نيل مصر يتصالح مع منابعه .. بقلم: رأفت فهيم جندي

على اوراق البردى هناك تسبحه مصرية قديمة لنهر النيل بدايتها “السلام لك ايها النيل يا نابع من بطن الأرض آتيا لمصر لتعطيها حياة” وقيل ايضا منذ القدم أن “مصر هبة النيل” وكان يوم “وفاء النيل” اكبر عيد شعبي مصرى، ولم يكن ُيلقى فيه بفتاة عذراء كما يشيع البعض، وكان توافق الفيضان مع ظهور النجم القطبي هو اساس وبداية التقويم المصرى القديم منذ اكثر من 6000 عام.   والكنيسة القبطية هى التى اسست كنيسة اثيوبيا منذ القرن الرابع الميلادي وكانت تابعة للبطريرك القبطى حتى القرن العشرين، ورأس السنة في التقويم الحبشي “قدوس يوحنس” هو نفس رأس السنة فى التقويم المصري في سبتمبر من كل عام.

وعلاقة الكنيسة القبطية بأثيوبيا ساعدت فى أن تزيد اثيوبيا مقررات المياه الواردة لمصر فى السنين التى انخفض فيها الفيضان.  وبعد الغزو العربى لمصر وقعت ايضا معاناة على كنيسة اثيوبيا لارتباطها بالكنيسة القبطية الأم، بل وحاولت مصر غزو اثيوبيا عدة مرات، وفى عام 1876منيت حملة الخديوي اسماعيل بهزيمة فادحة مهينة فى موقعة جورا.

حتى القرن العشرين لم يكن ُيعرف بالتدقيق منابع نيل مصر وكان يُظن ان معظمها يأتى من بحيرة فكتوريا فى وسط افريقيا، وعندما وقعًت مصر معاهدة استخدام مياه النيل 1929 وقعتها مع انجلترا التى كانت تحتل منابع النيل ولم تكن اثيوبيا طرفا فيها، وربما لأنه لم يعرف وقتها ان 86 % من مياه نيل مصر يأتى من بحيرة تانا فى اثيوبيا خلال نيل جورج الازرق.   

فى 1959 وقعت مصر والسودان ـ متجاهلتين اثيوبيا ـ اتفاقية تم بمقتضاها انشاء سد “مروى” وسد “خشم القربة” فى السودان و”السد العالى” فى مصر، وبسبب تجاهل حقوق اثيوبيا فى المياه النابعة منها انفق هيلاسلاسى امبراطور الحبشة وقتها عشرات الملايين من الدولارات لدراسة انهار بلده لإنشاء سدود لتوليد الكهرباء والنهوض بالشعب الاثيوبى، فدبر لهم عبد الناصر المؤامرات مع الصومال لغزو اقليم اوجادين الأثيوبى وايضا أمد جيش التحرير الإريتري بالأسلحة وانتهى الأمر باستعادة اثيوبيا لإقليم اوجادين ولكن انفصلت ارتريا عام 1993 طبقا لرغبة الارتريين وهذا ما جعل اثيوبيا دولة بلا شواطى الآن.    

استمرت تهديدات مصر لأثيوبيا ايام السادات ثم مبارك حال اقامتهم أي سد، على الرغم أن السادات بعد كامب ديفيد بدأ يحفر ترعة السلام لمد مياه النيل لسيناء ثم لإسرائيل، وبسبب انقطاع الامطار عانت اثيوبيا من العطش فى الثمانينات ومات منها مليون فرد ولم يكن بمصر نفس التأثير بفضل السد العالى، ثم اثار مشروع توشكا لرى صحراء مصر الغربية رئيس وزراء اثيوبيا مليسى زيناوى قائلا لمبارك “انت تريد رى صحراء مصر بمياه النيل وتمنعنى من اقامة سد ينهض ببلدى وشعبي يموت من العطش!”.   

فى 2010 وما قبلها تجاهلت مصر والسودان دعوة دول منابع النيل لمناقشة توزيع المياه بينهم لأن هذه الدول رفضت اى اتفاقات قديمة اقامتها بريطانيا نيابة عنهم، ورفضت مصر والسودان بعدها ايضا الاشتراك فى مناقشات سد النهضة الاثيوبى متمسكتين بحصتهما فى المياه التى اقروها لأنفسهم مع انفسهم! بل رفضت مصر عرضا اثيوبيا للمشاركة فى سد النهضة.     

لا أحد يقبل أن تعطش مصر وان يجف نيلها ولكن لا بد ايضا من اعتبار الآخرين، اثيوبيا دولة فقيرة يعطش شعبها ويموت ولا يصل الماء لكل قراها بعضها لأسباب جغرافية وتؤجر بعض من اراضيها فى الجنوب للسعودية وللصين، وتريد ان تنمى نفسها ومن الممكن أن نكون نحن مساهمين فى هذا، واثيوبيا تعطى المياه لمصر سنويا وعلى مدار العام فماذا اعطتها مصر من قبل غير المؤامرات والغزو والتهديد والتجاهل والغطرسة، وهناك من وصف مصر انها “امريكة افريقيا”!

زيارة الرئيس السيسى لأثيوبيا وتوقيعه على مبادى سد النهضة الأثيوبي علامة مضيئة على طريق العلاقات المصرية الافريقية، فهو اول توقيع على ورقة مصرية اثيوبية بخصوص منابع النيل.

نشكر الرب أن اتى لمصر رجل حكيم مثل السيسي لكى يعيد لمصر مجدها الذى نفخر به في علاقتها المتزنة، وأيضا مع الدولة التي يأتي لمصر منها الغالبية العظمى من نهر النيل، وهكذا يتصالح نيل مصر مع منابعه.

Taajirun@googlegroups.com
/////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً