مُصابو الثُورة.. (هذه قصصهم): لماذا تستهدف القوات الأمنية عيون الثُوار؟! (2)

” الجريدة “ هذا الصباح… على الرغم من أن الثمن الذي قدمه باهظًا يقول مجاهد في خاتمة حديثه ببساطته لـ(الجريدة) : “ماقدمتا شيء، عِندي أصحاب استشهدوا، أنا ما عملتا شيء، كله يهون عشان الوطن” .
مُصابو الثُورة.. (هذه قصصهم)
لماذا تستهدف القوات الأمنية عيون الثُوار؟!
مجاهد آدم.. “بائع ثياب” أهدى الوطن عينه (2)
* تعرضتُ للاصابة بعبوة غاز مسيّل للدموع في العين اليُسرى مباشرةً
* تم اجراء عملية استئصال للعين في مستشفى “مكة”
* خضعت لعملية تركيب عدسة في القاهرة
* أعمل بائعًا في السوق ولم أكمل دراستي
الجريدة : سلمى عبدالعزيز
مُنذ الـ25 من اكتوبر الماضي فقد (14) شاباً وشابة احدى العينين أو الإبصار جراء الإصابة المُباشرة بعبوات الغاز المسّيل للدموع (البمبان)، القنابل الصوتية، الطلق الناري، الطلق المطاطي، أو الحجارة، المستخدمة من قِبل القوات الأمنية لتفريق المظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري.
هذه السلسلة توثق للانتهاكات الجسيمة التي طالت المتظاهرين السلميين وتسببت في استئصال احد العينين لـ(11) وفقدان الإبصار لـ(3) تتراوح أعمارهم بين الـ(16 إلى 40) عامًا وفقًا لإحصائية أعدتها منظمة (حاضرين). وتطرح سؤالاً مباشرًا حول استهداف القوات الأمنية لـ”عيون” الثُوار.
* الـ30 من نوفمبر
لم يكن الشاب مجاهد آدم يعلم أن الـ(30) نوفمبر سيكون يومًا لا يُشبه غيره وأن ماسيحدث سيترك بصمة واضحة في مجريات حياته مستقبلاً . مثله ورِفاقه الثُوار خرج ملؤه الأمل باكرًا كعادته قٌبيل المواكب الاحتجاجية المتوجهة إلى القصر الرئاسي التي على كثرتها مطلبها واحد “إنهاء سيطرة العساكر على الحُكم بالدبابة”،وبالهُتاف ذاته المُطالب بالقصاص من قتلة الشهداء “حالفين نجيب التار”.
حقيقة الأمر لم يكن الـ30 من نوفمبر يومًا يُشبه غيره لسائر السُّودانيين سيما الفاعلين في الحِراك الثوري الرافضين لانقلاب الـ25 من أكتوبر وما تلاه من اتفاق (21) نوفمبر الموقع من قبل رئيس الوزراء المستقيل د.عبدالله حمدوك وقائد الانقلاب عبدالفتاح البرهان.
أطلقت تنسيقيات لجان المقاومة عليها “مليونية 30 نوفمبر” وتجمع الآلاف عند نقطة صينية القندول وسط الخرطوم ونقاط أُخرى، ثم توجهت المواكب إلى محيط القصر الرئاسي، وسط زخم ترديد الهتافات المناوئه للانقلاب، وارتفاع الاصوات الثائرة :”يابرهان ثكناتك أولى ومافي مليشيا بتحكم دولة”، ثم يأتي صوت آخر يشق الصفوف:” الثورة ثورة شعب،السلطة سلطة شعب والردة مستحيلة “، “ويسقط يسقط حكم العسكر،حكم العسكر ما بتشكر” والهُتاف المحبب لرفاقه “الشعب يُريد اسقاط النظام”. هُتافات يقول إنه بات يحفظها ويُرددها عن ظهر حُب حتى في أوقات فراغه.
يذكر مجاهد آدم في حديثه لـ(الجريدة) جيدًا تفاصيل ذلك اليوم، ويذكر أيضًا إصابته مباشرةً بعبوة غاز مسيل للدموع (بمبان) على مقربة من محيط القصر الرئاسي في الـ30 من نوفمبر ما تسبب في تلف العين اليسرى تمامًا وتوجب استئصالها لاحقًا.
* “نحن ساعة كُنا حبة”:
أجرى مجاهد آدم عملية استئصال للعين اليسرى في مستشفى مكة للعيون بمنطقة الرياض الخرطوم، ثم غادر السودان إلى العاصمة المصرية القاهرة حيثُ خضع هُناك لعملية تركيب عدسة كُللت بالنجاح وعاد ادراجه إلى وطنه الذي يقول إنه لا يحتمل عناء التأخير عنه! سيما في هذا الوقت الحرج حيثُ يتسابق الجميع ليضع بصمته الواضحة في خارطة المستقبل والتاريخ .هو لا يُريد أكثر لوطن ـ اهداه عينه ـ وهي أغلى ما يملك سوى أن ينعم بالأمن والسلام وأن يتساوى فيه الجميع وينتهى الظُلم وسياسة “الحيطة القصير” ومعاناة الفقراء.
نافيًا انتمائه لعضوية لجان المقاومة أو ايًا من الكيانات الثورية التي برزت إلى السطح مؤخرًا، يؤكد مجاهد لـ(الجريدة) إنه استطاع تكوين “شُلة” من الرِفاق الذين يجمع بينهم رابط واحد اسمه “الثورة” وهدف واحد “تحقيق كامل أهدافها” واصفًا علاقته بِهم بالقوية والمميزة وهي بالطبع مدعاة للفخر.
ويتابع: عندما بدأت المشاركة في المظاهرات مطلع العام 2018 للمُطالبة باسقاط الرئيس المعزول عمر حسن أحمد البشير، لم تكن حينذاك لدي معرفة بالثُوار ـ أخرج وأعود بمفردي . وهذا ما تغير عقب سقوط نظام حكومة الانقاذ، كنتُ من ضمن الشباب الـ(صابنها) في القيادة العامة، هُناك تعرفت على الكثير من الرفاق الذين تعمقت معرفتي بِهم وباتت أقرب للخوة منها للصداقة.
ويزيد: بعد توقيع الحرية والتغيير اتفاقها مع المكون العسكري آنذاك، والذي كان مرفوضًا بالنسبة لنا، شاركتُ وعدد قليل من الثُوار في مواكب احتجاجية تخرج نهاية كل اسبوع (الخميس) في ميدان (جاكسون) الشهير وسط الخرطوم ـ كان عددنا لا يتجاوز الـ(100) ثائر فقط.
* تحديات جمة
واجه مجاهد ومثله العديد من الشباب الذين يُشاركون في الحِراك الثوري الذي تشهده البلاد منذ خواتيم العام (2018) واشتدت وطأته في الـ25 من اكتوبر الانقلاب الذي أعلن ميلاد نسخة ثانية للثورة السودانية،اعتراض واسع من قبل أسرته وتحديدًا والدته والذي غالبًا مايكون مغطى بالخوف سيما مع تزايد استخدام الأجهزة الأمنية للقمع المفرط وسقوط عدد كبير من الشهداء تجاوز الـ(93) شهيدًا والمئات من المصابين.يقول في حديثه لـ(الجريدة) : كنتُ أعمل “بائع ثياب” في سوق بمنطقة (الكلاكلة) حينها وكانت دائمًا ما تعيد الاتصال بِي مراراً وتكرارًا بغية الاطمئنان والتأكد من عدم مشاركتي في الموكب .
هُناك العديد من الصفات المشتركة التي تجمع بين هؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين الـ(17 إلى 20) عامًا تبدو أكثر وضوحًا لمن ينقب في مسيرة حياتهم القصيرة . فهُم رغم فداحة المصاب وإن اختلفت تفاصيله ، فقد أحد العينين ، بتر للأطراف ، عودة من اعتقال دام لأشهر .. الخ تجدهم أكثر تماسكًا وقوة .
الشاب الذي يعمل في السوق لتوفير لقمة عيش “حلال” لأُسرته وله ، يُلملم أغراضه مسرعًا الساعة الوحدة ظهراً ، ليذوب بين العشرات من المتظاهرين،ويُردد الهتافات المطالبة بالعدالة في الحقوق اولاً، ثم يعود أدراجه الخامسة مساءً، لعمله، دون ضوضاء، يُرتب بضاعته من جديد، ويعلو صوته هذه المرة :” علينا جاي ، علينا جاي ” ، أملاً في القليل من الجُنيهات، تكفي لشراء “كيس خضار” لأمه واشقائه الصغار ،وعلى الرغم من أن الثمن الذي قدمه باهظًا يقول مجاهد في خاتمة حديثه ببساطته لـ(الجريدة) : “ماقدمتا شيء، عِندي أصحاب استشهدوا، أنا ما عملتا شيء، كله يهون عشان الوطن” .
لم يكمل “مجاهد” تعليمه لكن يحلم أن ينعم ابناؤه ويعيشوا في وطن لايُحرم من لا يملك ذويه المال من التعليم.
الجريدة

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

وزير الخارجية: سلام لا يستجيب لرغبات أهل السودان لن يقوم.. والميليشيا إلى زوال

القاهرة – السوداني: أكد وزير الخارجية د. محيي الدين، رفض الدولة السودانية أي تسوية سلام …

اترك تعليقاً