د. صبري محمد خليل
أستاذ فلسفة القيم الإسلامية – جامعة الخرطوم
ظاهرتان نقيضتان (تنامي التطبيع الرسمي ومناهضته الشعبية معًا): يتصف الواقع السياسي العربي المعاصر بظاهرتين نقيضتين من ناحية الكم، رغم وحدة موضوعهما وتزامنهما من ناحية الكيف.
ظاهرة تنامي التطبيع الرسمي:الظاهرة الأولى هي ازدياد عدد النظم السياسية العربية المُطبِّعة مع الكيان الصهيوني «علناً».
الظاهرة ليست دليلاً على انتصار فكرة التطبيع:لا يمكن اتخاذ هذه الظاهرة دليلاً على انتصار فكرة التطبيع أو حصولها على تأييد شعبي؛ لأن النظم السياسية العربية – على وجه الإجمال، وليس بالضرورة على وجه التفصيل – لا تمثل ولا تعبر عن الإرادة الشعبية لشعوبها، لافتقارها إلى الديمقراطية بدرجات متفاوتة.بل إن هذه الظاهرة تمثل دليلاً على ضعف هذه الأنظمة، إلى درجة عدم قدرتها على التصدي للضغوط الممارسة عليها من قبل نظم وقوى تسعى إلى فرض التطبيع – أو بالأحرى إعلان التطبيع السري السابق – والتي تحاول السيطرة على المجتمع الدولي، ومن أمثلتها: الولايات المتحدة الأمريكية بسياساتها الخارجية الإمبريالية، والمنظمة الصهيونية العالمية، والكيان الصهيوني. ودون أن تنتبه هذه النظم السياسية «المضغوطة» أو القوى والنظم «الضاغطة» إلى أن هذا التطبيع – أو بالأحرى هذا الإشهار للتطبيع السري – سيزيدها ضعفًا؛ لأنها تخصم بذلك من رصيدها – الضعيف أصلًا – من القبول الشعبي.
الظاهرة مظهر لتعطيل إرادة الأمة على المستوى الرسمي:تندرج هذه الظاهرة ضمن مرحلة التعطيل الارتدادي لإرادة الأمة على المستوى الرسمي، منذ العقد السابع من القرن الماضي، والتي وصل خلالها النظام الرسمي العربي إلى أدنى درجات الضعف، نتيجة التفتيت الطائفي أو القبلي، إلى درجة تهدد بعض أجزائه – التي تسود فيها هذه الانقسامات – بالانزلاق نحو الفوضى.
تنامي المناهضة الشعبية للتطبيع:الظاهرة الثانية هي تنامي المناهضة الشعبية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، بالتزامن مع تنامي هذا التطبيع الرسمي.
الظاهرة مظهر لتفعيل إرادة الأمة على المستوى الشعبي:إن تعطيل إرادة الأمة على المستوى الرسمي فتح الباب أمام تفعيلها على المستوى الشعبي، وتمثل المناهضة الشعبية للتطبيع مع الكيان الصهيوني أحد مظاهر هذا التفعيل.
مرحلتا تفعيل إرادة الأمة على المستوى الشعبي:
أولاً: مرحلة التفعيل التلقائي وتنامي المناهضة الشعبية للتطبيع:أخذت هذه المرحلة شكل رد فعل «تلقائي – عاطفي – مؤقت» ضد مظاهر وأدوات ومراحل تطبيق المخطط الإمبريالي–الصهيوني ضد الأمة، وفي هذه المرحلة برزت ظاهرة تنامي المناهضة الشعبية للتطبيع.
ثانياً: ضرورة الانتقال إلى مرحلة التفعيل القصدي:إن نجاح إرادة الأمة على المستوى الشعبي في الحفاظ على هذه الظاهرة الإيجابية، وضبطها بما يضمن تحقيق أهدافها، يتوقف على ارتقائها إلى مرحلة التفعيل القصدي، أي الفعل: «المنظم، المخطط، العقلاني، المستمر،المؤسسي»، وذلك من خلال الالتزام بالآليات الآتية:
إنشاء وتفعيل مبادرات شعبية (مؤسسية/ ديمقراطية/ مستقلة عن التوظيف السياسي والحزبي الضيق – الرسمي والمعارض) لمناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني.
الجمع بين الوحدة والتعدد من خلال التنسيق بين المستويات الوطنية لهذه المبادرات على المستوى القومي.
إنشاء تحالفات مدنية عريضة لمناهضة التطبيع.
إنشاء مواقع إلكترونية لمناهضة التطبيع والتعريف بمخاطره على الأمة.
تنظيم حملات شعبية لتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني على المستوى الدستوري.
تفعيل المقاطعة الشعبية للشركات والمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والحركات السياسية والشخصيات التي تدعم الكيان الصهيوني أو تدعو إلى التطبيع معه.
اعتبار المقاومة خيارًا استراتيجيًا للأمة في هذه المرحلة، مع التأكيد على أن ضمان استمرارها هو أن تكون شعبية؛ فالرهان في هذه المرحلة على الشعوب، وليس على النظم السياسية، مع رفض احتكار أي تنظيم أو حزب أو فصيل للمقاومة، أو احتكار التحدث باسمها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم