من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:
علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى مآلات الحرب الراهنة (2-5)
د. مريم محمد عبدالله وقيع الله
(تشكل هذه الدراسة خلفية تاريخية ضمن مشروع بحثي يستضيفه معهد التخطيط المكاني بجامعة فيينا للتكنولوجيا، ويهدف إلى إعداد مقترح لخطة مكانية استراتيجية للإعمار المنصف والمستدام في السودان ما بعد الحرب. وقد نُشرت مسودة هذه الورقة على منصة ResearchGate)
- من مشروع التحرر إلى مأزق الدولة: تحليل في بنية السلطة والعقل الإقصائي للنخب بعد الاستعمار (1956–1989)
يتناول هذا الجزء من سلسلة “من الهيمنة إلى التفكيك العنيف” مسار السودان بين 1956 و1989، محللًا كيف تحوّل مشروع التحرر الوطني إلى مأزق بنيوي عمّق التبعية والهيمنة. يستعرض المقال إخفاقات النخب في بناء دولة ما بعد الاستعمار، من الاستقلال السياسي إلى الاستعمار الحديث، مرورًا بثورة أكتوبر وسلطوية مايو. ويركّز على دور السياسات الاقتصادية والعمرانية في إعادة إنتاج التهميش، وإخفاق النخب في صياغة مشروع وطني جامع يحقق العدالة والتنمية المتوازنة.
1.2. من الاستقلال السياسي إلى الاستعمار الحديث: دولة ما بعد الاستعمار وتكريس التبعية (1956–1964)
عقب الاستقلال عام 1956، واجهت الدولة السودانية الوليدة أول اختبار لبناء نظام ديمقراطي يعكس التعدد المجتمعي ويقطع مع إرث الهيمنة الاستعمارية. إلا أن النخب السياسية، رغم خطابها المناهض للاستعمار، أعادت إنتاج نموذج الدولة المركزية الذي تشكّل تحت الحكم الاستعماري(1). وقد تخرّج أغلب قادتها في مؤسسات أنشأها البريطانيون، واكتسبوا منها تصورات نخبويّة تربط الشرعية بالمعرفة الحديثة لا بالتمثيل الشعبي.
انقسمت هذه النخب بين من تحالف مع القوى الطائفية لأغراض انتخابية، ومن رأى فيها عائقًا أمام إقامة دولة “عقلانية” حديثة، مما أضعف مشروع التحول الديمقراطي. في المقابل، جرى تهميش المناطق الطرفية، وتراجعت الحكومة عن وعودها بمنح الجنوب حكمًا فيدراليًا، وفرضت العربية كلغة رسمية، وانضمت لجامعة الدول العربية، مما عمّق شعور التهميش والانفصال الثقافي(2).
سياسيًا، أدى تفكك الحزب الوطني الاتحادي، الذي مثّل الأغلبية البرلمانية ولعب دورًا محوريًا في الاستقلال، إلى تعميق الانقسام نتيجة الخلافات الأيديولوجية، خاصة مع التوجهات العلمانية لزعيمه إسماعيل الأزهري. وقد فتح هذا الانهيار الباب لتحالف هش بين حزب الشعب الديمقراطي بقيادة الميرغني، وحزب الأمة بزعامة الإمام عبد الرحمن المهدي، سرعان ما انهار تحت وطأة استقطابات الحرب الباردة(3). وبدعم من الإمام المهدي، لجأت الحكومة إلى الجيش، فأُطيح بالتجربة الديمقراطية الأولى بانقلاب عسكري في نوفمبر 1958، دشّن حكمًا سلطويًا مواليًا للغرب، تجلّى في قبول المعونة الأمريكية واصطفاف السودان مع الولايات المتحدة في أزمة الكونغو(4).
في هذا السياق، اتخذ الجنوب موقعًا محوريًا في سياسات نظام عبود، الذي تبنّى خطابًا وحدويًا، لكنه مارس سياسات إقصائية عمّقت التهميش. ومع تصاعد السخط، صنّف النظام مطالب الجنوبيين كتمرّد، وأطلق حملة عسكرية ضد بقايا “الفرقة الاستوائية”، التي تطورت لاحقًا إلى حركة “الأنانيا” عام 1963. ورغم غياب خطاب ديني رسمي، سعى النظام لفرض التعريب والأسلمة كمشروع “حضاري”، متجاهلًا التعدد الثقافي والديني. وبلغ هذا التوجه ذروته بطرد البعثات التبشيرية عام 1962، في خطوة فُسّرت كاضطهاد ديني، وأضفت بُعدًا طائفيًا على النزاع، وأسهمت في جذب دعم خارجي لحركات التمرّد(5).
يكشف موقف النظام من الجنوب عن تجلٍ واضح لما يُعرف بـ”العقل الإقصائي الأناني”(6)، السمة المركزية في أنظمة ما بعد الاستعمار، حيث تسعى النخب لفرض هوية وطنية أحادية تُقصي التنوع الثقافي والإثني. ويتجلى هذا النهج في ما يُعرف بـ”الاستعمار الداخلي”، إذ تُعامل الدولة المجتمعات، خاصة في الأطراف، كهوامش للسيطرة لا كشركاء متساوين. وكما يشير محمود ممداني، فإن “المشكلة ليست في فشل الحداثة، بل في نجاح الهيمنة، حين تُبنى الدولة على السيطرة على الأرض لا على تمثيل من يسكنها”(7)، وهي رؤية تكشف الطبيعة القمعية لبنية الدولة ما بعد الاستعمار، وتُجهض إمكانات بناء وطن قائم على الاعتراف والمساواة.
1.1.2. التنمية كمحرك للإقصاء: الدولة الوطنية وإعادة إنتاج التهميش بعد الاستعمار
بعد استيلائه على السلطة، تبنّى نظام الفريق إبراهيم عبود نموذجًا تنمويًا مركزياً مستلهَماً من توجهات البنك الدولي، ضمن ما سُمي بـ”التنمية الوطنية”. وُضعت خطة عشرية (1961–1970) أعدها تكنوقراطيون بخلفيات استعمارية، استندت إلى توسيع الزراعة النقدية وتعزيز الصادرات لزيادة الدخل القومي، لكنها أعادت إنتاج التبعية للرأسمالية العالمية. اعتمدت الخطة على نموذج “أقطاب النمو”، فتركزت الاستثمارات في المركز(8)، بينما هُمّشت الأطراف. شُيّد خزان الروصيرص بدعم دولي لتوسيع الزراعة المروية(9)، في حين ظلّت مناطق كدارفور والشرق والجنوب خارج خارطة التنمية، ما عمّق الفوارق البنيوية بين المركز والهامش.
وتوسعت الزراعة المروية، خاصة في امتداد المناقل ضمن مشروع الجزيرة، ليصل إلى 2.2 مليون فدان. ورغم ما وفره من إنتاج وفرص عمل، نُفّذ المشروع بمنطق فوقي، استند إلى قانون 1925 الذي يمنح الدولة ملكية الأرض، ما أضعف دور المزارعين التقليديين، وأقصى المجتمعات الرعوية. هذا التهميش أدّى إلى فقدان قطاعات واسعة مصادر رزقها التقليدية، ودفع إلى موجات هجرة متزايدة نحو المدن، استمرارًا لمسار بدأ منذ الحقبة الاستعمارية(10) .
في النيل الأبيض، استُغلت اتفاقية مياه النيل (1959) لتوسيع زراعة القطن والأعلاف(11)، مع استمرار الإدارة المركزية التي أقصت السكان المحليين. وفي جبال النوبة، خُصّصت الزراعة الآلية لنخب مركزية، دون مراعاة لحقوق السكان أو توفير خدمات، مما عمّق التهميش وأثار التوترات(12). وفي خشم القربة، أُعيد توطين نازحي وادي حلفا بعد غمر قراهم بالسد العالي، في بيئة مختلفة مناخيًا وثقافيًا، دون تعويض عادل أو استجابة لمطالبهم، ما أدى إلى تفكك نسيجهم الاجتماعي وتدهور أوضاعهم(13).
تجسّدت هذه السياسات فيما يُعرف بـ”الاستعمار الداخلي”، حيث استُغلت موارد الأطراف لصالح المركز دون الاعتراف بمواطنتها الكاملة. في الجنوب، تعاملت الدولة مع الأرض كمورد قومي، متجاهلة السكان الأصليين في مسائل السلطة والخدمات والحقوق، وسعت للسيطرة على الغابات والمياه والنفط دون إشراك المجتمعات المحلية أو الاعتراف بتنوعها. وقد نبّه فرانز فانون إلى خطورة هذا النمط من الحكم، حيث تتحوّل النخبة الوطنية إلى “وريث شرعي للسلطات الاستعمارية”، وتُعيد إنتاج أنماط القهر بدلًا من تفكيكها(14). ووفقًا لذلك، تصبح الدولة في هذا السياق أداة لإعادة إنتاج الهيمنة المركزية، مما يفضي إلى قطيعة بين السلطة والمجتمع ويؤسس لصراعات ذات طابع إثني أو مناطقي.
أسهمت هذه السياسات في تأجيج الاحتقان، خاصة بعد شن حملة عسكرية جديدة على الجنوب، مما فجّر احتجاجات شعبية قادتها النقابات والطلاب والمثقفون، وانتهت بثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالحكم العسكري وأعادت الحكم المدني. غير أن منطق التهميش البنيوي ظل راسخًا في بنية الدولة السودانية الحديثة، التي تأسست على الإقصاء أكثر مما تأسست على المواطنة والعدالة الاجتماعية.
2.1.2. سياسات وممارسات التنمية الحضرية في السودان (1956–1964)
شهد السودان بين الاستقلال (1956) ومنتصف الستينيات مسارًا عمرانيًا وتنمويًا غير متوازن على المستويين الوطني والمحلي. فرغم الانتقال الشكلي من الإدارة الاستعمارية إلى الدولة الوطنية، حافظت مؤسسات التخطيط الحضري على طابعها المركزي، مركّزة الموارد والخدمات في الخرطوم، بينما ظلّت الأقاليم تعاني من ضعف البنية التحتية وشح الاستثمارات. وكما يشير ديفيد هارفي (2008)، غالبًا ما يُستخدم التخطيط في دول الجنوب لإعادة إنتاج امتيازات النخب وإقصاء الفئات المهمشة(15).
اتبعت الدولة الوطنية نموذجًا مستمدًا من الرؤية الاستعمارية، التي تُعلي من شأن المركز وتُهمّش الأطراف. وقد تجلّى هذا في خطة تطوير الخرطوم (1960–1980) التي أعدّها دوكسيادس، والتي ركزت على الجوانب التقنية دون مراعاة التحولات الاجتماعية، لا سيما الهجرة الريفية الناتجة عن النزاعات والتدهور المعيشي في الأقاليم(16). فشلت الخطة في التنبؤ بالنمو السكاني، مما أدى إلى ضغط متزايد على البنية التحتية وتوسع عشوائي في أطراف المدينة.
اعتمد التخطيط الحضري تصنيفًا طبقيًا للفضاء العمراني قائمًا على الدخل، امتدادًا لنظام التمييز المكاني الاستعماري. خُصّص احياء الدرجة الاولي للنخب، بينما وُضعت الفئات الفقيرة والوافدون من الريف في أطراف المدينة، ضمن مساكن تفتقر للخدمات أو تجمعات غير رسمية عُرضة للإزالة. هذا النمط يعكس وظيفة التخطيط كأداة للسيطرة الطبقية والإثنية، لا لتحقيق العدالة المكانية. وكما يؤكد هنري ليفيفر، فإن «الحق في المدينة ليس مجرد حق في الوصول إلى ما هو قائم، بل هو حق في تغييره وفقًا لما نرغب به»(17)، وهو ما غاب عن السياسات الحضرية في السودان.
تُظهر هذه الممارسات أن التنمية الحضرية لم تُستخدم لتفكيك الإرث الاستعماري، بل ساهمت في تعميق الاختلالات على مستويين: أولًا، بتوسيع الفجوة بين المركز والأطراف؛ وثانيًا، بتكريس امتيازات النخب داخل العاصمة على حساب الفئات المهمشة. وهكذا، تحولت الخرطوم إلى مرآة مصغّرة للتفاوتات البنيوية التي قامت عليها الدولة السودانية الحديثة.
2.2. من ثورة أكتوبر إلى ديكتاتورية نميري: مسار إخفاق النخب وإعادة إنتاج الهيمنة (1964–1985)
مثّلت ثورة أكتوبر 1964 محطة مفصلية في التاريخ السياسي السوداني، إذ أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود عبر حراك مدني واسع قادته النقابات والمنظمات النسوية والشبابية تحت مظلة “جبهة الهيئات”، معبّرة عن تطلعات لبناء نظام ديمقراطي يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع. غير أن ما تلا الثورة سرعان ما كشف عن عمق التناقضات داخل المعسكر المدني، خاصة بين القوى الطائفية التقليدية والتيارات اليسارية والتقدمية، مما أدى إلى إعادة إنتاج منطق الإقصاء داخل الإطار الديمقراطي ذاته(18).
ورغم أن قضية الجنوب كانت من القضايا المحرّكة للثورة، إلا أن النخب السياسية المركزية تخلّت عنها سريعًا لصالح الحفاظ على الدولة المركزية الموحدة. لم يُمثَّل الجنوبيون في ميثاق جبهة الهيئات ولا في مفاوضات ما بعد الثورة، ما عكس ذهنية تستبطن الجنوب ككيان تابع جغرافيًا وثقافيًا، لا كشريك متساوٍ. وقد أدى تجاهل مطالب الجنوب، وفي مقدمتها الحكم الفيدرالي، إلى فشل مؤتمر المائدة المستديرة وتصاعد التوتر بين المركز و الجنوب(19). وفي ظل غياب مشروع وطني جامع، ظهرت حركات إقليمية مثل جبهة تنمية دارفور، واتحاد جبال النوبة، ومؤتمر البجة، مطالِبة بتوزيع عادل للسلطة والثروة.
في الوقت نفسه، أسهم صعود جبهة الميثاق الإسلامي بمشروعها لإقامة جمهورية إسلامية في تعميق الاستقطاب الأيديولوجي، لا سيما مع رفض التيارات العلمانية لخلط الدين بالسياسة. وبلغ هذا التوتر ذروته في الحملة الممنهجة ضد الحزب الشيوعي، الذي حُظر عام 1965 وطُرد نوابه من البرلمان، رغم صدور حكم من المحكمة العليا بعدم دستورية ذلك القرار، ما شكّل انتكاسة واضحة للتعددية السياسية(20). مما مهّد الطريق لانقلاب جعفر نميري في مايو 1969 بدعم من تحالف يساري واسع. تبنّى النظام الجديد خطابًا اشتراكيًا، رافعًا شعارات الثورة الاجتماعية، متحالفًا مع المعسكر الشرقي، وقام بحلّ الأحزاب السياسية وتوجيه نقد مباشر للطائفية والأحزاب الدينية.
لكن التحالف مع الحزب الشيوعي لم يدم طويلًا؛ إذ انهار عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة عام 1971، التي أُعدم على إثرها عدد من قادته. في أعقاب ذلك، أعاد النظام تموضعه الإقليمي والدولي، متحالفًا أولًا مع مصر وليبيا، ثم متدرجًا في الابتعاد عن الكتلة الشرقية، حتى انخرط في المحور الغربي. وتحوّل الخطاب الرسمي من الاشتراكية إلى خطاب تنموي–أمني يركّز على استقرار النظام واستمرارية الحكم، متخليًا عن مشروعه الاجتماعي التحرري الأولي(21).
وجسّدت هذه الأحداث ما يُعرف بـ”العقل الإقصائي الاناني” المتجذّر في بنية الدولة السودانية، حيث يُنظر إلى الخلاف السياسي لا كتعبير مشروع عن التعدد، بل كتهديد يجب استئصاله(22). كما كشفت عن هشاشة الدولة السودانية في ظل الصراعات الصفرية بين النخب، مما يفتح المجال لتدخلات خارجية تعيد توجيه المسار السياسي بما يخدم مصالحها، لا مصالح الفاعلين المحليين.
لاحقًا، وقّع نميري اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي أنهت الحرب الأهلية مؤقتًا بمنح الجنوب حكمًا ذاتيًا. غير أن هذا المكسب سرعان ما تآكل، خاصة بعد اكتشاف النفط وتحوّل سياسات نميري نحو الإسلاميين بقيادة حسن الترابي، متجسدًا في تطبيق “قوانين الشريعة الإسلامية” عام 1983، ما فجّر الحرب من جديد(23). وبلغ هذا التحالف السلطوي–الإسلاموي ذروته في إعدام المفكر محمود محمد طه عام 1985، في حادثة كشفت تلاقي عقلية استبدادية ترى الدولة امتدادًا للحاكم، مع نزعة دينية إقصائية توظّف الدين للسيطرة. وقد أسهم هذا المناخ القمعي، إلى جانب التدهور الاقتصادي، في اندلاع انتفاضة أبريل 1985، التي أطاحت بنظام مايو ودشّنت المرحلة الثالثة من الحكم الديمقراطي في السودان.
1.2.2. من وعود العدالة الاشتراكية إلى ارتهانات التبعية الرأسمالية: التحولات الاقتصادية في عهد نميري
شهد السودان، في الفترة التي أعقبت ثورة أكتوبر 1964 وحتى سقوط نظام مايو في 1985، تحولات اقتصادية كبرى بدأت بآمال الاشتراكية وعدالة التنمية، وانتهت إلى ارتهان جديد للرأسمالية العالمية. فبينما كانت التبعية لمؤسسات التمويل الدولية من الدوافع الأساسية للحراك ضد نظام عبود، فإن هذا المسار الاقتصادي لم يكن محل توافق داخل القوى السياسية التي تسلمت الحكم بعد الثورة. فعلى سبيل المثال، لم يرفض حزب الأمة سياسات عبود الاقتصادية من منطلق رفض التبعية، بل شارك في الثورة لدوافع سلطوية، ثم عاد ليستكمل ذات النهج التنموي المركزي بعد وصوله إلى السلطة، متجاهلاً القوى اليسارية التي كانت شريكاً في التغيير.
مع انقلاب مايو 1969، تبنّى نظام نميري نموذجًا اشتراكيًا تجسّد في الخطة الخمسية (1970–1975)، التي ركّزت على التأميم وتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى. شكّل قانون الأراضي غير المسجلة (1970) وقانون الحكم المحلي الشعبي (1971) أدوات لتفكيك نظام الحيازة العرفية والقيادة الأهلية، مما أدى إلى تجريد المجتمعات الريفية من حقوقها في الأرض وتعميق التهميش(24). في مشاريع مثل الرهد الزراعي، تم إقصاء المزارعين والرعاة لصالح الدولة المركزية. ورغم الخطاب الاشتراكي، ظل التخطيط مركزياً، والتنمية خاضعة لمنطق السيطرة. وكما يوضح هنري لوفيفر، أعادت الدولة إنتاج الفضاء الوطني بما يخدم النخب في المركز(25)، بينما بقيت المجتمعات المحلية، خصوصًا في الأطراف، خارج معادلة التنمية الفعلية.
تحوّل نظام نميري إلى المعسكر الغربي بعد 1971 أسفر عن تغييرات عميقة في الاقتصاد السوداني، تمثلت في الارتهان لمؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فُرضت على السودان برامج إصلاح هيكلي ركزت على تقليص الإنفاق العام، ورفع الدعم، وخصخصة القطاع العام، ما أدى إلى تدهور مستوى المعيشة وتزايد السخط الشعبي. تفاقمت أزمة المديونية، وفشلت القروض في إحداث نمو إنتاجي حقيقي، مما أدى إلى انهيار مالي واسع النطاق وفقدان السيادة الاقتصادية. كما تدهورت القطاعات الحيوية كالصناعة والزراعة، وازداد تمركز الثروة بيد النخب المرتبطة بالسلطة. وبذلك، رسّخ التحول نحو الغرب تبعية اقتصادية عميقة، وأعاد إنتاج اللامساواة، ضمن سياق سياسي استبدادي منع أي مقاومة مجتمعية فعالة لهذه السياسات(26).
في مطلع الثمانينيات، ومع اكتشاف النفط في جنوب السودان، عمد نميري إلى خرق اتفاقية أديس أبابا الموقّعة عام 1972، والتي كانت قد منحت الجنوب حكماً ذاتياً واسع الصلاحيات. تمثّل هذا الخرق في تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاث ولايات إدارية عام 1983، في خطوة اعتُبرت تهدف إلى تقويض الحكم الذاتي، وتسهيل سيطرة المركز على الموارد النفطية المكتشفة حديثًا(27). تزامن ذلك مع إعلان تطبيق “قوانين الشريعة الإسلامية”، في إطار تحالفه مع الحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي. وقد شكّل هذا التحالف نقطة تحول جوهرية في بنية الدولة، حيث استُخدم الدين كأداة لإعادة إنتاج الهيمنة، وتكريس الإقصاء السياسي والاجتماعي، لا سيما تجاه المكوّنات غير المسلمة والمهمّشة.
اقتصادياً، فشلت الدولة في تحقيق أي مكاسب مستدامة، إذ قاد فشل التأميم وسوء الإدارة إلى أزمات حادة، زادها التزام نميري بسياسات صندوق النقد الدولي التي فرضت تقشفاً أضعف الفئات الهشة. بالتوازي، تفاقمت الأزمات البيئية والاجتماعية، خصوصاً في كردفان ودارفور، حيث تسبب الجفاف و التصحر في مجاعة 1983- 1984، التي ادت لنزوح مئات الالاف الي المدن وخاصة الخرطوم(28).
2.2.2. التخطيط العمراني في عهد نميري: بين الطموح وإخفاقات البنية المؤسسية
رغم الطابع الريفي الغالب على المجتمع السوداني آنذاك، شهدت البلاد خلال فترتي الديمقراطية الثانية (1964–1969) وحكم جعفر نميري (1969–1985) موجة تحضّر متسارعة، نتيجة النزوح الجماعي الناجم عن الحرب الأهلية في الجنوب والكوارث البيئية في دارفور وكردفان. غير أن الدولة واجهت هذا التحول الديمغرافي بأدوات التخطيط المركزي الموروثة عن الاستعمار، دون تكييف يراعي المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية(29).
وقد فاقم الضغط السكاني على المدن غياب سياسات عمرانية مرنة، فاستمر التخطيط في مركزيته وانفصاله عن المجتمعات المحلية والسلطات الإقليمية. وتكرّست أنماط الإدارة الاستعمارية في التعامل مع قضايا السكن والخدمات، وازالة السكن غير الرسمي باستثناء تجربة محدودة في “أم بدة”، حيث جرت محاولة لإعادة التخطيط في الموقع بدلًا من الإزالة(30).
وفي ظل خطاب اشتراكي، أنشأ نظام مايو وزارة للإسكان ولكنه بدلا من توفير سكن شعبي لذوي الدخل المحلول تبنّى نموذج “الموقع والخدمات” بدفع من البنك الدولي، لتوفير أراضٍ مخدّمة جزئيًا يبني فيها المواطنون مساكنهم(31). إلا أن ضعف الموارد وغياب الروابط الاجتماعية أفرغ التجربة من فعاليتها، وأسفر عن أحياء ناقصة الخدمات. وبدلًا من الإصلاح، تبنّت الدولة الإزالة القسرية والتوطين في أطراف المدن. كما فشل المخطط الهيكلي للخرطوم (1975)، الذي أعدّته شركة “مافيت” الإيطالية، بسبب طبيعته الفوقية وتجاهله للبعد الاجتماعي. وعمّقت الأزمات الاقتصادية في الثمانينيات تدهور الخدمات والبنى التحتية، مما رسّخ التفاوتات المكانية والإقصاء الحضري(32).
3.2. من إخفاق التحرر إلى ترسيخ التبعية والهيمنة
خلاصة القول، إن التجربة السياسية في السودان بين عامي 1956 و1989 كشفت عن أزمة بنيوية عميقة في الدولة الوطنية التي نشأت بعد الاستقلال، حيث تعاقبت أنظمة مدنية وعسكرية رفعت شعارات أيديولوجية متباينة—من الليبرالية إلى الاشتراكية—من دون أن تُحدث أي تحول جوهري في بنية الدولة أو في علاقتها بالمجتمع. فقد ظلت الدولة المركزية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية قائمة، ممركزة السلطة والثروة في الخرطوم، تحت هيمنة نخب ضيقة تجاهلت التعدد الإثني والثقافي والجغرافي، وأقصت المجتمعات المحلية، خاصة في الأطراف، من عمليات صنع القرار والتنمية العادلة.
ظل منطق الهيمنة والإقصاء سائدًا مع كل انتقال في رأس السلطة، سواء عبر الانتخابات أو الانقلابات، ما حال دون بناء مشروع وطني جامع يرتكز على الاعتراف المتبادل والعدالة الاجتماعية. وقد ساهمت سياسات التهميش، إلى جانب الإخفاقات المتراكمة على الصعيدين التنموي والسياسي، في إنهاك البنية الاجتماعية وتعميق الشعور باللاانتماء، خاصة في الجنوب والمناطق الطرفية. وفي هذا السياق، جاء فشل التجربة الديمقراطية الثالثة ليُمهّد الطريق أمام انقلاب عام 1989، الذي دشّن مرحلة جديدة من السلطوية، ستُناقش أبعادها وتحولاتها في الجزء الثالث من هذا البحث.
المراجع
al-Qaddal, M. S. (1992) Modern History of Sudan 1820–1956 (Arabic) Dar al-Jeel, Beirut. (9-10-11-18-19)
Alredaisy, S. (2024) The theoretical bases of Sudanese development planning and some of the related negative impacts, 1898-1990, https://www.researchgate.net/publication/377139793_The_theoretical_bases_of_Sudanese_development_planning_and_some_of_the_related_negative_impacts_1898-1990 (8)
Beshir, M. O (1975) The Southern Sudan. From Conflict to Peace. C. Hurst, London (2-5-)
Beshir, M.O. (1980) History of the National Movement in Sudan 1900-1969(Arabic),The Sudanese House of Books, Al-Baladiya Street, Khartoum, Sudan (3-4-)
Deng, F. M. (1995). War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Brookings Institution Press. (5)
Fanon, F. (1963). The Wretched of the Earth. Grove Press. (13-)
Gari, H. M. (2018) Land Tenure and Conflict in Sudan, available at; https://csf-sudan.org/wp-content/uploads/2023/10/land_tenure_and_conflict_in_sudan.pdf (24)
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers (3-19)
Harvey, D. (2008). The right to the city. New Left Review, 53, 23–40. Retrieved from https://newleftreview.org/issues/ii53/articles/david-harvey-the-right-to-the-city (15)
Holt, P. M., & Daly, M. W. (2011). A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day (6th ed.). Routledge. (26)
Khalid, M. (1990). The Government They Deserve: The Role of the Elite in Sudan’s Political Evolution, London: Kegan Paul International (28)
Khalid, M. (2009). South Sudan in the Arab Imagination: False Image and Historical Repression (in Arabic). Cairo: Academic Science House for Publishing and Distribution (23)
Komey GK. (2010) Land, Governance, Conflict and the Nuba of Sudan. Boydell & Brewer (12)
Lefebvre, H. (1991). The production of space (D. Nicholson-Smith, Trans.). Blackwell. (Original work published 1974. (25)
Lefebvre, H. (1996). Writings on cities (E. Kofman & E. Lebas, Eds. & Trans.). Blackwell.(17)
Mamdani, M. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton University Press. (7)
Mamdani, M. (2010). Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. Pantheon Books (22)
Mbembe, A. (2001). On the Postcolony. University of California Press (13)
Scharmer, O. (2009). Theory U: Leading from the Future as It Emerges. Berrett-Koehler. (6)
Sharkey, H. J. (2003). Living with colonialism: Nationalism and culture in the Anglo-Egyptian Sudan. University of California Press. (1)
Wagialla, Mariam (2020) A GENDER-SENSITIVE LANDSCAPE PLANNING APPROACH IN URBAN TRANSFORMATION TO IMPROVE THE QUALITY OF EVERYDAY LIFE FOR ALL, Case Study: Khartoum City (PhD thesis), University of natural resources and life science (BOKU) Vienna. (10-16-29-30-32)
Woodward, P. (1991). Sudan, 1898–1989: The Unstable State. London: Lynne Rienner Publishers (20-21-27)
World bank (1961) International Development Association. Evaluation of the Roseires Irrigation Project, Republic of Sudan, https://documents1.worldbank.org/curated/en/531561468121768835/pdf/Sudan-Roseires-Irrigation-Project.pdf?utm_source=chatgpt.com (9)
World Bank. (1974). SITES AND SERVICES PROJECTS A World Bank Paper. World Bank. Retrieved 6, 18, 2015, from http://documents.worldbank.org/curated/en/148991468330876502/pdf/777770WP0Box370es0and0services01974.pdf (31)
marfa_1998@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم