خبط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أخيراً، على الطاولة. كأنه يقول لحليفه المدلل نتنياهو: لقد سئمت.
مع الخبطة القوية؛ عادت المنطقة إلى طاولة النار والقلق. ترامب رفع ورقة من 21 بنداً ووضعها فوق الخرائط الملتهبة. سمّاها “مبادرة لوقف الحرب في غزة”. لكن وراء العناوين، تدور معركة أكبر: من يملك حق صياغة النهاية؟ ومن يملك مفاتيح الغد؟
جلس الزعيم الأميركي إلى جوار نتنياهو في واشنطن. بدا المشهد كأنه امتحان لقدرة البيت الأبيض على انتزاع تنازل من رئيس حكومة يعيش على إيقاع الحرب، ويقتات من وهم القوة المطلقة.
في الزوايا، تحرك القادة العرب. عبدالفتاح السيسي يستقبل محمد بن زايد في القاهرة. الزعيمان اطلقا إشارات ترحيب مدروسة بالمبادرة. لم يكن الأمر مجرد بيان دبلوماسي، بل رسالة صريحة: هناك قرار عربي بالتفاف منسق حول الخطة الأميركية، لمنع نتنياهو من وأدها قبل أن تبصر النور.
المبادرة الأميركية لا تخلو من جرأة: وقف دائم لإطلاق النار، انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، إطلاق سراح رهائن وسجناء، وترتيبات حكم جديدة بلا حماس، مدعومة بتمويل عربي وإسلامي وقوة أمنية مختلطة. خطة تَعِد بممر نحو “دولة فلسطينية” تحت الوصاية الإقليمية، إلى حين أن تُجري السلطة إصلاحاتها. بنودٌ أقرب إلى خريطة معركة دبلوماسية منها إلى ورقة تقنية.
لكن ما يمنحها ثقلها ليس نصها وحده، بل هذا الحشد العربي من خلفها. السيسي يتحدث عن “فرصة حقيقية”، ووزير خارجيته بدر عبدالعاطي يكرر الدعوة إلى التعاطي الإيجابي. الإمارات لوّحت بموازين التطبيع. رويترز نقلت عن مصدر في الأمم المتحدة، لم تُسمّه، أن الإمارات وجّهت رسالة إلى نتنياهو: إن اخترت الضم، ستغلق الأبواب في وجهك، بما فيها أبواب الرياض وجاكرتا. وإن اخترت الرفض، ستجد نفسك معزولاً، محاصراً، وقد تخسر حتى ما كسبته من (اتفاقات إبراهيم)”. عبدالله بن زايد نقل ذلك بوضوح إلى زعيم الاحتلال.
المشهد إذن أكبر من غزة وحدها. إنه صراع على هوية الإقليم. العرب يريدون أن يقولوا إنهم شركاء في صياغة النهاية، لا متفرجون على خراب جديد. يريدون كسر جدار الجمود الذي بناه نتنياهو حول نفسه، وجعل إسرائيل تدفع ثمن تصلبها.
لكن على الأرض، الدم ما زال يسيل. منذ السابع من أكتوبر، غزة تحصي موتاها: عشرات الآلاف بين شهيد وجريح، أغلبهم من الأطفال والنساء، في إبادة جماعية موثقة. تحت هذا الركام، يطل ترامب بخطته، ويتحرك العرب بحذر وحزم، خشية أن يتركوا مستقبل غزة رهينة بين يدي رجل يفضل الحرب على السلام، والجدار على الأفق.
هي لحظة فارقة. إذا مضت المبادرة، قد تُفتح نافذة ضوء وسط ظلام الحرب. وإذا أفشلها نتنياهو، قد يجد نفسه ليس فقط في مواجهة الفلسطينيين، بل في مواجهة عواصم عربية قررت أن تتكلم بصوت واحد.
إذن، المعركة ما عادت بين غزة وتل أبيب فقط. إنها معركة على المعنى: هل يمكن أن يولد سلام من ركام الإبادة، أم أن الحرب ستبقى اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم