فيصل محمد صالح
مؤانسة رمضانية (20)
يتردد هذا السؤال في عقلي منذ فترة: هل اختفت القصة القصيرة في السودان؟ أم أن الأمر فيه قصور وعدم متابعة من جانبي؟ أم هو مجرد حنين إلى الماضي، لأن فترة تعرّفنا على القراءة كانت القصة القصيرة فيها أكثر انتشاراً؟
لدي اعتقاد جازم بأن الانفجار الروائي السوداني قد جاء على حساب القصة القصيرة، وأن الاتجاه العام صار نحو كتابة الرواية، حديثة العهد بالفضاء الأدبي السوداني، على الأقل بشكلها الحديث.
في أدب السبعينيات كان يحيى حقي ويوسف إدريس هما عنوان القصة القصيرة في مصر والوطن العربي. وفي مرحلة الدراسة الجامعية عرفنا يحيى الطاهر عبد الله وعبد الحكيم قاسم وغيرهم كثير. كانت قراءاتنا السودانية محدودة بسبب قصور النشر، وكانت القصص والروايات المتوفرة تدور في فلك الرومانسية البسيطة التي تجاوزناها بالقراءة، إلا عندما تعثر فجأة على نصوص إبراهيم إسحق وعلي المك، أو على أعداد من مجلة “الثقافة السودانية”.
وفي هذه المجلة اكتشفنا بشرى الفاضل حين نشر قصصه المتوالية: “حكاية البنت التي طارت عصافيرها”، و”ذيل هاهينا مخزن أحزان”، و”حملة عبد القيوم الانتقامية”. وكانت تلك فتحاً في القصة القصيرة السودانية. ثم وضع عادل القصاص بصمته الفاخرة بمجموعة مذهلة من القصص، على رأسها “ذات صفاء، ذات نهار سادس أخضر”، فصار هو وبشرى رمزين مضيئين للقصة القصيرة. ثم أخذتهم دوامة الحياة، فيما يبدو. وكان ليحيى فضل الله أيضاً نصوص مميزة جمعت بين القصة والسيرة.
في قاهرة التسعينيات كان عمنا عثمان علي نور يتردد على مكاتب صحيفة “الخرطوم” كلما جاء إلى القاهرة، وتسامرنا معه أكثر من مرة حول تجربته في كتابة القصة القصيرة، باعتباره من روادها الأوائل، حيث نشر ثلاث مجموعات قصصية في الخمسينيات والستينيات، ثم خاض تجربته ـ أو مغامرته ـ في إصدار مجلة “القصة” عام 1960، واستمرت لعامين. وقد قرأت كتابة جميلة عنها للناقد الدكتور هاشم ميرغني عنونها بـ”وأد اليرقات”. ووجدت أسماء لشخصيات معروفة لها قصص منشورة من قبل، مثل الدكتور الطيب حاج عطية ومحمد سعيد معروف.
في تلك الأيام كنت أتجول في مكتبات سوق الأزبكية، فعثرت على رواية “القفز فوق الحائط القصير” لأبوبكر خالد، ومجموعة “النازحان والشتاء” التي كتبها بالاشتراك الزبير علي وخوجلي شكر الله. وقد عرضتهما على الأستاذ عثمان علي نور، فسعد بهما سعادة كبيرة، إذ إن مجموعة “النازحان والشتاء” من أوائل المجموعات القصصية السودانية المطبوعة في مصر.
طوال هذه الفترة كانت الرواية السودانية تحبو، وكان إنتاجها قليلاً. ثم جاء الانفجار الروائي الكبير منذ التسعينيات، فامتلأت رفوف المكتبات ودور النشر بمجموعات من الروايات السودانية، في حين قلّ الإنتاج القصصي. ومع ذلك، فإن بعض الروائيين البارزين مزجوا بين كتابة القصة والرواية، مثل أحمد حمد الملك وعبد العزيز بركة ساكن وحمور زيادة.
كتب ساكن قصة “امرأة من كمبو كديس” التي فازت بجائزة بي بي سي، وكانت إيذاناً بالإعلان عن كاتب مميز. وأصدر حمور زيادة مجموعته القصصية الأولى “سيرة أمدرمانية”، وهي تحكي سنوات الصبا والشباب الباكر. أعقبها برواية “الكونج”، ثم “شوق الدرويش”. وبعد ذلك أصدر مجموعته القصصية الثانية “النوم تحت قدمي الجبل”.
أظهر أحمد حمد الملك تميزه في وقت مبكر، وكان واضحاً تأثره بالواقعية السحرية، وقدم روايته الأولى ـ بالنسبة لمتابعتي ـ “الفرقة الموسيقية”، ثم “عصافير آخر الخريف”، إلى جانب مجموعات قصصية. وكنت أظنه اختفى من ساحات النشر، لكن بعد تواصل قريب معه بحثت واكتشفت أنه نشط جداً في النشر، وقد صدرت له عدة روايات ومجموعات قصصية، لكن ربما أثّر غيابه الطويل في متابعتنا لما يكتب، وفي كتابة النقاد عنه.
تابعنا أيضاً مجهودات نادي القصة، وسعي القائمين عليه لقهر الظروف وإصدار مجموعات مشتركة، ثم صحيفة متخصصة، ومنهم صديقنا الصحفي نصر الدين عبد القادر، والراحل محمد خير عبد الله، على روحه السلام، لكن الظروف وغياب الدعم كانا سبباً في تعثر هذه الجهود.
هذه كتابة غير مرتبة نوعاً ما، قصدت منها تحية كتاب القصة القصيرة في السودان، وتذكّر بعض منهم عرفاناً بمجهودهم وبما قدموه لنا من متعة الحكي الطاعم الجميل،
الصور: بشرى الفاضل وعادل القصاص
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم