة تتسق مع منطق تعبئة الموارد. لكنه أقرّ بأن الأرقام غير مثبتة لعدم وجود حسابات مدققة، وبأن تبرع مقيم سوداني في دولة خليجية يختلف عن تمويل تلك الدولة، فالأدلة ترجّح الاعتماد على التمويل الشعبي دون أن تنفي أي مال خارجي صغير غير مرصود، وهذه المسافة بين الترجيح والإثبات هي ما نمت فيه الشائعات.
وفي الخريطة الإقليمية عرض علاقة البشير المتقلبة بجيرانه: عشرة آلاف جندي في اليمن بينهم سبعة آلاف من الدعم السريع مقابل رواتب وودائع ودعم، وتقدير إماراتي بضخ نحو سبعة مليارات دولار بحلول 2018، وحياد البشير في أزمة قطر عام 2017 الذي أغضب الرياض وأبوظبي، وقرض قطري بملياري دولار في مارس 2018، وتقارير عن توقف شحنات الوقود الإماراتية في ديسمبر 2018. وحين اندلعت الاحتجاجات كان أمير قطر أول زعيم عربي أعلن دعمه للبشير في 22 ديسمبر، فيما اتهمت الحكومة عناصر معارضة جنّدتها إسرائيل بتحريك المظاهرات، مما يصعّب تصديق أن قطر موّلت الثورة. وأفادت القراءات بأن محور الرياض وأبوظبي والقاهرة استقر على استبدال البشير، إذ عرض قوش والإمارات عليه خطة خروج في منتصف فبراير فرفضها، وسافر وفد استخباراتي إلى القاهرة في السابع من أبريل، ووصفت مجموعة الأزمات الدولية تحركات الخليج بأنها نقل السودان من حكم عسكري إلى آخر. وأفاد قوش بأن النفوذ الإماراتي زاد بعد الإطاحة وأن الإمارات دفعت باتجاه الانقلاب دون أن تكون اللاعب الرئيس، وهي إفادة شفهية غير موثقة، وكلها تتعلق بإسقاط البشير لا بتمويل الخيام. وخسر محور قطر وتركيا موقعه بعد الثورة، وأنهت السعودية والإمارات دعمهما المباشر للحكومة في ديسمبر 2019.
وفي المال الموثق عرض حزمة الثلاثة مليارات التي أعلنتها السعودية والإمارات في 21 أبريل 2019، وتضمنت 500 مليون وديعة في البنك المركزي و2.5 مليار غذاء ودواء ووقود دون تحديد كونها منحة أو قرضاً، وهي أول مساعدة خليجية كبيرة معلنة منذ سنوات، وسبقها تأييد البلدين للمجلس، وأقر حميدتي لاحقاً بتلقي مساعدات من السعودية والإمارات ومصر. وأضافت محاكمة البشير أنه تلقى خمسة وعشرين مليون دولار نقداً من ولي العهد السعودي عبر طائرة خاصة، وقال محقق إنه تلقى نحو تسعين مليوناً، وأفاد شاهد بتسليم خمسة ملايين يورو للدعم السريع. وكشف تحقيق غلوبال ويتنس شبكة شركات واجهة في السودان والإمارات تدعم الدعم السريع وتتحكم في سوق الذهب، ومدفوعات إماراتية مرتبطة بإرسال مقاتلين إلى اليمن، ومزاعم حميدتي بالتبرع بمليار دولار للبنك المركزي. وخلص إلى أن المال الإقليمي الموثق اتجه إلى قمة الدولة والأجهزة الأمنية، وأن المعتصمين رفضوه علناً بشعارات ضد الدعم السعودي، وأن أرقام الصرف غامضة إذ صُرف نحو نصف المبلغ بنهاية 2019 مع نحو مئتي مليون شهرياً في النصف الثاني من السنة، وأن ادعاء تسليم الإمارات أسلحة لحميدتي سراً في أواخر أبريل يتيم المصدر.
وفي الاستقطاب ذكر أن أعضاء من نداء السودان التقوا مسؤولين إماراتيين في أبوظبي في أواخر أبريل، وأن قادة في الجبهة الثورية استُضيفوا، وأن النبرة تجاه العسكر والإمارات لانت، وأن ناشطين تساءلوا عن «دبلوماسية الحقائب»، وأن مستشاراً كبيراً أقر بعد نحو عام بتوزيع «تعويضات سخية». وحذّر من أن ذلك قائم على مقابلات مجهولة دون وثائق مصرفية، وأن اللقاء السياسي ليس رشوة، وأن تغير المواقف قد يعكس حسابات مشروعة، لكن نمط النقد المثبت في المحاكمات يُبقي الفرضية مفتوحة. وأشار إلى اتهامات متبادلة بالتبعية، فاتهم الحزب الشيوعي الإمارات والسعودية بالتآمر على الثورة ودعا إلى سحب القوات من اليمن، واتهم حميدتي، بحسب ما نُقل، قوى الحرية والتغيير بتلقي دولارات من الخارج دون دليل علني. وقرر أن الاستمالة تستهدف مائدة التفاوض لا ساحة الاعتصام، وأن الفارق بين شراء القرار وتمويل الحراك جوهري.
وفي مجزرة الثالث من يونيو تتبع تصاعد التوترات بدءاً من اتهام حميدتي المعتصمين بأنهم مدمنو مخدرات في 30 أبريل، ثم مقتل ستة في شارع النيل في 13 مايو، وإضراب 28 و29 مايو، وإغلاق مكتب الجزيرة، وتحذير قائد المنطقة العسكرية في 31 مايو، وشائعات الليلة السابقة. وفي الثالث من يونيو حاصرت قوات بقيادة الدعم السريع مع شرطة وأمن الموقع وأطلقت النار وأحرقت الخيام ونهبت وارتكبت اعتداءات جنسية، وقدّرت جماعات أطباء مقتل أكثر من 120 بين الثالث والثامن عشر من يونيو وإصابة أكثر من تسعمئة، بينما أعلنت السلطات 87 قتيلاً منهم 17 في الساحة، وأعلنت وزارة الصحة 61، ورُفضت الأرقام الرسمية. وخلص تقرير هيومن رايتس ووتش إلى دليل ظرفي على التخطيط وأوصى بالتحقيق مع حميدتي دون ذكر دول أجنبية، وأقر المجلس بأن الفض كان مخططاً مع «أخطاء». وعن البعد الإقليمي ميّز بين قراءة تحليلية ترى أن الدعم الإماراتي والسعودي شجع المجلس وأن حميدتي زار الرياض والقاهرة وأبوظبي قبيل الفض، وقراءة شعبية تتهم الدول الثلاث بالضوء الأخضر وتشبّهه برابعة، ورواية إماراتية تحمّل الإسلاميين، ولا دليل وثائقياً على أي منها. وتبيّن أن الضغط الأمريكي والبريطاني دفع الإمارات والسعودية إلى الدعوة للحوار، وأن الاتحاد الأفريقي علّق عضوية السودان في السادس من يونيو، وأن مسيرة الثلاثين من يونيو أسفرت عن قتلى وجرحى ثم جاء اتفاق يوليو والإعلان الدستوري في أغسطس. أما لجنة أديب فقد أُعلن عنها في 21 سبتمبر 2019 وسُمّي أعضاؤها في 21 أكتوبر، واستمعت إلى أكثر من ثلاثة آلاف شاهد بينهم البرهان وحميدتي، وتعثرت بعد استقالة حمدوك، ولم تُنشر نتائجها حتى يونيو 2026، وتبادل الجيش والدعم السريع الاتهام بالمسؤولية بعد اندلاع الحرب.
وفي حرب الروايات صنّف الأساطير بحسب مصدرها: روايات السلطة عن عناصر مجنّدة من إسرائيل واتهام البشير للغرب ورواية الحانة اللندنية التي نسبها صحفي موالٍ للبشير وعدّتها الغارديان نظرية مؤامرة، وروايات المجلس وقواته من وصف المعتصمين بمدمني المخدرات وجاذبي بائعات الهوى والحشيش وتبرير الفض بمنطقة كولومبيا واتهام التمويل بالدولار، وروايات الاستقطاب الإقليمي بين منابر قطر وتركيا التي تصور المجلس دمية سعودية إماراتية وإعلام الرياض وأبوظبي الذي يعزو الثورة إلى رفض قرب الإخوان من البشير، وإغلاق مكتب الجزيرة قبل المجزرة بثلاثة أيام، ومصدر مقرب من حميدتي زعم أن الإسلاميين ورّطوه. وأضاف بنية التضليل الرقمي من شبكتين من الحسابات غير الأصيلة مرتبطتين بالدعم السريع وأنصار البشير أزالتهما فيسبوك لاحقاً، مع نحو 30% فقط من السودانيين على الإنترنت، وحادثة أكياس السكر والعدس المنسوبة زوراً إلى الدعم السريع في نوفمبر 2019. وحذّر كذلك من أساطير مقابلة: أن الثورة عفوية بلا تنظيم، وأن كل مال خليجي رشوة للمدنيين، وأن حزمة الثلاثة مليارات صُرفت كاملة، وأن الثورة صنيعة الخارج لأنه دعم الجنرالات.
وفي ميزان الأدلة رتّب الادعاءات من الأقوى إلى الأضعف: الأقوى الدعم المالي الخليجي المعلن للمجلس وشبكات الجنرالات المالية الممتدة إلى الإمارات، ثم المعقول غير المثبت وهو استمالة بعض قادة المعارضة وتشجيع التأييد الخليجي للتصلب، ثم الأضعف وهو الضوء الأخضر للفض، وأخيراً تمويل دولة إقليمية للاعتصام نفسه الذي لم يُعثر على دليل عليه وتتجه القرائن إلى عكسه، لرفض المعتصمين المال الخليجي ودعم قطر المعلن للبشير وتعدد التمويل الشعبي، مع بقاء التقدير احتمالياً لعدم نشر الحسابات. وأما اتهامات التمويل الغربي والإسرائيلي وحانة لندن فادعاءات سلطة بلا دليل علني. ولاحظ أن قوة الدليل تتناسب عكسياً مع شيوع الادعاء في وسائل التواصل.
وفي الدروس العملية أوصى بنشر سجل مجمّع للتبرعات والنفقات مع تدقيق مستقل، ومدونة سلوك تمنع قبول مال الدول والأجهزة وتصنف تبرعات الجاليات، وأرشفة وثائق الاعتصام وشهاداته بمنهج جنائي رقمي، ونشر النتائج الأولية للجنة التحقيق واستكمالها بدعم دولي فني مع تمثيل النساء، وتقنين تمويل الأحزاب والمساعدات الخارجية للحكومات الانتقالية والإفصاح عن الودائع النقدية، واشتراط الشركاء الدوليين الشفافية وتوحيد رسائلهم تجاه الراعين الإقليميين، ودعم منصات التحقق المحلية والتنسيق مع المنصات الرقمية مع مراعاة محدودية الإنترنت، والاستفادة من لجان المقاومة بوصفها بنية تضامن يصعب شراؤها، وإتاحة قواعد بيانات الاحتجاج للباحثين.
وختم المقال بنقد ذاتي يقرر أن مقولة تمويل الاعتصام من دولة إقليمية لا تصمد أمام الأدلة، وأن نقيضها بنقاء الاعتصام من كل أثر خارجي يتجاوز حدود الدليل أيضاً، فالمال الإقليمي الموثق ذهب إلى المجلس وشبكات قادته بينما قام الاعتصام على موارد المشاركين وتبرعات الأحياء والجاليات. وأقرّ بحدود منهجية ثقيلة: معظم المصادر ثانوية وصحفية وبعضها منحاز في الصراع الإقليمي، ودراسة الاستمالة ترتكز على مقابلات مجهولة، ولا توجد حسابات مدققة ولا وثائق من داخل لجان الاعتصام، ولم تُنشر نتائج التحقيق، وأغلقت الحرب سبل الوصول إلى الأرشيف والشهود. ولذلك تُقرأ الخلاصة ترجيحاً قائماً على الدليل لا حقيقة نهائية، فغياب الدليل ليس برهان الغياب المطلق، وقد يغيّر شاهد أو وثيقة مصرفية جديدة الصورة. وأكد ضرورة التمييز بين الأسئلة الثلاثة وبين تمويل الدول وتبرعات المقيمين من أبنائها، ومعاملة كل رواية متداولة فرضية تحتاج إلى فحص. ومن النقد الواجب أن التركيز على المال الخارجي قد يحجب سؤال العوامل الداخلية لنجاح الاعتصام وفشله من انقسام قوى الحرية والتغيير إلى تنازلات التفاوض، وأن جدل التمويل يخدم أحياناً من يريد نزع الأصالة عن الثورة أو تبرئة الجنرالات، وأن بناء الذاكرة الوطنية يحتاج إلى شفافية وتحقيق مكتمل ينهيان هذا الجدل بالوقائع.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: لماذا يستعصي سؤال «من موّل الاعتصام؟» على الإجابة المختصرة
منذ السادس من أبريل 2019، حين تجمّع آلاف المحتجين أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، لم يتوقف السودانيون والمتابعون العرب عن طرح سؤال بسيط في ظاهره ومعقد في بنيته: من أنفق على هذه المدينة المؤقتة التي صارت في أسابيع قليلة قلب الثورة؟ وصفت التقارير الصحفية اعتصاماً امتد نحو ميل أمام مقر الجيش والمطار، توافد إليه سودانيون من أقاليم البلاد كلها، منهم أبناء دارفور (VICE News, 2019). وانضم إليه مئات الآلاف في الثاني من مايو استجابة لنداء تحالف من الناشطين (Al Jazeera, 2019a). وأقام المعتصمون عيادات ومطابخ وحواجز تفتيش ومنصات ثقافية (Henry, 2019؛ Fox News, 2019). وبين من يرى في ذلك دليلاً على قوة التنظيم الذاتي، ومن يرى فيه «مالاً» لا بد أن يكون قد جاء من الخارج، نشأت ثلاث روايات متنافسة. الأولى يتبناها ناشطون ومنابر محسوبة على محور قطر وتركيا، وتقول إن السعودية والإمارات ومصر موّلت المجلس العسكري وربما أعطته «الضوء الأخضر» لفض الاعتصام (الجزيرة نت، 2019أ). والثانية يروّجها رموز في السلطة السابقة والمجلس العسكري، وتقول إن المعتصمين ممولون من سفارات ودول ومن «الدولار» (نون بوست، 2019). والثالثة تصدر عن إعلام محسوب على محور الرياض وأبوظبي، وتحمّل الإسلاميين والإخوان مسؤولية الأحداث (عربي21، 2019ج).
وتكتسب المسألة أهمية تتجاوز التأريخ. فمن يقرر من موّل الاعتصام يقرر عملياً من يملك شرعية الحديث باسمه، ومن يُتَّهم بالتبعية، ومن يُنسب إليه الفضل في الإطاحة بنظام البشير. وتتصل المسألة بحرب أهلية اندلعت في أبريل 2023 وصار فيها التدخل الإقليمي في قلب الصراع، فعاد السجال حول التمويل الإقليمي لثورة ديسمبر ليخدم سرديات متعارضة عن الحاضر. وفي المقابل ظل التحقيق الوطني في فض الاعتصام بلا نتائج منشورة بعد سبع سنوات (مركز الخاتم عدلان، 2026)، فبقي الفراغ المعلوماتي ميداناً للاتهامات المتبادلة.
تفترض هذه الورقة أن الخلل الأول في هذا السجال هو دمج ثلاثة أسئلة مختلفة في سؤال واحد. الأول: هل موّلت دولة إقليمية بقاء الاعتصام ومعيشته اليومية؟ الثاني: هل موّلت دول إقليمية خصوم الاعتصام، أي المجلس العسكري وقوات الدعم السريع؟ الثالث: هل استمالت هذه الدول بعض الفاعلين السياسيين على طاولة التفاوض؟ وتخلص المراجعة، استناداً إلى تقارير منظمات حقوقية ومراكز بحثية وصحافة دولية ومنصات سودانية وأدبيات أكاديمية، إلى أن السؤال الثاني هو الأوفر أدلة، فالوعود المالية الخليجية للمجلس العسكري معلنة وموثقة. أما السؤال الأول فلم تعثر المراجعة فيه على دليل موثق على تمويل دولة إقليمية لساحة الاعتصام، بينما تتكرر في المصادر إشارات إلى تبرعات المشاركين والجاليات. ويقع السؤال الثالث في منطقة وسطى، إذ تقوم أدلته على مقابلات مجهولة المصدر وتأويلات سياسية. وقد ملأت الشائعات الفراغ الناتج عن غياب الشفافية المالية وغياب نتائج التحقيق الرسمي في فض الاعتصام.
تسير الورقة وفق ترتيب سردي سببي: منهج وإطار مفاهيمي، ثم جذور الاعتصام واقتصاده الداخلي، ثم الخريطة الإقليمية والمال الموثق، ثم الاستقطاب السياسي ومجزرة الثالث من يونيو، ثم الأساطير والتضليل، ثم ميزان الأدلة والدروس العملية، وتنتهي بخاتمة نقدية.
الفصل الأول: سؤال واحد وثلاثة أسئلة: كيف نزن الأدلة ونرتب القصة
تعني كلمة «التمويل» في هذا السجال ثلاثة أشياء على الأقل: النقد المباشر، والدعم العيني مثل الغذاء والدواء والمعدات، والغطاء السياسي والدبلوماسي. وهي تختلف عن «الاستمالة»، أي ترتيب المصالح مع قادة سياسيين بما قد يغيّر مواقفهم على طاولة التفاوض. وتفصل الورقة بين «تمويل الاعتصام» و«تمويل المجلس العسكري» و«استمالة بعض قادة المعارضة»، لأن الخلط بينها هو ما يتيح لكل طرف أن يستشهد بوقائع صحيحة ليصل إلى استنتاج غير مثبت. فمن يستشهد بالوديعة الخليجية في البنك المركزي يستشهد بواقعة صحيحة، لكنها لا تثبت شيئاً عن مطابخ الساحة، ومن يستشهد بتبرعات الجاليات يستشهد بواقعة صحيحة أيضاً، لكنها لا تنفي أن تكون دول قد حاولت التأثير في مسار التفاوض.
وتستند الورقة إلى نظرية تعبئة الموارد التي تفسر قدرة الحركات الاجتماعية على الاستمرار بالموارد المتاحة لها. وتفرّق بين الحركات التي تقوم على موارد المشاركين أنفسهم والحركات التي تعتمد على رعاة خارجيين، وتربط العلاقة بالرعاة بمدى الاستقلالية في القرار (McCarthy, 1977؛ Jenkins, 1977). وتفيد كذلك أدبيات المقاومة المدنية التي تفسر نجاح الحملات اللاعنفية بسعة المشاركة وتنوعها أكثر من عمق الدعم الخارجي (Chenoweth, 2011). وتفيد مقاربة «سوق السياسة» لألكس دي وال التي ترى في المال النقدي لدى النخب الأمنية في القرن الأفريقي أداة لشراء الولاءات (De Waal, 2015). ولهذا فإن المتوقع نظرياً أن يتجه المال الإقليمي إلى النخب المسلحة والمفاوضين، لا إلى جماهير الخيام. وهذا توقع نظري تختبره الورقة بالوقائع، ولا تأخذه بديلاً عنها.
وتتدرج الأدلة في الورقة أربع درجات. أعلاها الوثائق القضائية والحقوقية والمصرفية، مثل تقرير هيومن رايتس ووتش (Henry, 2019) وتحقيق غلوبال ويتنس (Global Witness, 2019) وإفادات المحاكمات (Agence France-Presse, 2019a). تليها التصريحات الرسمية المعلنة والتقارير الصحفية المستندة إليها، ثم المقابلات مجهولة المصدر كتلك التي اعتمدتها دراسة غالوبين (Gallopin, 2020). وأدناها ادعاءات الأطراف المتصارعة والوسوم والتغريدات. وتنبّه الورقة إلى أن كثيراً من المنابر طرف في استقطاب إقليمي، فالجزيرة وصفتها وكالات الأنباء بأنها ممولة من قطر وخصماً لمصر والسعودية والإمارات (Voice of America, 2019)، وتُنسب صحف أخرى إلى محور الرياض وأبوظبي. ولذلك تعتمد الورقة التثليث بين المصادر المتعارضة قدر الإمكان، وتصرّح بدرجة الثقة في كل ادعاء.
وفي ترتيب الفصول اتبعت الورقة أفضل ممارسات بناء المقال العلمي: مقدمة تحدد المشكلة والفرضية، ثم منهج، ثم خلفية تاريخية، ثم نتائج مرتبة بحسب قوة الأدلة، ثم مناقشة نقدية، ثم توصيات، ثم خاتمة. وجرى الانتقال من الداخل إلى الخارج: من اقتصاد الساحة نفسها إلى الخريطة الإقليمية، ثم إلى المال الموثق، ثم إلى الاستقطاب، ثم إلى المجزرة، ثم إلى الأساطير، لأن هذا التسلسل يحكي القصة كما وقعت ويُخضع كل ادعاء لاختبار الدليل قبل الانتقال إلى الذي يليه.
الفصل الثاني: ثورة منظَّمة سبقت المال: من احتجاجات الخبز إلى ساحة القيادة
بدأت الاحتجاجات في منتصف ديسمبر 2018 في الدمازين وعطبرة والأبيض والقضارف ثم في العاصمة، على خلفية غلاء الخبز والتقشف، وقوبلت منذ أيامها الأولى بالرصاص الحي والاعتقالات (Henry, 2019). وكان للنساء دور قيادي بارز في تلك الاحتجاجات، وهو دور سيتكرر في ساحة الاعتصام (Henry, 2019). ولم تكن تلك المدن مجرد شرارات معزولة، فقد وثق فريق بحثي من جامعة جورجتاون 4088 حدثاً احتجاجياً بين مسيرة واعتصام وإضراب، وبلغت الاحتجاجات كل ولايات السودان الثماني عشرة بما لا يقل عن اثني عشر حدثاً في كل ولاية، مع اعتصامات أمام مقار الجيش في ولايات عدة (Clarke, 2026). وهذا الاتساع الجغرافي لا يتسق بسهولة مع فرضية وجود ممول إقليمي مركزي يدير الاعتصام الأكبر في الخرطوم وحده، إذ كانت الحركة موزعة بين مئات الأحياء والمدن.
وقد سبقت هذا الاتساع بنية تنظيمية متراكمة. تأسس تجمع المهنيين السودانيين عام 2016 من أطباء ومهندسين ومحامين وصحفيين وبرز في حملات الحد الأدنى للأجور، ثم حوّل نداءه في ديسمبر إلى المطالبة بإسقاط النظام، ووقّع مع قوى المعارضة «إعلان الحرية والتغيير» في الأول من يناير 2019 (Henry, 2019). وتعود لجان المقاومة الأحياء إلى عام 2013 بعد قمع احتجاجات رفع الدعم عن الوقود الذي قُتل فيه أكثر من مئتي متظاهر، وكانت تتلقى رسائل التجمع عبر وسائل التواصل ثم تنظم المسيرات في أحيائها (Abbas, 2019). ويصف تقرير معهد الولايات المتحدة للسلام الثورة بأنها لم تكن مجرد احتجاج عفوي، بل حملة لاعنفية قامت على فضاءات مدنية سابقة وتنسيق مع لجان الأحياء، وأجرى مؤلفوه معظم مقابلاتهم في موقع الاعتصام عام 2019 (United States Institute of Peace, 2022). وتتسق هذه الصورة مع ما تقوله أدبيات المقاومة المدنية عن أن الحملات التي تنجح غالباً ما تبنيها شبكات اجتماعية قائمة قبل لحظة الذروة (Chenoweth, 2011).
وواجه الحراك قمعاً منظماً طوال الأشهر الأولى. فقد قتلت قوات الأمن ثلاثة أشخاص على الأقل في أم درمان في التاسع من يناير 2019 وأطلقت الرصاص والغاز على مستشفى أم درمان التعليمي، وبحسب منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان هاجمت القوات سبع منشآت صحية بين 19 ديسمبر و17 مارس واعتقلت 136 من العاملين الصحيين (Henry, 2019). وأعلن البشير حالة الطوارئ وحلّ الحكومات الاتحادية والولائية في 23 فبراير 2019 وعيّن حكاماً عسكريين، ولم يوقف ذلك الاحتجاجات (Henry, 2019). وبلغ الحراك منعطفه في السادس من أبريل حين تجمع المحتجون عند القيادة العامة وأقاموا معسكرهم قرب مجمع الجيش ومقر جهاز الأمن (Henry, 2019). وأفادت تقارير بأن بعض الجنود وصغار الضباط حموا المتظاهرين من قوات الأمن، مما كشف انقساماً داخل الأجهزة. وقدّرت لجنة أطباء مقتل نحو 140 شخصاً بين ديسمبر 2018 و11 أبريل، وذكرت لجنة أخرى أن 26 قُتلوا بين السادس والحادي عشر من أبريل وحدها (Henry, 2019).
وفي 11 أبريل أعلن الجيش عزل البشير، وأعلن عوض بن عوف تعليق الدستور وفرض حظر تجوال والحكم عامين، ثم تنحى في اليوم التالي أمام ضغط المحتجين، وحلّ الفريق أول عبد الفتاح البرهان محله في رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وعيّن محمد حمدان دقلو «حميدتي» نائباً له، واستقال مدير جهاز الأمن صلاح قوش (Henry, 2019). وبدأت قوى الحرية والتغيير مفاوضات مع المجلس في 13 أبريل، ووعد البرهان في 23 أبريل بحماية المحتجين وبعدم فض الاعتصام بالقوة (Henry, 2019). وكان حميدتي قد أعلن تأييده لمطالب المحتجين في أواخر ديسمبر 2018 حين دعا الحكومة إلى توفير الخدمات والأجور اللائقة (Henry, 2019؛ Gallopin, 2020)، ولا تعرف هيومن رايتس ووتش تقارير تفيد بمشاركة قوات الدعم السريع في حملات جهاز الأمن على المحتجين قبل 11 أبريل (Henry, 2019). وهذا يفسر التباساً لاحقاً في تصور كثيرين لموقعه من الثورة، ويفسر كذلك كيف دخل في أسابيع الاعتصام الأولى بوصفه «حامياً» قبل أن يصبح خصماً.
الفصل الثالث: كيف عاشت الساحة؟ اقتصاد التبرعات الذاتية وعمل المتطوعين وجاليات الشتات
تتفق الروايات المباشرة على أن الاعتصام عاش على موارد موزعة. ذكرت وكالة أنباء دولية أن المتطوعين كانوا يجمعون أموالهم لشراء مستلزمات إعداد الطعام في الموقع لكل من يريد، وأن أطباء وممرضين يعملون في عيادات أقيمت في الشوارع المحيطة، وأن تجمع المهنيين حثّ الناس على الانضمام إلى الاعتصام والدفاع عنه (Fox News, 2019). وتروي ناشطة من لجان المقاومة أن الجالية السودانية جمعت تبرعات نقدية لدعم الجهود، وأن شباب الاعتصام جمعوا مالهم لشراء ما يلزم (Elfaki, 2023). وتذكر مصادر أخرى أن شباب الحراك لجأوا منذ يناير 2019 إلى التمويل الجماعي لدعم المساعدة الطارئة (SOAS Centre for Human Rights Law, 2019). كما نظمت جاليات الشتات حملات لجمع أموال لمصابين وفرق طبية، ويقدّر عدد السودانيين في الخارج بنحو خمسة ملايين بحسب تقديرات حكومية، موزعين أساساً بين الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا (Quartz, 2019). وكتب أطباء سودانيون في بريطانيا أنهم جمعوا تبرعات من الجالية لتوفير الإمداد الطبي واللوجستي، وعملوا مع النقابات المهنية ولجان المقاومة داخل السودان لتقديم الدعم التقني والعلاج وإعادة التأهيل للمصابين (Hashim, 2019).
ويشير تقرير هيومن رايتس ووتش إلى عمق الاقتصاد الاجتماعي للساحة، إذ كان بين المفقودين بعد الفض نساء يعملن بائعات للشاي والطعام في المعتصم، وتحوّل معهد للتدريب المهني إلى مركز ثقافي ومعرض فني ثم إلى عيادة ميدانية (Henry, 2019). وكان في الساحة مسرح وشاشات وحفلات وفعاليات نقابية، وطالبة تحضر الاعتصام يومياً منذ بدايته وتخطط لجنتها لمزيد من الأنشطة للضغط على القادة العسكريين (Abbas, 2019). وكانت عيادات قريبة تعمل بطواقم متطوعة، ومستشفيات مجاورة مثل المعلم ورويال كير استقبلت المصابين لاحقاً (Henry, 2019). وتتسق هذه الصورة مع منطق تعبئة الموارد: عمل تطوعي كثيف، وتكاليف يتقاسمها كثيرون، ودعم عيني من الأحياء، وتبرعات الشتات، وكلها لا تتطلب راعياً مركزياً (McCarthy, 1977). وفي هذا الإطار يبدو الاعتصام اقتصاداً مصغراً قائماً على التضامن، بينما كان المال الإقليمي المعلن يتجه إلى جهة أخرى تماماً.
لكن هذه الصورة لا تعني إثباتاً كاملاً بالأرقام. فلم تقع المراجعة على حسابات مدققة أو ميزانية منشورة لما أُنفق على الغذاء والماء والعلاج والإنارة والمعدات في ساحة ضمّت عشرات الآلاف يومياً. ولا يمكن اختزال هذه المسألة في أن «المتبرعين سودانيون»، لأن بعض أفراد الجاليات يقيمون في دول خليجية، والتبرع الفردي من مقيم سوداني في دولة ما يختلف عن تمويل تلك الدولة. فالمتاح من الأدلة يرجّح الاعتماد على التمويل الشعبي والتبرعات، لكنه لا يكفي لنفي أي مال خارجي صغير غير مرصود. وهذه المسافة بين «الترجيح» و«الإثبات» هي المساحة التي نمت فيها الشائعات.
الفصل الرابع: خريطة المصالح الإقليمية: من يملك الدافع والقدرة؟ ولاءات البشير المتقلبة وتنافس المحاور
لفهم من كان يملك الدافع والقدرة على التمويل، لا بد من تتبع علاقة النظام السابق بجواره. فقد أرسل السودان بعد انطلاق العملية العسكرية السعودية في اليمن عام 2015 نحو عشرة آلاف جندي، سبعة آلاف منهم من قوات الدعم السريع، مقابل رواتب للجنود وودائع مالية ودعم لسلع أساسية، وقدّر مسؤولون إماراتيون أن بلدهم ضخّ نحو سبعة مليارات دولار في الاقتصاد السوداني بحلول 2018، منها 1.4 مليار دولار في احتياطي النقد الأجنبي للبنك المركزي و871 مليون دولار دعماً للوقود (Gallopin, 2020). غير أن البشير حافظ على سياسة الموازنة، فبقي على الحياد في أزمة قطر عام 2017 فأثار غضب الرياض وأبوظبي، وأوقفت الرياض رواتب الجنود السودانيين انتقاماً بحسب مقابلة أوردتها الدراسة، وتلقى في مارس 2018 دعماً إماراتياً وقرضاً قطرياً بملياري دولار (Gallopin, 2020). وأقنعت لعبة الموازنة هذه السعودية والإمارات، بحسب مقابلة مع دبلوماسي غربي، بأن البشير غير موثوق وينبغي استبداله (Gallopin, 2020). وتشير تقارير إلى أن الإمارات أوقفت شحنات الوقود في ديسمبر 2018، قبيل أول احتجاجات الخبز (Gallopin, 2020).
وحين اندلعت الاحتجاجات، كان أول زعيم عربي أعلن صراحة دعمه للبشير هو أمير قطر، في اتصال هاتفي في 22 ديسمبر 2018 أبدى فيه استعداده لتقديم كل دعم ممكن، فيما اتهمت الحكومة السودانية عناصر معارضة «جنّدتها إسرائيل» بتحريك المظاهرات (Sudan Tribune, 2018). ويصعب مع هذا الموقف تصديق الرواية التي تجعل قطر ممولة للثورة من أولها. أما معسكر الرياض وأبوظبي والقاهرة فقد خلصت قراءات إلى أنه استقر على استبدال البشير، إذ عرض صلاح قوش والإمارات على البشير في منتصف فبراير 2019 خطة خروج رفضها، وبدأ الإماراتيون وقوش اتصالات مع أطراف في المعارضة، وزار قوش قادة بارزين في السجن، وسافر وفد عسكري واستخباراتي في السابع من أبريل بقيادة نائب رئيس جهاز الأمن إلى القاهرة طلباً لدعم مصر والسعودية والإمارات لانقلاب عليه، ثم اتصلت الدول الثلاث بالبرهان وحميدتي اللذين شاركا في حرب اليمن (Gallopin, 2020). وعلى هذا الأساس تصف مجموعة الأزمات الدولية، كما نقل مجلس العلاقات الخارجية، تحركات الخليج بأنها محاولة لنقل السودان من حكم عسكري إلى حكم عسكري آخر، متبعة نمطاً مألوفاً يستخدم فيه الخليج ثروته النفطية لدعم حكومات تسلطية صديقة وتهدئة الحراك الشعبي، كما حدث في مصر عام 2013 (Council on Foreign Relations, 2019).
وقال قوش لمجلة فورين بوليسي إن النفوذ الإماراتي زاد كثيراً بعد إزاحة البشير، وإن الإمارات دفعت باتجاه الانقلاب لكنها ليست اللاعب الرئيس فيه، وإن السعودية ومصر لم تكونا طرفاً فيه، وإنه قدّم تفاصيل قليلة (Foreign Policy, 2019). وأفادت المجلة بأن مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين يقولون إن قوش نُصّب في جهاز الأمن بدعم سعودي وإماراتي. وهذه إفادة من فاعل مباشر لكنها شفهية وغير موثقة، وتحتاج إلى ما يعززها. والمهم أن هذه الروايات تتعلق بإسقاط البشير وإعادة ترتيب السلطة، لا بتمويل خيام المعتصمين. أما بعد سقوطه فقد رأت المنابر الدولية أن الولايات المتحدة بدت غائبة نسبياً، وأن دول الخليج ملأت الفراغ (Foreign Policy, 2019)، وأن مصر استخدمت ثقلها الدبلوماسي في الاتحاد الأفريقي لدعم المجلس (New Arab, 2019b). وأفاد غالوبين بأن تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا ومصر شجعت المجلس على التمسك بالسلطة، وأن وزير الخارجية الإماراتي أنور قرقاش كتب أن من المشروع أن تدعم الدول العربية انتقالاً منظماً ومستقراً يوازن بدقة بين التطلعات الشعبية والاستقرار المؤسسي، وأن وزيراً سابقاً في حكومة البشير قال إن بعض الدوائر تعمل على صناعة «سيسي جديد» (Gallopin, 2020).
وخسر محور قطر وتركيا بعد الثورة موقعه، إذ لم يعد لحلفائهما في الخرطوم دور في السياسة خلال أقل من عام، ورفضت الحكومة السودانية عرضاً بإرسال وفد إلى الدوحة مقابل تمويل بمليار دولار، وأنهت السعودية والإمارات دعمهما المباشر للحكومة في ديسمبر 2019 دون تفسير (Gallopin, 2020). وفي هذا المشهد يتضح أن أطراف الإقليم جميعاً كانت لها مصالح في نتيجة الثورة، لكن التمويل الموثق جاء إلى جانب واحد، والأدلة على تمويل الجانب الآخر غائبة.
الفصل الخامس: المال الموثق: حزمة الثلاثة مليارات وشبكات الجنرالات المالية
أوضح ما يوثق المال الإقليمي هو الإعلان المشترك في 21 أبريل 2019، حين أعلنت السعودية والإمارات حزمة مساعدات بثلاثة مليارات دولار: 500 مليون وديعة في البنك المركزي السوداني، و2.5 مليار دولار في صورة غذاء ودواء ومنتجات نفطية (New Arab, 2019a). ولم يحدد البيان إن كانت المبالغ منحة أم قرضاً (New Arab, 2019a). ووصفتها رويترز بأنها أول مساعدة خليجية كبيرة معلنة للسودان منذ سنوات، جاءت لتخفيف الضغط على الجنيه واستقرار سعر الصرف، في وقت يعاني فيه السودان أزمة اقتصادية خانقة وطوابير أمام المخابز ومحطات الوقود، وبعد خسارة عائدات النفط إثر انفصال الجنوب عام 2011 والعقوبات (Reuters, 2019). وكان البلدان قد أعلنا قبل ذلك بأيام تأييدهما لخطوات المجلس العسكري (New Arab, 2019a)، في وقت أيدت فيه السفارة الأمريكية انتقالاً مدنياً بحسب بيانات ذلك الأسبوع (NPR, 2019). وقال حميدتي لاحقاً إن السعودية والإمارات ومصر قدمت مساعدات للسودان دون تدخل في شؤونه، وشكر المملكة والإمارات على دعمهما (Arab News, 2019)، وهو اعتراف ضمني بتدفق الدعم إلى الجهة الحاكمة آنذاك.
وتتعلق الوثائق الأخرى بالتمويل الشخصي والأمني. فقد أفاد البشير في محاكمته في أغسطس 2019 بأن الأموال المصادرة من منزله، وقدرها 6.9 ملايين يورو و351,770 دولاراً و5.7 ملايين جنيه سوداني، بقية من خمسة وعشرين مليون دولار تلقاها من ولي العهد السعودي عبر مدير مكتبه بطائرة خاصة، وقال إن الأمير لم يرغب في ظهور اسمه، وأوضح أنها «تبرعات» وجزء من العلاقات الاستراتيجية مع السعودية، وقال محقق أمام المحكمة إنه تلقى نحو تسعين مليون دولار نقداً من أسرة سعودية حاكمة (Agence France-Presse, 2019a). وأفاد شاهد دفاع بأنه سلّم قوات الدعم السريع خمسة ملايين يورو نقداً، تسلمها شقيق حميدتي عبد الرحيم دقلو دون إيصال (Agence France-Presse, 2019b). وكشفت غلوبال ويتنس في ديسمبر 2019 شبكة شركات واجهة في السودان والإمارات تدعم قوات الدعم السريع وتتحكم في جزء كبير من سوق الذهب عبر مجموعة الجنيد المملوكة لحميدتي وعائلته. وأشارت إلى أن شركة إماراتية حوّلت ملايين الدولارات إلى حساب القوة وأنها على الأرجح واجهة يديرها أحد أشقاء حميدتي، وإلى مدفوعات إماراتية لقاء إرسال مقاتلين إلى اليمن، حتى بلغ ثراء القوة ما مكّن حميدتي من الزعم بأنه تبرع بمليار دولار للبنك المركزي، ووصفت حميدتي بأنه يتحكم في موارد مستقلة إلى حد كبير (Global Witness, 2019). وتفيد قراءات تحليلية بأن حميدتي كان ينفق نقداً على فئات متعددة، بينها شرطة مضربة وزعماء قبائل وعمال كهرباء ومعلمون وضباط في القيادة العليا للجيش (Gallopin, 2020)، وأنه ظل يعلن لاحقاً إيداع مئات الملايين في البنك المركزي (Gallopin, 2020).
وتخلص هذه الوقائع إلى أن المال الإقليمي الموثق اتجه إلى قمة الدولة والأجهزة الأمنية. وقد رفض المعتصمون هذا المال علناً، إذ ردد متظاهرون في ساحة الاعتصام بعد ساعات من الإعلان شعارات ضد الدعم السعودي، وقال بعضهم إن البلدين يحاولان التأثير في المجلس، وقال آخرون إن السودان يحتاج قيادة جيدة لا معونة أجنبية (Al Jazeera, 2019b)، وهو ما نقلته واشنطن بوست أيضاً (الجزيرة نت، 2019ج). ويتناقض ذلك مع الفرضية القائلة بأن الاعتصام ممول من الجهات ذاتها. وقد رأى اقتصاديون أن السودان بحاجة إلى المساعدة المالية لكن النقاش وقتها دار حول شروطها السياسية (Al Jazeera, 2019b). ومع ذلك، تظل أرقام الصرف الفعلي غامضة، فقد ذكرت دراسة غالوبين أن نحو نصف المبلغ الموعود فقط صُرف بنهاية 2019، وأن الإمارات والسعودية قدمتا نحو مئتي مليون دولار شهرياً في النصف الثاني من 2019 نقداً وسلعاً (Gallopin, 2020). وأفاد مصدر واحد، هو دبلوماسي في بعثة غربية، بأن الإمارات سلمت حميدتي أسلحة سراً في أواخر أبريل (Gallopin, 2020)، وهو ادعاء يتيم المصدر لا يمكن اعتباره ثابتاً.
الفصل السادس: الاستقطاب لا التمويل: اتصالات أبوظبي بقوى المعارضة بين الدليل والتأويل
أكثر الادعاءات التباساً هو ما يتعلق باستمالة بعض قادة المعارضة. تذكر دراسة غالوبين أن كبار أعضاء «نداء السودان»، وهو مكوّن رئيس في قوى الحرية والتغيير، التقوا مسؤولين إماراتيين في أبوظبي في أواخر أبريل 2019، وأن قادة في الجبهة الثورية، منهم ياسر عرمان ومني مناوي، كانوا بين من استضافتهم الإمارات، وأن نبرة أعضاء من نداء السودان تجاه الإمارات والعسكر لانت بعد عودتهم، فأخذوا يتحدثون إيجابياً عن دور العسكر والإمارات والسعودية (Gallopin, 2020). وفي 18 يونيو دافع عرمان على فيسبوك عن دور السعودية والإمارات في الانتقال، وأشاد الصادق المهدي بدور الإمارات والسعودية وقوات الدعم السريع، وهاجم خالد عمر يوسف قطر والجزيرة بحسب الدراسة (Gallopin, 2020). وبحلول مطلع مايو تساءل ناشطون وفصائل مسلحة عن «دبلوماسية الحقائب» الإماراتية، وأقر مستشار كبير لإحدى جماعات نداء السودان في مقابلة بعد نحو عام بأن «تعويضات سخية» كانت تُوزَّع (Gallopin, 2020).
وينبغي التعامل مع هذه المعطيات بحذر. فهي تقوم على مقابلات مجهولة الهوية أجريت بين 2019 و2020، ولم تتضمن إثباتاً مصرفياً أو وثائق، واللقاء السياسي مع مسؤول أجنبي ليس دليلاً على رشوة، وتغيّر المواقف قد يعكس حسابات سياسية مشروعة، ومنها إدراك أن الإمارات والسعودية تملكان مفاتيح التأثير في الجنرالات. وفي المقابل يظل نمط «الدبلوماسية النقدية» الذي وثقته المحاكمات (Agence France-Presse, 2019a) والمقابلات سبباً لإبقاء الفرضية مفتوحة. وقد اتهم الحزب الشيوعي السوداني، وهو من مكونات قوى الحرية والتغيير، الإمارات والسعودية بالتآمر لإجهاض الثورة، ودعا الحكومة الانتقالية إلى سحب القوات السودانية من اليمن (عربي21، 2019ب)، فيما اتهم حميدتي، بحسب ما نقله موقع نون بوست، قوى الحرية والتغيير بتلقي أموال بالدولار من دول خارجية، ولم تعثر المراجعة على دليل علني قُدِّم لإثبات هذا الاتهام (نون بوست، 2019). وهكذا تبادل الطرفان اتهامات متناظرة بالتبعية المالية دون أدلة مصرفية علنية.
وتتميز الاستمالة عن التمويل في أنها تستهدف مائدة التفاوض لا ساحة الاعتصام. فإن صحّت، فقد غيّرت موازين التفاوض بين المجلس والقوى المدنية، وتتسق مع ما يلاحظه غالوبين من أن القيادة المدنية تنازلت في يوليو بدل أن تستثمر زخم مسيرة الثلاثين من يونيو (Gallopin, 2020). لكنها لا تثبت أن الدولة المستميلة هي من أنفق على خيام الساحة. وهنا بالذات يظهر الفارق بين «شراء قرار» و«تمويل حراك»: الأول يحتاج إلى وسطاء ونقد، والثاني يحتاج إلى لوجستيات يومية ظاهرة للعيان، وقد رأى المعتصمون أنفسهم أن كلفتها يتقاسمها الجميع.
الفصل السابع: مجزرة الثالث من يونيو: ما نعرفه وما لا نعرفه عن الضوء الأخضر الإقليمي
تصاعدت التوترات قبل المجزرة تدريجياً. ففي 30 أبريل اتهم حميدتي المعتصمين بأنهم مخترَقون من «مدمني مخدرات» وانتقد حواجزهم لأنها تشل الأعمال، وفي 13 مايو قُتل ستة أشخاص حين أزالت قوات الدعم السريع حواجز في شارع النيل، وعلّق المجلس المفاوضات 72 ساعة، ثم اتفق الطرفان في 19 مايو على لجنة تحقيق مشتركة لا يُعرف إن تشكلت (Henry, 2019). وأعلن تجمع المهنيين إضراباً عاماً في 28 و29 مايو، وقُتل ثلاثة محتجين في 29 و30 مايو بينهم امرأة حامل بحسب وسائل إعلام موثوقة، وأغلق المجلس مكتب الجزيرة ووكالة رمتان، وطلبت وزارة الخارجية من السفارات عدم زيارة موقع الاعتصام دون إذن، وحذّر قائد المنطقة العسكرية في الخرطوم في 31 مايو من أن الموقع غير آمن ويهدد تماسك الدولة (Henry, 2019). وفي ليلة الثاني من يونيو انتشرت شائعات عن هجوم وشيك على المعسكر (Henry, 2019).
وفي الثالث من يونيو 2019 حاصرت قوات بقيادة الدعم السريع، مع شرطة وعناصر أمن، موقع الاعتصام وأطلقت النار على المعتصمين، وأحرقت الخيام ونهبت الممتلكات، وارتُكبت اعتداءات جنسية بحسب شهادات موثقة (Henry, 2019). وقدّرت جماعات أطباء مستقلة مقتل أكثر من 120 شخصاً بين الثالث والثامن عشر من يونيو وإصابة أكثر من تسعمئة، وتحدثت عن جثث أُخرجت من النيل بعضها مربوط بالطوب، بينما أعلنت السلطات 87 قتيلاً، منهم 17 فقط في ساحة الاعتصام، ورُفضت هذه الأرقام على نطاق واسع (Henry, 2019). وكانت وزارة الصحة قد أعلنت في السادس من يونيو مقتل 61 شخصاً (Henry, 2019). وخلص التقرير إلى أن ثمة دليلاً ظرفياً على أن الهجوم كان مخططاً، لأن عدد القوات المنتشرة، وهو بالآلاف، يشير إلى تخطيط عملياتي رسمي، وأوصى بالتحقيق مع كل من شارك في التخطيط، بمن فيهم حميدتي، دون أن يذكر دولاً أجنبية (Henry, 2019). وقد أقرّ المتحدث باسم المجلس لاحقاً بأن عملية الفض كانت «مخططة» وإن شابتها «أخطاء»، ونفى رئيس القضاء والنائب العام أنهما أيّدا الفض، وأقال المجلس النائب العام في 20 يونيو (Henry, 2019). ونفى حميدتي في يوليو تورط قواته قائلاً إن الأزياء تُشترى من السوق، ثم أعرب في السادس من أغسطس عن «أسفه» لما جرى (Henry, 2019).
أما البعد الإقليمي، فتُجمع عليه قراءتان متباينتان في قوة الدليل. الأولى تحليلية، وتقول إن الدعم الإماراتي والسعودي شجّع المجلس العسكري في الأسابيع الحاسمة، وإن حميدتي زار الرياض والقاهرة وأبوظبي قبيل الفض (Gallopin, 2020)، وإن تأييد هذه العواصم مكّن الجنرالات من التصلب في التفاوض. والثانية شعبية، تنتشر في وسائل التواصل، وتتهم الدول الثلاث بمنح الضوء الأخضر، وتشبّه الفض بفض اعتصام رابعة العدوية في مصر، وتستند بالأساس إلى زيارات قادة المجلس إلى تلك العواصم قبل أيام (الجزيرة نت، 2019أ). وفي المقابل تتبنى صحيفة إماراتية رواية معاكسة تحمّل الإسلاميين المسؤولية وتزعم أنهم ورّطوا حميدتي (عربي21، 2019ج). ولا تقدم أي من الروايات الثلاث وثيقة تثبت أمراً أو تغطية إقليمية للقرار. والثابت المتفق عليه هو أن الضغط الأمريكي والبريطاني بعد المجزرة دفع الإمارات والسعودية إلى الدعوة للحوار والمساعدة في ترتيب اتفاق، وأن مسؤولاً أمريكياً رفيعاً اتصل علناً بمسؤولين سعودي وإماراتي في الرابع والسادس من يونيو (Gallopin, 2020)، وأن الاتحاد الأفريقي علّق عضوية السودان في السادس من يونيو، وبدأ رئيس الوزراء الإثيوبي وساطة في اليوم التالي (Henry, 2019). ثم خرج المحتجون في مسيرة المليونية في 30 يونيو فاستُخدمت ضدهم الذخيرة الحية، وأسفرت بحسب مسؤول صحي عن سبعة قتلى و181 جريحاً (Henry, 2019)، وجاء الاتفاق السياسي في الرابع من يوليو والإعلان الدستوري في أغسطس (Henry, 2019).
ويقف التحقيق الوطني الذي أعلن عنه رئيس الوزراء في 21 سبتمبر 2019 برئاسة نبيل أديب (عربي21، 2019أ) وسُمّي أعضاؤه في 21 أكتوبر 2019 عند عتبة الجواب. وقد ضمّت اللجنة ممثلين لوزارتي الدفاع والداخلية، مما أثار قلق منظمات حقوقية بشأن استقلالها (Henry, 2019). وأفاد أديب في يناير 2022 بأن اللجنة استمعت إلى أكثر من ثلاثة آلاف شاهد، بينهم البرهان وحميدتي، وأن تأثرها باستقالة حمدوك أعاق فحص الأدلة المادية بخبراء أجانب (الجزيرة نت، 2022). وفي يونيو 2026، بعد سبع سنوات من الواقعة، طالب مركز الخاتم عدلان بالكشف الفوري عن نتائج التحقيق الأولية وتوضيح أسباب التأخير (مركز الخاتم عدلان، 2026). وفي أكتوبر 2023، وبعد اندلاع الحرب، تبادل الجيش والدعم السريع الاتهام بالمسؤولية عن الفض، فقال البرهان إن الدعم السريع هي المتورطة، وردّت الدعم السريع بأن الجيش هو من دبّره (سبوتنيك عربي، 2023). ولا تزال أسئلة الأوامر والتخطيط والتغطية الخارجية بلا إجابة قضائية.
الفصل الثامن: حرب الروايات: أساطير السلطة وشائعات المحاور وهندسة التضليل الرقمي
تنقسم الأساطير المتداولة بحسب مصدرها. في المجموعة الأولى روايات السلطة التي ترى في الثورة مؤامرة خارجية. فقد اتهمت الحكومة في ديسمبر 2018 عناصر معارضة «مجنّدة من إسرائيل» بتحريك الاحتجاجات (Sudan Tribune, 2018)، وحمّل البشير دولاً غربية، على رأسها الولايات المتحدة، مسؤولية الأزمة، وأشار مسؤولون إلى اتهام إسرائيل بالتآمر مع جماعات متمردة لزعزعة الاستقرار (Elfadol, 2019). وفي أبريل 2019 تناقلت وسائل إعلام موالية رواية أن الاحتجاجات تدار من حانة في لندن، وهي رواية نسبها صحفي موالٍ للبشير، وعدّتها صحيفة الغارديان من نظريات المؤامرة (الجزيرة نت، 2019ب). ولم تقدم أي من هذه الروايات دليلاً علنياً.
وفي المجموعة الثانية روايات المجلس العسكري وقواته، وهي تشويه الاعتصام لتبرير فضه. فقد وصف حميدتي المعتصمين في 30 أبريل بأنهم «مدمنو مخدرات» مخترَقون (Henry, 2019)، واتهم قيادي في الدعم السريع الاعتصام بجذب بائعات هوى وتجار حشيش (Voice of America, 2019)، وبرر المجلس عملية الفض بأنها استهدفت منطقة «كولومبيا» التي زعم أنها بؤرة للأنشطة غير القانونية (Henry, 2019). وإلى جانب ذلك الاتهام بالتمويل بالدولار (نون بوست، 2019). وتتشابه هذه الرموز مع ما تقوله أدبيات سوق السياسة عن تحويل الخصوم إلى «منحرفين» أو «عملاء» تمهيداً لنزع الشرعية (De Waal, 2015).
وفي الثالثة روايات الاستقطاب الإقليمي. فقد رأت تحليلات أن منابر قطر وتركيا تصوّر المجلس العسكري دمية سعودية إماراتية، فيما يروّج إعلام الرياض وأبوظبي أن الثورة نتاج رفض شعبي لقرب الإخوان من البشير (New Arab, 2019b). وفي هذا السياق أغلق المجلس مكتب الجزيرة في الخرطوم في 30 مايو، قبل المجزرة بثلاثة أيام (Henry, 2019؛ Voice of America, 2019). وتقدم هذه الرواية الأخيرة الإسلاميين مرة طرفاً مسؤولاً عن الأحداث، فقد زعم مصدر مقرب من حميدتي أن الحركة الإسلامية ورّطته في المجزرة (عربي21، 2019ج)، وسخر مغردون سودانيون من الرواية. ولا يتيح هذا الاستقطاب لأي من الطرفين أن يكون مصدراً محايداً في مسألة التمويل.
وفي الرابعة بنية التضليل الرقمي. فقد أزالت فيسبوك لاحقاً شبكتين من الحسابات غير الأصيلة، إحداهما مرتبطة بقوات الدعم السريع والأخرى بأنصار البشير، وذكرت أن نحو 30% فقط من السودانيين يستخدمون الإنترنت ويعتمدون على وسائل التواصل مصدراً للأخبار، وأن الشبكة المرتبطة بأنصار البشير ضمّت نحو مئة حساب وأُبلغ عنها بواسطة شركة استأجرتها وزارة الإعلام (Middle East Eye, 2021). وفي نوفمبر 2019 هددت قوات الدعم السريع بمقاضاة من يستخدم شعارها، بعد انتشار صور أكياس سكر وعدس تحمل اسمها زُعم أنها وُزعت مجاناً، ونفت وجود مشروع كهذا واتهمت إسلاميين بتشويه صورتها (Sudan Tribune, 2019). وتبين هذه الأمثلة أن حرب الروايات حول الاعتصام كانت جزءاً من الصراع على الشرعية، وأن بيئة المعلومات ظلت منذ 2019 ساحة تنافس منظم.
وثمة أسطورتان مقابلتان تستحقان الحذر. الأولى أن الثورة كانت عفوية بلا تنظيم، وهو ما تنقضه أدلة التنظيم المسبق (United States Institute of Peace, 2022). والثانية أن كل مال خليجي كان رشوة مباشرة للقادة المدنيين، وهو ما لا تسنده وثيقة علنية. وثالثة تقول إن حزمة الثلاثة مليارات صُرفت كاملة، وتشير دراسة غالوبين إلى أن نصفها تقريباً فقط صُرف (Gallopin, 2020). ورابعة تقول إن الثورة صنيعة الخارج لأن الخارج دعم الجنرالات، وهو خلط بين مسألتين، فالدعم الخارجي للجنرالات لا يعني أن الخارج صنع الثورة، بل يعني أن الثورة اصطدمت بمصالح الخارج.
الفصل التاسع: ميزان الأدلة: ماذا يصمد من كل ادعاء؟
تُدرَّج الادعاءات هنا من الأقوى إلى الأضعف. أقواها أن السعودية والإمارات قدمتا أو وعدتا بدعم مالي كبير للمجلس العسكري بعد سقوط البشير، فهذا معلن في بيان رسمي (New Arab, 2019a؛ Reuters, 2019) ومؤيَّد بشهادة حميدتي نفسه (Arab News, 2019). ويليه أن الجنرالات وقواتهم يملكون شبكات مالية تمتد إلى الإمارات، فقد وثقت ذلك غلوبال ويتنس (Global Witness, 2019) وأقرت بعض جوانبه محاكمة البشير (Agence France-Presse, 2019b).
وفي مرتبة المعقول لكن غير المثبت يأتي الادعاء بأن الإمارات استمالت بعض قادة المعارضة، لأن المقابلات التي تقوم عليه مجهولة المصدر (Gallopin, 2020). وكذلك القول إن التأييد الخليجي شجّع المجلس على التصلب وصولاً إلى الفض، فهو استنتاج تحليلي وجيه لكنه لا يقوم على وثيقة (Gallopin, 2020). وفي المرتبة الأضعف الادعاء بأن الدول الثلاث أعطت «الضوء الأخضر» للفض، فلم يظهر دليل مباشر عليه، وتتناقض معه ردود فعل أمريكية وإقليمية لاحقة (Gallopin, 2020).
أما الادعاء بأن دولة إقليمية موّلت الاعتصام نفسه، سواء الخليجية أو قطر أو تركيا أو مصر أو غيرها، فلم تعثر المراجعة على أي دليل يسنده. وتشير القرائن المتاحة إلى عكسه، ومنها رفض المعتصمين العلني للمال الخليجي (Al Jazeera, 2019b)، وانحياز قطر المعلن للبشير (Sudan Tribune, 2018)، وتعدد مصادر التمويل الشعبية الموثقة (Elfaki, 2023؛ Fox News, 2019؛ Quartz, 2019). ويبقى هذا التقدير احتمالياً لا قطعياً، لأن الحسابات الكاملة لم تُنشر. أما اتهامات التمويل الغربي والإسرائيلي وحانة لندن فهي ادعاءات سلطة بلا دليل علني.
وتؤكد هذه التراتبية أن قوة الدليل تتناسب عكسياً مع شيوع الادعاء في وسائل التواصل: فأكثر الادعاءات تداولاً، كالتمويل الخارجي للمعتصمين وإعطاء الضوء الأخضر، هي الأضعف سنداً، وأقواها سنداً، كالوديعة الخليجية في البنك المركزي وشبكات الذهب، أقلها تداولاً في الجدل الشعبي. وهذا يفسر سبب حاجة النقاش العام إلى منهج تحقق يفصل بين الوقائع والتأويلات.
الفصل العاشر: دروس قابلة للتنفيذ في السودان: شفافية التمويل المدني واسترداد الحقيقة وتحصين الرواية
تخرج من هذه المراجعة توصيات عملية. أولاً، ينبغي لأي حراك مدني مستقبلي أن ينشر سجلاً مجمّعاً للتبرعات والنفقات بصورة دورية، مع تدقيق مستقل ولو بدائي، لأن غياب الأرقام هو ما جعل التمويل الخارجي «ممكناً» في الخيال العام. ويمكن لذلك أن يتم دون المساس بسلامة المتبرعين عبر نشر مجاميع بحسب الفئات، كالغذاء والدواء والمعدات، ومصادر التبرع بحسب الفئة العامة، كالمشاركين والأحياء والجاليات. ثانياً، ينبغي لقوى المجتمع المدني وضع مدونة سلوك تمنع قبول مال الدول والأجهزة، وتنظم تبرعات الجاليات وتصنفها بحسب مصدرها. ثالثاً، ينبغي أرشفة وثائق الاعتصام ولجانه وشهاداته الرقمية والمصورة بمنهج جنائي رقمي يحفظ سلسلة العهدة، تمهيداً للمساءلة، وقد اعتمد تقرير هيومن رايتس ووتش نفسه على تحليل مقاطع مصورة والتحقق منها مع الشهود (Henry, 2019). رابعاً، يتعين نشر النتائج الأولية للجنة التحقيق في فض الاعتصام، واستكمال التحقيق بدعم دولي فني كما أوصت هيومن رايتس ووتش، مع ضمان تمثيل النساء وخبرة في توثيق العنف الجنسي (Henry, 2019).
خامساً، ينبغي أن تُقنَّن في المرحلة الانتقالية قواعد لتمويل الأحزاب والمساعدات الخارجية للحكومات الانتقالية، وأن يُشترط الإفصاح عن المساعدات والودائع النقدية الأجنبية وتوجيهها عبر المؤسسات الرقابية، بدل تدفقها نقداً أو عبر شبكات شخصية، فقد أظهرت محاكمة البشير أن النقد عبر الطائرات الخاصة كان قناة معتادة (Agence France-Presse, 2019a). سادساً، ينبغي للشركاء الدوليين اشتراط الشفافية والتناسب في دعم المراحل الانتقالية بما يعزز المسار المدني، كما اتضح من الضغط الأمريكي والبريطاني بعد المجزرة (Gallopin, 2020)، وتوحيد الرسائل تجاه الراعين الإقليميين بدل ترك الساحة لهم. سابعاً، ينبغي دعم منصات التحقق المحلية وتدريب الصحفيين والناشطين على تتبع الشبكات غير الأصيلة والتنسيق مع المنصات الرقمية لإزالتها، على غرار ما جرى في 2021 (Middle East Eye, 2021)، مع مراعاة أن غالبية السودانيين لا تصلهم الأخبار عبر الإنترنت. ثامناً، ينبغي استثمار الدور الاجتماعي للجان المقاومة التي تحولت لاحقاً إلى غرف طوارئ، بوصفها بنية تعبئة وتضامن لا يمكن شراؤها بسهولة (United States Institute of Peace, 2022). وأخيراً، يوصي الباحثون بإتاحة قواعد بيانات الاحتجاج للباحثين على غرار مشروع جورجتاون (Clarke, 2026)، حتى يُبنى النقاش على بيانات مفتوحة لا على الانطباع.
خاتمة نقدية: بين غياب الدليل ودليل الغياب
تفيد المراجعة بأن مقولة «الاعتصام ممول من دولة إقليمية» لا تصمد أمام الأدلة المتاحة، وأن المقولة المقابلة التي تجعله نقياً من كل أثر خارجي تتجاوز حدود الدليل أيضاً. فالمال الإقليمي الموثق ذهب إلى المجلس العسكري وشبكات قادته، وكان للجنرالات الأسبقية في استخدامه، بينما قام الاعتصام على موارد المشاركين وتبرعات الأحياء والجاليات. ولكن هذه الخلاصة محكومة بحدود منهجية ثقيلة. فمعظم المصادر ثانوية ومعتمدة على تقارير صحفية، وبعضها يصدر عن منابر منحازة في الصراع الإقليمي، ودراسة غالوبين ترتكز على مقابلات مجهولة المصدر. ولا توجد حسابات مدققة للاعتصام ولا وثائق من داخل لجانه، وتحقيق لجنة أديب لم تُنشر نتائجه حتى يونيو 2026. وقد أغلقت الحرب منذ أبريل 2023 كثيراً من سبل الوصول إلى الأرشيف والشهود.
ولذلك تُقرأ الخلاصة بوصفها «ترجيحاً قائماً على الدليل» لا «حقيقة نهائية». ويقتضي الإنصاف الاعتراف بأن غياب الدليل على تمويل الاعتصام ليس برهاناً على غيابه المطلق، وبأن أي شاهد جديد أو وثيقة مصرفية قد تغيّر الصورة. وعلى الباحثين أن يتجنبوا الانزلاق بين أسئلة ثلاثة متمايزة، وأن يميزوا بين تمويل الدول وتبرعات المقيمين من أبنائها، وأن يتعاملوا مع كل رواية متداولة بوصفها فرضية تحتاج إلى فحص. ومن النقد الواجب كذلك أن التركيز على المال الخارجي قد يحجب سؤالاً أهم عن عوامل نجاح الاعتصام وفشله الداخلية، من انقسام قوى الحرية والتغيير إلى تنازلات التفاوض، وأن جدل التمويل يخدم أحياناً من يريد نزع الأصالة عن الثورة أو من يريد تبرئة الجنرالات. والأهم أن بناء الذاكرة الوطنية حول الاعتصام يحتاج إلى شفافية وتحقيق مكتمل ينهيان هذا الجدل بالوقائع.
المراجع
أولاً: المراجع الإنجليزية
- Abbas R. In Sudan, neighbourhoods mobilised against al-Bashir [Internet]. Al Jazeera; 2019 May 7 [cited 2026 Oct 21].
- Agence France-Presse. Sudan’s Bashir charged with illegal use of foreign funds [Internet]. The EastAfrican; 2019 [cited 2026 Oct 21].
- Agence France-Presse. Sudan’s Bashir gave over $5m to paramilitary force [Internet]. The Daily Star; 2019 Sep 7 [cited 2026 Oct 21].
- Al Jazeera. Huge crowds join protest against Sudan’s military leaders [Internet]. Al Jazeera; 2019 May 2 [cited 2026 Oct 21].
- Al Jazeera. Sudan protesters to Saudi Arabia, UAE: ‘Please keep your money’ [Internet]. Al Jazeera; 2019 Apr 22 [cited 2026 Oct 21].
- Arab News. Riyadh will continue helping Sudan, says Saudi minister of state for African affairs [Internet]. Arab News; 2019 Jun 30 [cited 2026 Oct 21].
- Chenoweth E, Stephan MJ. Why civil resistance works: the strategic logic of nonviolent conflict. New York: Columbia University Press; 2011.
- Clarke K, Langlois J. Charting a people’s revolution: protest data from Sudan’s uprising [Internet]. Washington, DC: Center for Contemporary Arab Studies, Georgetown University; 2026 [cited 2026 Oct 21].
- Council on Foreign Relations. Will Gulf nations tip the balance in Sudan crisis? [Internet]. Council on Foreign Relations; 2019 [cited 2026 Oct 21].
- De Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and the business of power. Cambridge: Polity Press; 2015.
- Elfadol AAH, Topcu G. Sudan’s president advised to normalize ties with Israel [Internet]. Anadolu Agency; 2019 Jan 4 [cited 2026 Oct 21].
- Elfaki H. Building the foundations of democracy in Sudan [Internet]. Wilson Quarterly; 2023 Fall [cited 2026 Oct 21].
- Foreign Policy. Arab states foment Sudan chaos while U.S. stands by [Internet]. Foreign Policy; 2019 Jun 5 [cited 2026 Oct 21].
- Fox News. Volunteer doctors, cooks help Sudanese keep up protests [Internet]. Fox News; 2019 [cited 2026 Oct 21].
- Gallopin JB. The great game of the UAE and Saudi Arabia in Sudan. In: POMEPS Studies 40: Africa and the Middle East beyond the divides [Internet]. Washington, DC: Project on Middle East Political Science; 2020 [cited 2026 Oct 21].
- Global Witness. Secret documents reveal financial network supporting Sudan’s most powerful militia responsible for the Khartoum massacre [Internet]. Global Witness; 2019 Dec 9 [cited 2026 Oct 21].
- Hashim A. Doctors supporting a peaceful uprising [Internet]. British Medical Association; 2019 Dec 11 [cited 2026 Oct 21].
- Henry J. “They were shouting ‘kill them'”: Sudan’s violent crackdown on protesters in Khartoum [Internet]. New York: Human Rights Watch; 2019 Nov [cited 2026 Oct 21].
- Jenkins JC, Perrow C. Insurgency of the powerless: farm worker movements (1946–1972). Am Sociol Rev. 1977;42(2):249-68.
- McCarthy JD, Zald MN. Resource mobilization and social movements: a partial theory. Am J Sociol. 1977;82(6):1212-41.
- Middle East Eye. Sudan: Facebook shuts down fake accounts amid public debate online [Internet]. Middle East Eye; 2021 [cited 2026 Oct 21].
- New Arab. Saudi Arabia and UAE pledge $3 billion in aid to Sudan [Internet]. The New Arab; 2019 Apr 21 [cited 2026 Oct 21].
- New Arab. Is Sudan joining the anti-Qatar bloc? [Internet]. The New Arab; 2019 Jun 5 [cited 2026 Oct 21].
- NPR. Bashir may be out, but Sudanese protesters with ‘eye on the prize’ won’t budge [Internet]. NPR; 2019 Apr 15 [cited 2026 Oct 21].
- Quartz. Sudan’s diaspora has played a crucial role in supporting the anti-Bashir protests [Internet]. Quartz Africa; 2019 [cited 2026 Oct 21].
- Reuters. Saudi Arabia, UAE to send $3 billion in aid to Sudan [Internet]. Reuters; 2019 Apr 22 [cited 2026 Oct 21].
- SOAS Centre for Human Rights Law. Human rights and democratic change in Sudan: summary of proceedings [Internet]. London: SOAS University of London; 2019 Jan 24 [cited 2026 Oct 21].
- Sudan Tribune. Emir of Qatar vows support to Sudanese government in face of mass protests [Internet]. Sudan Tribune; 2018 Dec 22 [cited 2026 Oct 21].
- Sudan Tribune. Sudan’s militia forces threaten to sue military impostors [Internet]. Sudan Tribune; 2019 Nov 16 [cited 2026 Oct 21].
- United States Institute of Peace. Sowing the seeds of nonviolent action in Sudan. Special Report 509 [Internet]. Washington, DC: United States Institute of Peace; 2022 [cited 2026 Oct 21].
- VICE News. Inside the massive sit-in fueling Sudan’s revolution [Internet]. VICE News; 2019 [cited 2026 Oct 21].
- Voice of America. Al-Jazeera says Sudan shut down bureau amid sit-in threat [Internet]. Voice of America; 2019 [cited 2026 Oct 21].
ثانياً: المراجع العربية
- الجزيرة نت. اتهامات للسعودية والإمارات ومصر بالتحريض على فض اعتصام السودان [الإنترنت]. الجزيرة نت؛ 3 يونيو 2019 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- الجزيرة نت. غارديان: ما الذي يجمع بين حانة مغمورة في لندن وحراك السودان؟ [الإنترنت]. الجزيرة نت؛ 22 أبريل 2019 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- الجزيرة نت. واشنطن بوست: المحتجون السودانيون يحذرون السعودية والإمارات من التدخل بشؤونهم [الإنترنت]. الجزيرة نت؛ 25 أبريل 2019 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- الجزيرة نت. رئيس لجنة التحقيق بفض اعتصام القيادة بالسودان للجزيرة نت: بلغنا المرحلة قبل الأخيرة من التحقيقات وهذا ما يؤخر عملنا [الإنترنت]. الجزيرة نت؛ 27 يناير 2022 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- سبوتنيك عربي. قوات الدعم السريع: اتهامات البرهان لنا بفض اعتصام القيادة العامة افتراء وتهرب من المسؤولية [الإنترنت]. سبوتنيك عربي؛ 1 أكتوبر 2023 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- عربي21. السودان يعين لجنة للتحقيق في فض اعتصام «وزارة الدفاع» [الإنترنت]. عربي21؛ 2019 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- عربي21. الشيوعي السوداني يتهم الإمارات والسعودية بالتآمر على الثورة [الإنترنت]. عربي21؛ 2019 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- عربي21. صحيفة إماراتية: الإخوان وراء فض اعتصام الخرطوم.. وسخرية [الإنترنت]. عربي21؛ 2019 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية. سبع سنوات على فض اعتصام القيادة العامة: عندما يقود غياب العدالة إلى تكرار المأساة [الإنترنت]. سودانايل؛ 3 يونيو 2026 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
- نون بوست. عقدة عسكر السودان.. حين يصبح اعتصام القيادة العامة «خطراً قومياً» [الإنترنت]. نون بوست؛ 2019 [تاريخ الوصول: 21 أكتوبر 2026].
