زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
إعادة بناء أم تصفية حساب تاريخية؟
حين يفرض الواقع محاكمته الخاصة
في خضم صراع الدورايش السودانيين، حيث تتقاطع الحرب مع الانهيار الاجتماعي وتآكل الدولة، يعود سؤال الإسلام السياسي لا كموضوع فكري مؤجل، بل كإحدى العقد المركزية في الأزمة
فالإسلام السياسي في السودان لم يكن مجرد تيار عابر في التاريخ السياسي، بل شكّل بنية فكرية وسلطوية أثّرت بعمق في طبيعة الدولة، وشكل الصراع، ومصير التعددية
السؤال المطروح اليوم ليس–هل نحتاج إلى تطوير فكر الإسلام السياسي؟ بل: هل ما زال هذا الفكر قابلاً للتطوير أصلًا، أم أن لحظة التفكيك التاريخي قد حانت؟
أولًا- التناقض البنيوي بين الخطاب الكوني والدولة الوطنية
يقوم الفكر الإسلامي السياسي على خطاب كوني يتجاوز الحدود الوطنية، بينما تعمل الدولة الحديثة داخل إطار السيادة الوطنية والتعاقد المدني
هذا التناقض البنيوي لم يكن نظريًا في الحالة السودانية، بل تُرجم عمليًا في مشروع “التمكين”، الذي أنشأ دولة موازية قائمة على الولاء الأيديولوجي لا على المواطنة
في بلد متنوع دينيًا وثقافيًا وإثنيًا، تحوّل هذا المشروع من وعد بالنهضة إلى آلية لإقصاء المختلف، ومن خطاب وحدة إلى وقود صراع
وهكذا لم يُدار التنوع السوداني باعتباره ثروة تاريخية، بل صُوّر كتهديد وجودي لنموذج أحادي مغلق
ثانيًا– أسطرة الشرعية وتجاوز الإرادة الشعبية
اعتمد الإسلام السياسي في السودان على أسطرة مزدوجة-
أسطورة “المشروع الحضاري”
وأسـطورة “التميّز الأخلاقي”
هاتان الأسطورتان لم تكونا أدوات تعبئة فحسب، بل آليات لتجاوز الإحراج الديمقراطي. فبدلًا من الاحتكام إلى الإرادة الشعبية، جرى استبدالها بفكرة “النخبة المختارة” التي تزعم امتلاك الفهم الصحيح للدين والمصلحة العامة
النقد المنهجي يكشف أن هذه الشرعية لم تكن أخلاقية ولا دينية، بل سلطوية مغلّفة بالمقدس، استخدمت النص لتبرير السيطرة، لا لخدمة المجتمع
ثالثًا- من الدعوة إلى الدولة… ثم العودة الخطابية
شهد الإسلام السياسي السوداني تحولًا جذريًا من حركة دعوية إلى ماكينة سلطة. هذا التحول كشف تناقضًا جوهريًا-
كلما اقترب التنظيم من الحكم، ابتعد عن خطابه الأخلاقي
وكلما فشل في إدارة الدولة، عاد إلى لغته الدعوية كملاذ تبريري
هذا التذبذب لم يكن أزمة إدارة، بل دليلًا على غياب نظرية دولة حقيقية داخل المشروع الإسلامي السياسي، والاكتفاء بأدبيات التعبئة والضبط الاجتماعي
رابعًا- الاقتصاد السياسي… من الوقف إلى رأسمالية المحاسيب
تحت سطح الخطاب الأخلاقي، نشأ اقتصاد سياسي موازٍ، تحوّل فيه نظام الوقف والتكافل إلى أداة تمويل حزبي، وتزاوجت السلطة الدينية مع رأس المال السياسي
هكذا تشكّلت رأسمالية محاسيب محمية بالخطاب الديني، حيث صار النقد فسادًا أخلاقيًا، والمعارضة خروجًا على “المشروع”، لا خلافًا سياسيًا مشروعًا
خامسًا- التعددية كاختبار فشل حاسم
أخفق الإسلام السياسي السوداني في اجتياز اختبار التعددية. فبدل إدارة الاختلاف، جرى تصنيفه
المختلف دينيًا: تهديد
المختلف ثقافيًا: انحراف
المختلف سياسيًا: خيانة
هذا الفشل البنيوي حوّل الهامش إلى ساحات حرب، والهوية إلى سلاح، والدولة إلى طرف في الصراع لا حكمًا عليه
سادسًا– النساء والأقليات… خطاب الوصاية كأداة هيمنة
تحت شعارات “الحماية” و“الرعاية”، مورست سياسات إقصاء ممنهجة ضد النساء والأقليات
النقد النسوي وما بعد الكولونيالي يوضح كيف استُخدم الخطاب الديني لتكريس هيمنة ثقافية وسياسية، لا لتحقيق العدالة أو الكرامة
سابعًا= استحالة الإصلاح من الداخل
تُظهر التجربة السودانية أن محاولات “تطوير” الإسلام السياسي اصطدمت دائمًا بسقف المقدس
قدسية النموذج
رفض الفصل بين الديني والسياسي
عدم الإقرار بالمساواة الجوهرية بين المواطنين
لذلك، فإن الحديث عن إصلاح داخلي يبدو أقرب إلى ترقيع نظري منه إلى مراجعة حقيقية
ثامنًا– الدولة المدنية كضرورة تاريخية
الخروج من صراع الدورايش السودانيين لا يتم عبر استبدال أيديولوجيا بأخرى، بل عبر القطع مع نموذج الدولة الأيديولوجية ذاته
الدولة المدنية المحايدة ليست ترفًا فكريًا، بل شرط بقاء لمجتمع متنوع
والمطلوب هو الانتقال من فقه السلطة إلى فقه المواطنة، حيث يُعترف بالآخر كشريك متساوٍ في الوطن، لا كمشكلة تحتاج تقويمًا أو وصاية
تصفية حساب مع التاريخ لا مع الأشخاص
تطوير فكر الإسلام السياسي ليس ترفًا إذا فُهم كتفكيك جذري، لكنه ليس ضرورة إذا قُدّم بوصفه إعادة تدوير لفشلٍ مُجرّب
الضرورة الحقيقية هي شجاعة الاعتراف بإفلاس هذا النموذج في إدارة التعددية وبناء الدولة الحديثة
السودان اليوم بحاجة إلى جرأة فكرية تتجاوز ثنائية “الإسلام السياسي” و“العلمانية المتطرفة”، نحو دولة مواطنة تحمي الدين من التسييس، وتحمي السياسة من القداسة
هذه ليست معركة أفكار فقط، بل معركة بقاء لوطن أنهكته الأيديولوجيات أكثر مما أنهكته الحروب
*هوامش ومراجع
عبد الله العروي – مفهوم الدولة
محمد أركون – نقد العقل الإسلامي
وائل حلاق – الدولة المستحيلة
عبد الله علي إبراهيم – الإسلام والسياسة في السودان
حسن حنفي – الدين والثورة
طلال أسد – تشكيلات العلماني
عزمي بشارة – الدين والعلمانية في سياق تاريخي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم