نظرة في واقعة “شارلي إيبدو” وما تلاها .. بقلم: عثمان محمد صالح
12 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
36 زيارة
عندما اقتحم الأخوان سعيد الكواشي ( 34عاما) وشريف الكواشي (32 عاما) مقر تحرير صحيفة “شارلي
إيبدو” في السابع من يناير الجاري، وأمطرا العاملين بالصحيفة بوابل من رصاص رشّاشيهما مخلّفين وراءهما أكثر من عشرين ضحيّة مابين قتيل ومصاب، وذلك في مشهد مرعب يبدو أنّه ضلّ طريقه من شاشة السينما إلى الواقع المعاش، ثمّ خرجا إلى الشارع مزهوّين بصنيعهما الدموي، وكبّرا بصوت مسموع قبل أن ينحشرا في عربة استقلاها واختفيا عن الأنظار إلى الأبدّ. لتبدأ منذ تلك اللحظة فصول مطاردة البوليس والجيش الفرنسي لهما لمدّة ثلاثة أيام انتهت بحصارهما وقتلهما، أقول إنّ تكبير الأخوين سعيد ورشيد الكواشي بعد سفكهما للدماء كان في ظاهره إجلالاً لله، لكنّه في الباطن كان تعظيماً للنفس فخراً بالصنيع الذي وضع الأخوين في قلب الأحداث، وحوّلهما من كائنين مهمّشين فقيرين إلى بطلين لفلم من أفلام الرعب تابعه العالم على شاشة التلفزيون. كان ذلك الصنيع الدموي الذي ختمته عبارة التكبير في جوهره ثأراً لحياة الأخوين الموسومة باليتم والبؤس والتهميش وهما فرنسيان ولدا بباريس ومات عنهما والداهما وتركاهما في وحشة العالم يافعين فترعرعا في دور الأيتام في مدينة رين، إنّه ثأر مهمّشَين من أصل جزائري في مجتمع تهيّمن عليه ثقافة الرجل الأبيض النصراني المدجّج بأسباب القوة والجاه والمسنود بتاريخ من الاستعلاء القومي واحتقار الآخر واستباحة
أرضه وعرضه وسفك دمه واستعمار بلده واستتباعه وتكميم صوت مطالبه المشروعة في الحرية والمساواة والإخاء وهي شعارات الثورة الفرنسية التي أولتها البرجوازية البيضاء النصرانية ظهرها ووطئتها بنعال التعالي القومي واستعمار شعوب الجنوب ونهب مقدّراتها وتحويلها لسوق مفتوح لمنتجات الغرب الرأسمالي. وأقول استطراداً إنّ شعارات الثورة الفرنسية لن يكتب لها التحقيق إلّا بنهوض جديد لحركة الطبقة العاملة وجماهير الفقراء في حلف أممي مضاد لحلف البرجوازية الغربية النصرانية البيضاء وتابعاتها من الطبقات السائدة الملوّنة في دول الجنوب.
لقد وجد الأخوان سعيد وشريف الكواشي السانحة المثلى لإشهار السلاح والخروج مكبّرين انتصاراً لذاتيهما وذوات آخرين بلا حصر مهمشين مهانين مستهزأ بهم في موضوع الرسومات الكاريكاتيرية المتلاحقة والتي تعمّدت صحيفة تشارلي إيبدو صبّها على رؤس المسلمين مضاعفةً بذلك معاناتهم القائمة أصلاً فطفح الكيل وسالت الكأس المترعة غبناً وحزناً ويتماً مبكّراًً وتقلّباًً في وحشة دور الأيتام ومقاساة لأوضاع الحياة المزرية في عمائر الأحياء الباريسيّة البائسة المكتظة بالمهاجرين الفقراء.
لقد دفعت الظروف الاجتاعية المزرية الأخوين سعيد وشريف الكواشي إلى اللجوء لمظلة الإسلام حيث وجدا فيها الإخاء والتضامن العابر للاختلافات العرقية واللغوية وغيرها، وشحن انخراطهما في صفوف جماعة إسلامية حياتهما بمعنى جديد فصبّا في فكرة الجهاد توقهما للعدل والحق والمساواة وأوغلا في ذلك حتى تطرّفا ودفعهما كل مالقياه في حياتهما المعذّبة من يتم وتهميش وإهانة بسبب الدين والعرق إلى أقصى درجات اليأس من الحياة فأشهرا السلاح طالبين النصر أو الشهادة ،أمّا الدولة الفرنسية، دولة الأغنياء، دولة البرجوازية النصرانية البيضاء فقد جعلت من الأخوين أيقونتين لعنف الفقراء المتطرفين دينياً فأخرجت لهما أنياب آلة القمع ولاحقتهما في عملية عسكرية بدت لضخامتها وكأن غايتها القضاء على جماعة حاولت قلب نظام الحكم، وليس أخوين يائسين من كل شيء لا يملكان سوى الفرار.
لقد وجدت صحيفة “شارلي إيبدو” في موضوع السخرية من دين المهاجرين الفقراء مادة للتكسّب ورفع درجة المقروئية بأن جعلت من صفحاتها متنفساً لتعالي الثقافة النصرانية البيضاء المهيّمنة في فرنسا
على ثقافات الأقليات.
إن المتفكّر في ظاهرة انتشار التدين في أحياء المهاجرين في فرنسا، ليدرك أن الإسلام هو دين الفقراء في الغرب، هو ملاذ من ليس له ملاذ، وهو صوت أشواق من لاصوت له. إسكات هذا الصوت هو الغاية القصوى التي جعلت دولة الأغنياء تخرجت أثقالها لقمعها في المهد. عندما حوصر الأخوان سعيد وشريف الكواشي وقتلا، فإن الدولة الفرنسية إنّما حاصرت في شخصيها أحياء الفقراء المهاجرين قامعةً طموحات الجيل الثالث من ذريّات المهاجرين وهم فرنسيون أتراب لسعيد وشريف الكواشي يتحرّقون توقاً للتمتّع بفرص الحياة على قدم المساواة مع أقرانهم الفرنسيي المنحدر. بقتلها لسعيد وأخيه شريف فإن دولة البرجوازيّة الفرنسية قد أظهرت العين الحمراء للفقراء من المهاجرين وأنسالهم بأنّ مكانهم الأبديّ هو صفوف الطبقة العاملة.
osmanmsalih@hotmail.com