IbrahimA@missouri.edu
من كتاب “الثقافة السودانية: خارطة طريق” للكاتب تنشره هيئة الخرطوم للصحافة والنشر.
عرض لكتاب ت عبده ملقيم سيمون. في أي صورة؟ الإسلام السياسي والأنشطة الحضرية في السودان. (دار جامعة شيكاغو للنشر: شيكاغو: 1994).
نشرت العرض في مجلة الاثنولجي الامريكي، مجلد 23، رقم 1، 1996 .
هذا الكتاب اللماح ثمرة بيئة فكرية فريدة . فقد طلبت الجبهة الاسلامية القومية من الكاتب ، الدكتور سيمون ، الأمريكي الافريقي المسلم ، أن ينصحها بشأن مدن الكرتون في العاصمة القومية التي يسكنها النازحون من غرب السودان وجنوبه . وبكلمة موجزة ، فالجماعة الاسلامية، الراجح أن النفوذ الغالب فيها لأهل النيل الشماليين من العرب المسلمين قد التمست نصح الكاتب بشأن “أفرقة العاصمة”، الخرطوم، المعدودة في مدن الشمال المسلم العربي. وننوه بأن الجماعة الاسلامية، في التماسها النهج الاكاديمي والرفاقي في هذا الشأن، غير مسبوقة شفت عن ألمعية سياسية محسودة.
غير أن هذه الجماعة الاسلامية ، بحسب قول الكاتب ، لم تنفذ بهذا الأمر الى غايته . فقد حسبت الكاتب سيمون بهوياته الجمة المناسبة (سحنة سوداء وإسلام حسن) سيكون أميل الى المحافظة المتروية مما يعينها على “تدجين” كادر منها ذى تطلعات وأشواق حضرية أو محدثة تريد أن “تزج” بالخطاب الاسلامي في ساحات لم يكن للجماعة قِبَلاً بها. وقد رأت الجماعة في ذلك مخاطرة غير مأمونة العواقب لأنها قد تؤدي الى تحدي ومراجعة ما استقر العمل به في الجماعة ردحا من الزمن. ومن الجهة الأخرى ، ولأن الكاتب أفترض المرونة في الجماعة لطلبها النصح ، فقد جَدّ في تحرياته ، واستثمر حتى “لون بشرته السوداء” –أو كما قال – ليبلغ نصحه المُنتصحَ في سعيهما الجميل معا لحاكمية الله على الأرض . كما استثمر الكاتب خبرته في العمل مع مسلمي جنوب أفريقيا في عام 1989 وهي الخبرة التي خصص لها الفصل الأخير من كتابه . ولم يعجب هذا الجماعة الإسلامية أيضاً . ففي العلائق العنصرية في السودان كان وما زال أداء أهل الشمال من العرب المسلمين يُقارن بأداء الأفريكان البيض في جنوب افريقيا ممن تفتق ذهنهم عن الفصل العنصري / الابارتايد. وهي مقارنة ظالمة تكشف من جهة عن ضيق وسخط مفهومين لما يجري في السودان ، بينما تكشف ، من الجهة أخرى ، عن جهل ملحوظ بما جرى أو يجري في جنوب أفريقيا . وغاية الامر ، أن نصيحة الكاتب لم تتخذ مجراها. فالجماعة الاسلامية جرعت الكاتب غصص الدهاء الشمالي المجرب: استمعت اليه بتهذيب واحترام ولكن بغير شغف أو حماسة حتى جاءت اللحظة التي أهملته إهمالا.
أشار الكتاب بصورة دقيقة سديدة الى التحديات الثقافية والوجدانية التي تشكلها هٌجنة ( خلطة الاجناس) قري الكرتون للصفوة السودانية سادنة الهوية العنصرية أو الوطنية وضامنة صفائها وخلوصها : العرب عرب الزنج زنج إلى قيام الساعة . فبمسخ هذه القرى للحدود الفاصلة المرسومة، أو المتوهمة، بين العرب والأفارقة تتحول الى ساحات لإنبعاج الثقافات وامتزاجها . وطالما كانت هذه الخلطة عشوائية ، غير مرعية من الصفوة ، المفروض فيها التدريب في فن التلاقح والتخصيب ، فأن مصيرها أن تولد حالة من الانحطاط الثقافي بدلاً عن الرقي الثقافي. ولذا وصف الكاتب هذه الساحات الخليط بأنها “سيريالية /أي فوق الواقع”. ففي” أنادي” هذه القرى الكرتونية، التي يحتسى فيها الناس من عرب وأفارقة الخمر بعيداً عن عين الشريعة ، يفتش هؤلاء الناس ، من كل جنس وشاكلة، عن الاحتمالات والأوجه التي ستتشكل عليها حياتهم المبتكرة المختلطة الهجينة. ولا أمان لهم من دولة . وهذا كدح شديد . وقد شبه الكاتب الاقتصاد الروحي الهامشي لهذ المدن الكرتونية ب ” الكرنفال” الذي برع الكاتب الروسي باختين في بيان هجنته وتسفيهه لثقافات الصفاء والنخب العليا. وقد جاء الدكتور سيمون في الأمر بنظرات غاية في الجدة والشفافية.
فهذه المدن الخليط تشكل عند الكاتب “مهرجاناً للعلمانية ” في واقع الأمر . فإدعاء أي جماعة في هذا الحابل النابل الصفاء والخلوص هو مجرد قناع قائم في الرغبة لا في القول والعمل. وقد شهد الكاتب واقعة اجتماعية غاية في الدلالة على فكرته عن الكرنفال والهجنة والصفاء والأقنعة . فقد واقع جنوبي مسيحي، أو ذو ديانة أفريقية، إمراة مسلمة في أحدى هذه القرى . وقرر أهل المرأة رجمها حداً ولم ينقذها من مصير المخطئين ذاك إلا حماية أهل الرجل الجنوبي لها . وقَبِل أهل المرأة بالأمر الواقع . وانتهي الكاتب الى القول بأنه ، في هذا الواقع السيريالي ، يلهج الشماليون المسلمون بقاموسهم العنصري المسئ بغير حماسة ، ويصدرون في ذلك عن التزام بالطقوس أكثر من التزام بالحرفية والمصداقية. ومن الجهة الأخرى فإن الجنوبيين ، الذين يتعرضون لهذا القاموس العنصري، يعلمون أنه فارغ ، ولم يكتب أصلاً لواقع الخلطة في مدن الكرتون. فهم بهذا يقبلونه لا عن خوف او تواطوء بل بإهمال أو إزدراء.
ولذا فهذا الكتاب يجدد بذكاء دراسة العلاقات العنصرية والاثنية في السودان التي ضل البحث الرشيد عن ديناميكية فعلها طريقه الى ساحات الاحتراب ” القبلي” والأهلي زمناً طويلاً . وسيحمد الباحثون للكاتب أنه جلب مفهوم الهٌجنة ، الذي ينهض كفكرة مركزية في دراسات الاستعمار وما بعده الرائجة في الغرب ، الى ساحة سياسات العنصر و “القبلية” في بلدنا . وقد الهمه هذا المفهوم الخطر بحثه عن المأزق السوداني في مدن الكرتون حيث يختلط حابل جمهرة السودانيين بنابلهم، لا في دفاتر الصفوة التي تتقن فن صناعة الحدود ، وتمجيد الصفاء ، والولع باستثمارهما في سياسة الوطن .
وجاء الكتاب بجملة من الأفكار الطازجة حول الجبهة الإسلامية القومية ومسائل هوية السودان. وأسفت أن هذا الكتاب لم يجد رواجاً مستحقاً في بيئتنا الثقافية التي تمضغ منذ عقود عليقاً فكرياً مستهلكاً حول مسائل هوية الوطن تمهرها الآن دماء شيقة في خنادق عديدة ومتناطحة.
وأتى الكتاب بأفكار جد طريفة حول جدل العلاقة بين الجماعة الإسلامية والنظام العسكري المنسوب إليها. فالمعارضة الرسمية للنظام لا ترى “جدلاً” بين الحكومة والنظام. وهي غير معنية بدخائل علاقة النظام بالجماعة وتوتراتها ومتعلقاتها لأنها، أي المعارضة، مما يكسب بتعميق فكرة أن الجماعة هي النظام والنظام هو الجماعة: فردتا حذاء. لكن الكتاب يزعم أن انقلاب 1989 هو “تخريمة” لأسلمة الدولة نهض بها شباب قلق في الجماعة مزج فيها بين العاطفة الدينية والسياسية. ومضى يقول إن الجماعة استسلمت لسحر الانقلاب لأنها مصابة بعشوائية في رؤيتها الإسلامية. ويُعَرِّف الكاتب هذه العشوائية بأنها تحويل أجندة سياسية لا معنى لها إلى نظريات متفائلة معتمدة في التطور الاجتماعي. وقد إعترى الجماعة داء العشوائية، في قول الكاتب، لأنها تحولت إلى حركة تامة لامة، مكتفية بذاتها، لدرجة أنها لم تعد تحتكم حتى للإسلام الذي هو الأصل في نشأتها.
ويرى الكاتب أن زعم الجماعة الإسلامية أنها تمثل الأغلبية العربية المسلمة إحصائياً قد أعماها عن حالة نقصها السياسي وحاجتها إلى الاستكمال. ومحصلة داء العشوائية أن الجماعة أسقطت فعل التاريخ لأنها فهمت أن مهمتها مما يمكن الاضطلاع به في كل زمان ومكان. فعلى خلاف شيوخ الجماعة، الذين انتهجوا الخطة الصبورة المثابرة، فإن شبابها قد ولِعِوا بفكرة إن التغيير سيقع لا محالة إذا ما أرادوه. فالانقلاب، في نظر الكاتب، قد يكون عرضاً من أعراض وهن الحركة المصابة بوسوسة أساسية. وقد عرّف الكاتب هذه الوسوسة بأنها البراعة في إهمال هدي الإسلام الذي تزعم أنها الملتزم الوحيد به.
ويرى الكاتب إن إنشاء الجماعة الإسلامية لقوات الدفاع الشعبي مسألة فيها نظر. فبينما يرى خصوم الجماعة الإسلامية أن هذه القوات ضخ للجيش المؤسلم وتمديد له في المجتمع المدني، فإن الكاتب يقلب فكرة إن لم تكن هذه العسكرة للمجتمع المدني هي سبيل الجماعة لتقليص سلطان القوات القوات النظامية. وومما رأيناه يدور في ساحة الحكومة فقد ولد ما سماه الكاتب “خلع الصفة المهنية من العسكرية التقليدية” (deprofessionalization of the soldier’s job) اقتصاداً للتضحية والشهادة مثل “الدبابين” تناور به أطراف الجماعة لدفع سياسات معينة و تمجيدها.
كتاب دكتور سيمون شيق لكل معني بالدراسات الأفريقية والإسلامية والنفسية والاجتماعية والثقافية والسودانية وتلك التي تبحث في الثقافة ودلالاتها في فض النزاع ومباحث السلم. ومع ذلك فعلى الجماعة الإسلامية تبعة عظمي تجاه الترويج للكتاب. فقد التمست نصح الكاتب، ولأن الدين النصيخة، فعليها أن تحتفي بالكتاب احتفالاً غير ما نراه منها بعد انقضاء نحو ثلث قرن منذ صدوره. وقد التمست مراراً منها، لله والوطن، أن تكلف من يعربه تعريباً حسناً وأن تقرره نصاً ملزماً للقراءة للرجال والنساء العديدين من كادرها المثابر الدؤوب. فمن حق هذا الكادر، وطائفة القراء السودانيين الآخرين، أن يقفوا على محصلة هذا العقد الفكري الفريد المثير بين الجماعة والثقافة الذي هو الأول في بابه في ساس يسوس السودانية الضحلة. وربما كانت إذاعة هذا العقد الفكري ومنتوجه بادرة لكسر طوق المأزق الذي ران على بلادنا دهراً طويلا لعبت فيه الجماعة دوراً غير منكور.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم