بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com
الحرب الاسرائيلية الايرانية تتضمن العديد من قسمات حروب المنطقة منذ شنت اسرائيل بالتواطوء مع بريطانيا وفرنسا العدوان الثلاثي ١٩٥٦. أبرز تلك الملامح التقديرات الخاطئة من قبل أنظمة شمولية. المباغتة تلعب دورا رياديا في تحديد مسار الحروب ،بل نتائجها. الاكتشاف المتأخر لاختراقات الجبهة الداخلية ، بل تشققها. في وهج شعارات براقة زائفة مثل (الكرامة)تسوق أنظمة شعوبها إلى خسائر فادحة في بُنى الدولة،مؤسساتها ومواردها- كما في السودان- على نحو يهين الشعب والوطن المفترى عليهما زورا. لذلك لم تكن مفارقة تاريخية ان حرب السويس هي شاهد الإثبات الأول على اخفاق المؤسسة الدولية في حفظ السلم فأنشات قوة لحفظ السلام مهمتها مراقبة وقف النار ليس أكثر. الدراما التاريخية اكتملت بلعب هذه القوة دورا حيويا في نشوب حرب ١٩٦٧ حينما سيق الشعب العربي بأسره إلى هزيمة فاضحة . الشعب الايراني عايش في أفضل ظروفه ديمقراطية زائفة تحت قبضة نظام يسوقه إلى ملهاة كربلائية باسم الكرامة
أسوأ فصول تلك الملهاة يتجسد في إخفاق القبضة الحديدية الضاغطة على صدر الإيرانيين منذ ربع القرن تركت الوطن مستباحا من قبل ألد أعداء النظام الثيوقراطي.فللمرة الاولى يخوض شعب حربا مع جيش من العملاء متخفٍ على ارضه . كذلك تفرّج نظام صدام على عملاء قادمين على ظهور دبابات غازية . فلو عمد نظام الملالي إلى نشر الممارسة الديمقراطية وآلياتها لترسّخ الوعي ، الرقابة الشعبية والانتماء الوطني. و لبنى حصانة ضد اختراقات الموساد الاسرائيلي من القاعدة إلى قمة أجهزة النظام .هذه تمثّل أحدى ابشع عورات هذه الحرب الظالمة للشعب الايراني .كما أن ادارتها من مرحلة التفاوض إلى لحظة الانفجار ثم التدمير الممنهج يعري سوأة النظام المكابر. هذا الفشل الماحق يطرح سؤالا جوهريا عمّا إذا كان في وسع تكتيكات النظام ما يعينه على إنقاذ الدولة مما تكبدت و الشعب مما خسر؟ ثمة مثقفون ايرانيون نادوا مبكرا بنشر الحريات من أجل بناء مجتمع متماسك ناهض.بعض هولاء تعرض لحملات شرسة من النظام.
ربما كان الدكتور على شريعتي أحد أبرز أولئك المفكرين -بل. ربما أبرزهم -.الرجل كرْس أخصب سني عمره الأربعة والأربعين محذرًا من تحويل التشيّع إلى دين ذي مؤسسة رسمية-قوامها رجال الدين- تمارس الاستبداد والقمع على نهج الاسرة الصفوية.كما بذل جهدا وفكرا من أجل إشاعة مفهوم الاسلام حركة من أجل العدالة والاخوة المجتمعية والاقتصادية.بسبب تلك الافكار تعرض علي شريعتي الى المضايقات،المطاردة والنفي حتى مماته بعد وصوله إلى لندن وسط ظروف غامضة. هناك من يحمل السافاك وزر نهايته المأساوية.المفكر الايراني لم يعش حتى يرى كيف تحول رجال الدين إلى ارستقراطية استعصمت بالثروة والسلطة ، بل صاروا أنصاف آلهة. ربما رماهم بخيانة الشعب فيما لو قُدر له مشاهدة تراجيديا الهزيمة المركّبة في إيران والهروب الكبير من طهران.
الرئيس المصري انور السادات عاش حياة ارستقراطية تجنح لعيش القصور الملكية. لكنه تسلح برؤية نافذة عندما قال لا استطيع محاربة اسرائيل وأميركا فركن في ١٩٧٣ إلى قبول اتفاق لوقف النار اعتبره خصومه استسلاما مذلا.كما وصفه آخرون بهتك إنجاز مصري عسكري غير مسبوق على صعيد المنطقة.الآن يواجه رجال النظام الايراني مأزقًا مركبا إن هُم تبنوا خيار العودة إلى طاولة المفاوضات وإن هم عزموا على مواصلة الحرب. فالسبيلان لا يقوداهم إلى انتصار .فعلى درب الحرب يواجه النظام أميركا على نحو مكشوف لا محالة. خيار الرجوع إلى قاعات التفاوض تضع النظام تحت ضغوط الشروط الاسرائلية والركوع للإملاءات الأميركية .القضية ليست رهينة مدى انكسار النظام المذل مقابل وقف وقف النار، بل أخطر من ذلك فاتورة الخسائر الفادحة المترتبة على كاهل الشعب الايراني .
المشهد الايراني ملغوم بأسئلة مجهولة الإجابات يستحيل على النظام الجفول عنها او مراوغتها.فالحرب لم تبدأ بعد. ما يشاهده العالم على شاشات التلفزة ليس سوى تبادل لاستعراض القوى.ربما علينا الانتظار حتى نهاية الاسبوع لنرى الأبعاد الحقيقية تحت أدخنة الحرائق .فهل نشهد نهاية تفكيك منظومة نووية ام تفكيك نظام ؟ أهي إنهاء حرب أم نهاية ولاية الفقيه؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم