مناقشات كمبالا (المقال الأول)

د. عمرو محمد عباس محجوب

كما يحدث في كل أنحاء تواجد السودانيين في الداخل والخارج وفي كل مكان تدور المناقشات حول اعادة تعريف المدنية، والذي بدأ بشكل كبير بعد ٢٠١٩، وفي كمبالا، بدات مجموعة من المثقفين المستقلين في اجراء هذا الحوار بشكل جاد. سوف أتناول في ثلاث مقالات هذه المناقشات. المقال الأول وهو خارج المناقشات، يحاول عرض الإشكالية في اساسها التاريخيّ، والمقال الثاني يعرض للمناقشات التي أديرت لإعادة تعريف المدنية في الوقت الحالي. اما المقال الثالث فسوف يعرض نتائج المناقشات التي سوف تدور حول كيفية قراءة الموقف من الحركة الاسلامية في السودان وكيف سيتم التعامل معها، ماهي نظرتنا لها وماذا نريد منها لقبولها أوعدم قبولها في المجتمع وماهي الضوابط التي نريد ان نفرضها في اي مشروع وطني باعتبار ان الجميع دافعوا عن الوطن ومشتركين فيه. كما علينا تحديد كيف سنتعامل مع الجرائم السابقة خاصة السرقات والسلب والنهب الذي تم في عهد الإنقاذ بشكل مقنن وربما مقال رابع عن كيف نقرأ الترابي بعد عام ٢٠١٠ لأنها احتوت على نقد ذاتي واقتراب من الضوابط الوطنية حتى ان القوى السياسية قبلت بهم في مؤتمر جوبا.

أولًا: كيف اختلط تعريف “المدنية المضادّة للعسكرية” مع القوى الإسلامية في السودان عبر السنوات؟

منذ الاستقلال، ظلّ السودان يعيش في منطقة رمادية بين الدولة المدنية والدولة العسكرية. لم يكتمل بناء “مدنية الدولة” لا مؤسسيًا ولا دستوريًا، وبالتالي بقيت الهوية المدنية بلا مضمون فعلي. هذا الفراغ سمح لكل القوى—العسكرية والإسلامية واليسارية—أن تتنازع على محتواه. خلال السبعينيات والثمانينيات، دخلت الحركة الإسلامية (جبهة الميثاق الإسلامي ثم الجبهة الإسلامية القومية) في صراع مع اليسار ومع الجيش.
الإسلاميون في تلك المرحلة قدّموا أنفسهم كـ: قوة “مدنية” مقابل الجيش الذي اعتبروه حليفًا للشيوعيين أو للبيروقراطية الطائفية وكقوة عقائدية منظمة تستند إلى المجتمع (الطلاب، النقابات المهنية، المساجد)، ما سمح لهم أن يدّعوا تمثيل “المجتمع المدني الإسلامي”. لكن هذا الخطاب تغيّر بعد انقلابهم عام 1989، حيث صاروا هم الدولة العسكرية/الأمنية ذاتها.
هنا ظهر الاختلاط التاريخي: جماعة رفعت شعار “المدنية الإسلامية” ضد العسكريين، أصبحت هي نفسها العسكرية العقائدية التي أسست: جهاز أمن عقائدي ومليشيات دفاع شعبي ونموذج دولة فوق المجتمع

بعد الثورة، انقسم تعريف المدنية: إلى قطاع واسع من الثورة يرى أن المدنية تستثني كلا من الإسلام السياسي والعسكرية معًا اما التيارات المحافظة وبعض الإسلاميين حاولوا تبني خطاب “مدنية بلا إقصاء”، أي إعادة تعريف المدنية كحياد سياسي يتيح لهم العودة. من هنا نشأت خلطة “مدنية مضادة للعسكرية” لكنها متصالحة عمليًا مع الإسلاميين أو تستخدمهم كجسم اجتماعي تعبوي. وتجلّى هذا خاصة بعد الحرب، حيث: الإسلاميون أعادوا تقديم أنفسهم كقوة للدفاع عن الدولة ضد الدعم السريع وظهر خطاب “مدنية الجيش” كغطاء لتحالف اجتماعي مع المؤسسة العسكرية في مواجهة “تغوّل المرتزقة”. بهذا، تداخلت المدنية مع: الوطنية والهوية الإسلامية المحافظة والموقف من الإمارات ومحورها والموقف من الحرب بشكل كلي. فتم خلط المدني بالعسكري بالديني في بوتقة واحدة.

لايمكن فصل المجتمع المدني عن هذا الصراع فهو يعني شبكة المنظمات الدولية المانحة، منظمات حقوق الإنسان، المنظمات الليبرالية، ووكالات التنمية الغربية. هذا القطاع دخل السودان منذ ١٩٨٥ وبعدها بكثافة منذ منتصف التسعينيات بسبب الحرب والمجاعات والضغط الدولي على حكومة الإنقاذ. وكانت من الآثار الإيجابية بناء كفاءات جديدة. فالمجتمع المدني المموَّل خارجيًا خرّج جيلًا يتمتع بــ: مهارات كتابة المشاريع والإدارة والتفكير الحقوقي تحسين اللغة الإنجليزية ومهارات التواصل الدولي. وهذه الكفاءات لعبت دورًا مهمًا في الثورة 2018–2019. من إنتاج وعي حقوقي حديث ساهم في نشر مفهوم: حقوق الإنسان والمساواة الجندرية، الديمقراطية الدستورية والعدالة الانتقالية. وهي مفاهيم كانت هشة أو غائبة في الفضاء الوطني. اهم من ذلك كان في تقديم خدمات غابت عن الدولة خاصة في: مناطق الحرب (دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان) والصحة والتعليم والإغاثة ودعم الصحافة المستقلة

الآثار السلبية كانت ايضا واضحة وأكثرها وضوحا النشوء خارج المجتمع المحلي إذ ان أغلب هذا المجتمع المدني: حضري ومركزي (في الخرطوم) ونخبوي ويميل لمرجعيات الغرب الليبرالي. وبالتالي انقطع عن القواعد الاجتماعية الريفية والقبلية والمحافظة.
كما انه كان كثير الاعتمادية على التمويل الخارجي الذي قاد إلى: تبعية معرفية وتغيّر الأجندة حسب توجهات المانحين وظهور “طبقة المجتمع المدني” التي تعيش من المنظمات لا من السوق أو الدولة. وفي سياقات مثل الحرب الحالية، بدا أن بعض المنظمات: تنطلق من خطاب حقوقي معزول وتتجنب تسمية المعتدي والمعتدى عليه ولا تدرك حساسية الاصطفاف الوطني في مواجهة الدعم السريع أو التدخلات الخارجية. فصار هناك إحساس شعبي بأن المجتمع المدني “غربي الهوى”، مقابل خطاب “الوطنية” الذي رفعته القطاعات المساندة للجيش.

المؤذي انه لطالما استخدمت القوى الغربية المجتمع المدني في: الضغط الدبلوماسي وصناعة نخب بديلة واختراق المجال السياسي بطرق “ناعمة”. وهذا جعل بعض التيارات الوطنية أو القومية تنظر إليه بوصفه امتدادًا للإمبريالية وليس مجرد منظمات حقوقية.

السودان عاش ثلاثة التباسات كبرى:
التباس المدني/العسكري: لأن النخب نفسها تتنقل بينهما، ولأن الدولة ذاتها غير مكتملة. التباس الإسلامي/المدني: الإسلاميون قدموا أنفسهم مرة كقوة مدنية، ومرة كقوة عسكرية. التباس الوطني/الحقوقي: المجتمع المدني الخارجي خلق وعيًا جديدًا لكنه فشل في الاندماج الكامل مع القواعد الاجتماعية. وهذه الالتباسات الثلاثة تشكلت كلما دخل السودان مرحلة أزمة أو تحول، وتظهر اليوم بوضوح في خطاب الحرب، حيث تختلط الوطنية، المدنية، العسكرية، الهوية الإسلامية، والموقف من التدخل الخارجي في سرديات متنافسة.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …