د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي
moniem.mukhtar@gmail.com
تنتهي معظم الحروب الأهلية بالتفاوض حول وقف إطلاق النار ووقف العدائيات، والتوافق على ترتيبات حفظ السلام، وإدارة الفترة الانتقالية عبر تقاسم السلطة بين الطرفين المتحاربين الرئيسيين. فعلى سبيل المثال، قسمت اتفاقية أديس أبابا للسلام (1972) السلطة بين حركة الأنانيا بقيادة جوزيف لاقو والجيش السوداني بقيادة جعفر نميري. كما قسمت اتفاقية مشاكوس للسلام (2005) السلطة بين الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق والجيش السوداني بقيادة عمر البشير. تقدم هذه الأمثلة فهمًا لكيفية تأثير الأطراف المسيطرة عسكريًا على نتائج الانتقال السياسي، وهو سياق مهم لفهم الحرب الأهلية الحالية في السودان منذ أبريل 2023.
من المتوقع أن تؤدي اتفاقية السلام القادمة إلى قسمة السلطة خلال الفترة الانتقالية بين قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو والجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان.
من المرجح أن يقود الطرفان المتحاربان مهام حفظ الأمن ومنع العودة إلى الحرب، ومعالجة انتهاكات وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى إدارة عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وتقليص حجم القوات المسلحة وصولًا إلى دمجها في جيش وطني واحد مهني.
يتوقع أن يستعين الجيش السوداني بواجهات مدنية مثل تحالف الكتلة الديمقراطية، وربما يستمر في تحالفه مع مسميات جديدة للحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، لتمثيل مصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. أما قوات الدعم السريع، فمن المرجح أن تعمل عبر واجهة مدنية مثل تحالف “تأسيس” بقيادة تنظيم “قمم”. هذا يعكس أن السيطرة العسكرية غالبًا ما تتم عبر واجهات مدنية، وهو ما يطرح تحديًا للمدنيين غير المسلحين. هذه الواجهات المدنية الممثلة للجيش السوداني وقوات الدعم السريع قاصرة عن الإيفاء بمتطلبات الشعب السوداني في التحول المدني الديمقراطي، لكنها كافية لتلبية متطلبات استرداد السودان للعضوية الكاملة في الاتحاد الإفريقي وإعادة تأهيله في المجتمع الدولي.
غالبًا ما تكون الأطراف المسيطرة على الفترة الانتقالية قادرة على تحديد نتائجها بدرجة كبيرة، سواء عبر صياغة قوانين الانتخابات، أو تحديد الدوائر الانتخابية، أو ترتيب أولويات مشروعات إعادة الإعمار، أو توجيه توزيع الموارد المحدودة.
لذا فإن حكم الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وسيطرتهما على الفترة الانتقالية ستقود بلا شك إلى نتائج انتخابات مشوهة، تحابي الواجهات المدنية للقوى المسلحة وتهمش القوى السياسية المدنية ذات الوزن الشعبي المقدر. تحالف الكتلة الديمقراطية وتحالف تأسيس هما مجرد واجهات لقوى عسكرية، وسيتم التمكين لهما عبر قانون انتخابات مفصل لهما وتوزيع دوائر انتخابية مخابئ لهما، وبذلك ستفوز هذه الواجهات المدنية للقوى العسكرية بمعظم الدوائر الانتخابية وتشكل حكومة منتخبة مدنية الشكل وعسكرية الجوهر، مسيطر عليها من قبل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وغير ممثلة للشعب وقواه المدنية.
إن إدارة الفترة الانتقالية بواسطة القوى السياسية المدنية ضرورة لقيام انتخابات حرة وعادلة ونزيهة، ومن دونها ستصبح الانتخابات أداة لشرعنة حكم القوى العسكرية عبر واجهات مدنية خاضعة لهم.
تبرز معضلة تمثيل القوى السياسية المدنية غير المسلحة، خصوصًا تحالف صمود، في إدارة الفترة الانتقالية لضمان انتقال مدني ديمقراطي حقيقي عبر انتخابات حرة وعادلة ونزيهة. فهل يمكن لهذه القوى أن تلعب دورًا فعالًا في إدارة الفترة الانتقالية رغم غياب أي وزن عسكري لها؟ التحدي الأساسي هو أن الأطراف المسلحة غالبًا ستسيطر على كل مفاصل الفترة الانتقالية، بما في ذلك الانتخابات.
في تقديري، يمكن تجاوز هذه المعضلة عبر تفاهمات سياسية بين تحالف صمود والجيش السوداني، بوصفه الطرف الأكثر قابلية للتعاون المؤسسي مع المدنيين والأقل تورطًا في جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان، وفق المبادئ التالية:
- تخلي الجيش السوداني عن نصيبه في السلطة خلال الفترة الانتقالية، مع عدم الدخول في شراكة مباشرة مع المدنيين.
- قيادة تحالف صمود للفترة الانتقالية، مع مشاركة ممثلي المدنيين لقوات الدعم السريع وأطراف أخرى، وفق نسب محددة لتوزيع النفوذ السياسي (مثلاً 60٪ لتحالف صمود، 30٪ لتحالف تأسيس، و10٪ للقوى المدنية الأخرى).
- إزالة تمكين الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني وجميع واجهاتهما من أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، ومن الاقتصاد ومنظمات المجتمع المدني، بقيادة تحالف صمود وبتعاون تام من الجيش السوداني.
- تطوير الشركات العسكرية تحت ملكية الجيش بالتعاون مع القيادة المدنية، وإدارة الشركات المدنية التابعة حاليًا للجيش بواسطة الجيش لفترة انتقالية محددة، مع إشراك وزارة المالية وديوان المراجع العام في إدارتها.
- الالتزام بمسار العدالة الانتقالية مع التخفيف من الملاحقات الجنائية المتعلقة بالجرائم منذ فض اعتصام القيادة العامة وحتى نهاية الحرب، وإعطاء حصانة قانونية لقادة الجيش السوداني المتعاونين.
الفكرة المركزية من المقترح أعلاه هي تخلي الجيش السوداني عن السياسة لصالح القوى السياسية المدنية وتعاونه في إزالة تمكين النظام السابق، مقابل الحفاظ على شركاته وتخفيف ملاحقته جنائيًا.
الهدف النهائي من هذه الترتيبات هو التمكين لقيادة مدنية للفترة الانتقالية من قبل القوى المؤمنة بإزالة تمكين النظام السابق، تمهيدًا لإجراء انتخابات عادلة، وتحقيق تحول ديمقراطي مستدام، وتقليص نفوذ القوى المسلحة خلال المرحلة الانتقالية.
في التقييم النقدي، يظهر المقترح وضوحًا في الرؤية حول كيفية ضمان انتقال مدني ديمقراطي حقيقي، لكنه يعتمد بشكل كبير على التزام الأطراف المسلحة بعدم التدخل في السياسة، وهو شرط هش في السياق السوداني الحالي. كما أن التوازن بين القوى المدنية والعسكرية في إدارة الشركات والموارد الاقتصادية يظل تحديًا جوهريًا لضمان عدم تكرار سيطرة الجيش وقوات الدعم السريع بعد انتهاء الفترة الانتقالية. علاوة على ذلك، قد يثير منح الحصانة القانونية جدلًا داخليًا ودوليًا، لكنه قد يكون ضروريًا لتحقيق توافق سياسي سريع. في المجمل، يمثل المقترح محاولة عملية لجعل السلطة المدنية الفعلية هي المسيطرة على الفترة الانتقالية، مع مراعاة الواقع العسكري والاقتصادي، وهو إطار يمكن البناء عليه لتحقيق تحول ديمقراطي مستدام إذا التزمت الأطراف جميعها بمبادئه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم