نيالا وبورتسودان، الأولي كانت عروس الغرب والثانية كانت عروس الشرق حتي السبعينات !! (٢)

زرت بورتسودان في أوائل السبعينات مع رفقة من معلمي كردفان وكنت وقتها معلما بالمرحلة الوسطي في ( اسكيل H ) اتقاضي مرتبا علي ما اذكر مابين الثلاثين والأربعين جنيها سودانيا اصليا يتفوق علي كل عملات العالم ولا يكترث بالدولار ولايرتجف أمام الاسترليني. كنا نوفر من المرتب الكثير وكان لكل منا دفتر توفير تستطيع ان تسحب منه من اي مكتب بوستة في طول البلاد وعرضها مبلغ أقل من عشرة جنيهات وإذا سحبت أكثر من العشرة يلزمك أسبوع بالتمام و الكمال لتسحب من جديد !!..نستحق كمعلمي مرحلة وسطي السفر علي القطارات بالدرجة الثانية بتصاريح تمنحها لنا وزارة التربية من ضمن الاستحقاقات وبدلات السفر .
سافرنا الي عروس الشرق هذا الثغر الباسم علي مدار العام في الإجازة الصيفية وكان وقتها الجو حارا والرطوبة علي أشدها وتعاني المدينة في هذا الوقت من العام من شيئ من العطش ولكن يكفي زيارة حدائقها الغناء باشجارها الباسقة وزهورها اليانعة وحتي غرابها الصغير الحجم تشعر بأن الناس قد الفوه والفهم فصار لهم صديقا لايخاف منهم ولا هم يتضايقون من كثرة صياحه وتقلب مزاجه ومناكفاته !!..
في ذاك الوقت كانت حافلات النقل العام غاية في الأناقة تتحرك بالمواعيد مثلما يحدث في الدول المتقدمة وياحبذا لو وجد المرء اتكاءة في حديقة البلدية ليستمع لصوت القماري وخرير الماء الجاري وينهل كوبا ( جامبو ) من الشعير باللبن مقابل ( خمسة قروش فقط ) وهذه الخلطة السحرية هي غذاء ودواء للكلي والتهابات المصران !!..
لم تكن بورتسودان أقل شأنا في الرياضة عن العاصمة الخرطوم وكانت أندية مقدمتها صداعا دائما للهلال والمريخ العاصميين وبها استاد كبير محترم ودور فسيحة للسينما ومسارح وبرز فيها فنانون اعترف بهم معهد الموسيقي ولجنة النصوص بالإذاعة القومية !!..
ياسلام ياسلام علي بورتسودان و سوقها الكبير ومثلما فعلنا في نيالا وقد تعرفنا علي تجارها وقوتها الاقتصادية والرقي في التعامل مع الزبائن كان لابد من التجول والدنو عن قرب علي المتاجر بمختلف تخصصاتها وإدارتها ونوعية منسوبيها ، والشيء الذي كان يدعو للفخر والإعجاب والتآلف والتحابب وان عددا من الأمم قد انصهروا في بوتقة واحدة علي قلب رجل واحد يكنون لبعضهم أعلي درجات الاحترام والتوقير والتنافس الشريف والبذل كل من جانبه ليقدم اجمل ماعنده للزبون الكريم في أناقة وجمال وجاذبية وخدمة خمس نجوم بل أكثر !!..
بورتسودان ياسادتي الكرام كان سوقها عبارة عن امم متحدة به من التجار الهنود الكثيرون ومعهم من الشوام عدد لا يستهان به ومن الحضارمة ومن عموم أهل اليمن وربما من شرق آسيا ومن الإخوة العرب !!..
ترد البضاعة من كافة فجاج الأرض وتعرض في ارقي البوتيكات و ( الفترينات ) وخاصة الالكترونيات القادمة من أوروبا واليابان ووقتها لم تكن الصين قد دخلت الي بلادنا بقوة ولم تتسيد المسرح الإقتصادي بعد !!..
وكانت الرحلة الي عروس الشرق في الصيف لم يمنعنا ارتفاع الحرارة من تناول ( السلات ) هذه الوجبة الشهية الثقافية الفكرية كان ينبغي ان تسجل كبراءة اختراع خاصة لأهلنا في الشرق وان تسجل كملكية ثقافية تراثية !!..
وفي موسم الشتاء في أحد أعوام السبعينات هبطت من الثغر الباسم الي جدة عروس البحر الاحمر قاصداً الحج ونزلنا بمدينة الحجاج واتممنا الفريضة علي أحسن حال وصعدنا الي بورتسودان مجددا في رحلة العودة لنحتضن ثغر بلادنا الحبيبة في تلك البقعة المباركة بوابة وطننا الوحيدة الي العالم بها نتنفس ونرسل صادراتنا وعن طريقها نستقبل مانحتاج إليه من العالم العريض.
كلما نرجوه إن نحافظ علي ميناء السودان الوحيد وقد أصبحت هذه المدينة التاريخية الساحرة تنوء بحمولة فوق طاقتها وقد تحولت إلي عاصمة البلاد البديلة في هذه الظروف التي نعيشها الآن وكلكم ادري بها !!..
والمخرج حتي ينعدل الحال ان نكون علي قلب رجل واحد وان نجتهد غاية الاجتهاد بإخلاص وعزيمة لنعود ببلادنا الحبيبة الي سيرتها الأولي وان نكثر من الدعاء ونرجو من الله سبحانه وتعالى اللطف والتخفيف إنه سميع مجيب الدعاء وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين.

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
wadrajab222@gmail.com

عن حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

شاهد أيضاً

للحقيقة فقط وليس لأي غرض آخر

للحقيقة فقط وليس لأي غرض آخر ، المسؤول الرفيع في الدولة ماذا يضيره لو قال …