نزار عثمان السمندل
خرجت أمقاسي آدم من الفاشر كأنها تعبر بوابة القيامة. جسدها مثقوب بثلاث رصاصات، وطفليها تحت الركام، وعيونها تبحث عن وطن صار مجرد ذكرى.
لم تهرب من الحرب فحسب، بل من حقيقة صارخة: الإنسان أصبح سلعة رخيصة، والوطن صار رماداً يلوح في الأفق.
ينهار السودان أخلاقياً قبل أن ينهار سياسيا. كامل إدريس غائب في ملكوته المدهش، يرفع علم إنشاء حديقة للحيوان (ايقصد حديقة تؤويهم هم، هؤلاء الذين يديرون أمر البلاد؟)، بينما الناس يدفنون أطفالهم في التراب المحروق.
خالد الأعيسر يبيع الكذب كما يُباع الخبز والجرجير. يزين الموت بالبلاغة المزيفة ويجعله احتفالاً يوميا. ناجي مصطفى وناجي عبد الله (الناجيان الوحيدان من كل المعارك) يوزعان صكوك القتل من مناطق بعيدة وآمنة، يبتسمان للنار التي تلتهم الفقراء، ويغضّان الطرف عن الألم الحيّ.
محيي الدين سالم، بربطة عنقه القرمزية، يقيس المأساة بمسطرة البروتوكول التي يبذل جهداً للإمساك بها، كأن الدم أرقام على جدول إحصائي، وكأن الرصاص ألوان على خريطة بلا قلب.
البرهان؛ كبيرهم الذي علّمهم فنون الزوغ والأكاذيب؛ يقف على ركام وطن مصلوب ويقول: “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”. كلمات ثقيلة كليل بلا قمر، وكأنّه لا يعرف أن الجوع وحده لا يقتل، وأن الخوف والخذلان أخطر من كل رصاص. المدارس مغلقة، الجامعات صامتة، الشوارع خاوية، والحياة معلّقة في امتحان صبر بلا نهاية.
الشعب يتدرّب على الألم كرياضة يومية، يبتسم للقدر كما لو كان وحشاً يُلزمهم بالرقص فوق الرماد، ويحاول أن يصنع معنى من فراغ مستمر منذ انقلاب البرهان ذاته.
الحرب لم تعد نزاعاً بين جيشين، بل صراع بين ضمير حي وظله الميت. الانهيار الأخلاقي أدهى من الانهيار العسكري، لأن السياسة يمكن أن تعود، أما الضمير إذا مات، فلا تعود له نبضة ثانية. كل خطاب، كل تصريح، كل وعد، أصبح جزءاً من آلة تقتل الإنسان قبل أن تقتل الوطن.
الناجون من الفاشر لا يروون فظائع الحرب فحسب، بل يفضحون وجوهنا نحن. في كل قرية أم تشبه أمقاسي، في كل بيت طفل يسأل عن معنى الحياة بين ركام الحلم المفقود. كل قصة تحمل صدى سؤال واحد، حادّ كرصاصة في القلب: من نحن بعد كل هذا الدم؟
الغضب يتراكم، لكن يبقى صوت واحد، هشّ لكنه صادق، ينبعث من الركام المتفحم، يقول باسم كل الأحياء والموتى، باسم كل ما تبقى من ضمير في هذا الوطن:
كفى… لقد شبعنا موتاً. نريد وطناً نخاف عليه؛ لا وطناً نخاف منه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم