“هجليج”… الثمن الباهظ لـ رفض الهدنة

نزار عثمان السمندل

حسمٌ ميداني جديد في قلب كردفان لم يأتِ معزولاً عن السياق السياسي والعسكري الأوسع، بل بدا كأنه خلاصة منطقية لسلسلة قرارات خاطئة، في مقدمتها رفض الهدنة الإنسانية، وما استتبع ذلك من تمدد الفراغ، وتآكل القدرة على الإمساك بالأرض وحماية شرايين الاقتصاد.
سيطرة مليشيا الدعم السريع على حقل هجليج النفطي لم تكن مجرد تقدم عسكري، بل انتقال نوعي في طبيعة الصراع، حيث بات المال والطاقة والحدود أدوات قتال مكشوفة.
هجليج ليست نقطة على الخريطة، إنها عقدة نفوذ كثيفة الرمزية والدلالة. خمسة وسبعون بئراً نفطياً، ومناجم ذهب، ومركز معالجة يعد شرياناً أساسياً لاقتصاد السودان وجنوب السودان في آن.
انسحاب الجيش والعاملين إلى الجنوب ترك وراءه فضاءً مفتوحاً لإعادة تشكيل موازين القوة، فالحقل الذي كان محاطاً بخطوط تماس محصنة تحوّل إلى منصة سيطرة وتمويل ذاتي، تتيح للدعم السريع الانتقال من حرب الاستنزاف إلى حرب الإمكانات.
امتلاك هجليج يعني التحكم في المال، والمال يعني القدرة على شراء الزمن والسلاح والولاءات. التحرك السريع والمناورة العسكرية في نطاق جغرافي يمتد من الحدود الليبية مروراً بتشاد وأفريقيا الوسطى وصولاً إلى جنوب السودان بات أكثر يسراً، مع ما يحمله ذلك من تسهيل تدفق الإمداد والمرتزقة، وفتح مسارات خلفية يصعب ضبطها أو قطعها. المنطقة، بثقلها القبلي، تقدّم خزّان تجنيد واستنفار واسع، من المسيرية والحوازمة والنوبة إلى قبائل دارفور المجاورة، في مشهد يعيد استدعاء الحروب القديمة بأدوات جديدة.
مطار هجليج يضيف طبقة أخرى من الخطورة. إمكانية استخدامه لاستقبال طائرات معادية، أو كنقطة انطلاق للمسيّرات، تضع مدن الإقليم وما بعده تحت تهديد مباشر. المنصة النفطية تحولت إلى منصة عسكرية، قادرة على توسيع نطاق الضربات، وفتح الباب أمام تحالفات ميدانية معقدة، بما في ذلك مزاوجة قوات الدعم السريع مع قوات الحركة الشعبية – جناح عبد العزيز الحلو، في خريطة تحالفات تتجاوز الحسابات المحلية الضيقة.
الجانب الاقتصادي لا يقل قتامة. تحويل الحقل من ميدان إنتاج إلى هدف احتلال وابتزاز يعني شلّ التشغيل والتصدير، وإجبار الشركات العاملة على المغادرة، مع خسائر يصعب تعويضها وبيئة أمنية تنذر باستحالة العودة. الخطر يمتد إلى خطوط الأنابيب وموانئ التصدير، ويضع جنوب السودان، المعتمد كلياً على نفطه، أمام اختناق اقتصادي قد يُستثمر كأداة ضغط سياسي ودبلوماسي في الإقليم.
الجيش، في هذا المشهد، يبدو محاصراً بضعف اللوجستيات وسوء التموضع. أي محاولة لاستعادة هجليج تحمل مخاطر الانزلاق إلى فخ دامي يعيد رسم خطوط الصراع ويحوّل كردفان إلى مسرح مفتوح لمعركة طويلة. انهيار القدرة على حماية مصادر العملة الصعبة ينعكس مباشرة على حياة المدنيين، في صورة غلاء خانق ونقص في الإمدادات وتفاقم معاناة يومية لا تجد من يخففها.
تدفّق الأحداث يفرض قراءة قاسية: القرار الميداني الذي اتخذته قيادة الدعم السريع في مطلع ديسمبر رفع كلف المواجهة وغيّر قواعدها، فيما كشف تراجع الجيش هشاشة وعزلته عن واقع يميل بثقله إلى طرف واحد. تاريخ المنطقة والمعارك الأخيرة يضعان القيادة أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها. رفض الهدنة الإنسانية لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل مقامرة استراتيجية فادحة.
الوقت يضيق، وما زالت نافذة المراجعة مفتوحة. إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحّة، حيث تتقدّم حماية المدنيين وصون الأرض والموارد على حساب حسابات الإنكار والمكابرة. استمرار النزاع على هذا النحو ينذر بمأساة تتجاوز قدرة أي تخطيط، وتترك البلاد رهينة صراع تتغذى نيرانه من النفط، والحدود، والقرار المؤجل.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …