نساء السودان… حين يصبح الصبر شكلاً من أشكال البطولة

دكتور محمد عبدالله
في كل عام يمرّ اليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، تتجه الأنظار إلى قضايا النساء في العالم: حقوقهن، ومكتسباتهن، وتحدياتهن في العمل والحياة العامة. غير أن هذا اليوم يكتسب في السودان معنى مختلفاً هذه السنوات؛ إذ لا يبدو الاحتفاء مناسبة احتفالية بقدر ما هو وقفة تأمل في قدرة النساء على الاحتمال، وشهادة على شجاعة صامتة تتشكل كل يوم في مواجهة حرب طاحنة.

منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تحوّل المشهد الإنساني إلى واحدة من أكبر الأزمات المعاصرة. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 12 مليون امرأة وفتاة واجهن مستويات كارثية من النزوح وفقدان الاستقرار، وهو ما جعل الأزمة السودانية توصف أحياناً بأنها أكبر حالة نزوح للنساء في العالم اليوم. خلف هذه الأرقام، تتوارى قصص لا تحصى لنساء فقدن البيوت والوظائف وشبكات الأمان الاجتماعي، لكنهن واصلن حمل أعباء الحياة اليومية في ظروف تكاد تكون مستحيلة.

الأزمة الغذائية تقدم مثالاً آخر على ذلك العبء الثقيل. فوفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة تعاني أكثر من 11 مليون امرأة في السودان من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. وفي كثير من البيوت السودانية، تعيد النساء إنتاج تقليد قديم من التضحية الصامتة: يأكل الأطفال أولاً، ثم الرجال، بينما تكون الأم غالباً آخر من يمد يده إلى الطعام، إن بقي منه شيء.

ولا تبدو الظروف الصحية أقل قسوة. فقد أدى انهيار النظام الصحي، مع تعطل أكثر من 80 في المئة من المرافق الطبية، إلى جعل الولادة نفسها مخاطرة بالحياة. وتُظهر تقارير إنسانية أن أكثر من 1.2 مليون امرأة يعانين من سوء التغذية أو من ظروف صحية حرجة أثناء الحمل، في وقت تتزايد فيه معدلات وفيات الأمهات. في بلد كان يفاخر تقليدياً بدور القابلات الريفيات ونساء المجتمع في رعاية الولادة، أصبحت هذه المهمة اليوم جزءاً من معركة يومية ضد نقص الدواء وغياب المستشفيات.

إلى جانب ذلك، تواجه نحو 12.2 مليون امرأة وفتاة مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في مناطق النزاع ومراكز النزوح المكتظة، وهي ظاهرة تتكرر للأسف في كثير من مناطق الحروب، لكنها تأخذ في السودان أبعاداً أشد قسوة بسبب اتساع رقعة النزوح وضعف مؤسسات الحماية.

غير أن الصورة لا تكتمل إذا اقتصر الحديث على المعاناة وحدها. ففي قلب هذه الأزمة برزت المرأة السودانية بوصفها ما يمكن تسميته “المستجيب الأول” في المجتمع. في أحياء المدن المدمرة وقرى النزوح المؤقتة، ظهرت مبادرات تقودها النساء لتنظيم المطابخ الجماعية، وتوزيع الطعام، ورعاية الأطفال والمسنين. وفي كثير من الحالات، أصبحت النساء أيضاً حلقة الوصل بين المجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية.

هذه الروح ليست طارئة على التاريخ السوداني. فمنذ بدايات الحركة الوطنية، لعبت النساء أدواراً بارزة في العمل العام، من رائدات التعليم والعمل الاجتماعي في أربعينيات القرن الماضي، إلى مشاركتهن الواسعة في الحراك المدني خلال الثورة السودانية في 2019. وفي كل مرة كان المجتمع يمر بمنعطف حاد، كانت النساء حاضرات في الصفوف الأمامية، لا بوصفهن ضحايا فقط، بل فاعلات في صياغة مسارات الصمود.

الحرب الحالية كشفت مرة أخرى عن هذه القدرة على تحويل الهشاشة إلى قوة. ففي مخيمات النزوح مثلاً، كثيراً ما تكون النساء هن من ينظمن الحياة اليومية: من ترتيب توزيع المياه إلى إدارة شبكات الدعم الاجتماعي. وفي المدن التي تضررت بنيتها التحتية، تواصل معلمات ومتطوعات تقديم دروس للأطفال في بيوت مؤقتة أو مساحات عامة، محاولةً إبقاء فكرة المستقبل حيّة في أذهان جيل مهدد بالضياع.

لذلك يبدو الحديث عن المرأة السودانية في يومها العالمي حديثاً عن معنى أوسع من مجرد الاحتفاء الرمزي. إنه حديث عن مجتمع يحاول أن ينهض من بين الأنقاض، وعن نساء يصررن، رغم كل شيء، على حماية نسيجه الإنساني. فبين الأرقام الثقيلة للأزمة الإنسانية، ثمة حقيقة بسيطة تتكرر كل يوم: حيثما انهارت البنية الرسمية للحياة، غالباً ما تظهر النساء ليملأن الفراغ.

ربما لا تحظى هذه البطولة اليومية بالكثير من الأضواء، لكنها هي التي تحفظ للمجتمع تماسكه في أحلك الظروف. وفي زمن الحرب، حين تتراجع السياسة وتتقدم غريزة البقاء، تصبح أفعال العناية الصغيرة — طبخة مشتركة، أو درس لطفل، أو ضماد لجرح — شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة.

وهكذا، في اليوم العالمي للمرأة، لا يبدو الحديث عن نساء السودان مجرد مناسبة للاحتفال، بل فرصة للاعتراف بدورهن في إبقاء الحياة ممكنة وسط الخراب. ففي بلد أنهكته الحرب، تواصل النساء — بصبر يشبه المعجزة — زراعة بذور الحياة في أرض مثقلة بالرماد.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

خريف لا ينتهي: قراءة في دروس «خريف الغضب»

دكتور محمد عبداللهليس «خريف الغضب» لمحمد حسنين هيكل كتاب سيرة رئيس، كما قد يظن القارئ …