رأيناه يخطو على طريق سلفه خطو الحافر، كما هو حال العسكر، لا يبدعون ولا يملكون قريحة التفرد، لكن عندما نرى في المقابل القوى السياسية الهشة التي تستجيب دائماً لوعود العسكر لا نستغرب، فمريم الصادق المهدي القيادية بحزب الأمة ووزيرة خارجية السودان ابان حكومة الانتقال التي انقلب عليها البرهان، ذاهبة على خطى والدها الامام رحمة الله عليه، الذي عرف بمهادنته لعسكر النظام البائد برغم انقلابهم عليه وانتزاعهم سلطته الشرعية التي انتخبه لأجلها الشعب، هكذا هي الأحزاب القديمة تتجاذبها النزعات القديمة نحو مشاركة الانقلابيين، الذين ينقلبون عليها بعد أن يمنحها الشعب صوته الانتخابي ويجلسها على كرسي الشرعية، وتاريخ الدولة القديمة حافل بمسيرة تهافت رموز هذه الأحزاب للعق أحذية العسكر منذ نظام جعفر نميري وحتى اليوم، فهؤلاء ليسوا بساسة يصونون دماء الشهداء، بل في حقيقتهم هم الأسوأ والأكثر شراً من العسكر، لأنهم يفرشون الأرض بالورود ليمشي عليها السفاحون مصاصو دماء الشعب الغلبان، لقد شاهدنا البشير كيف كان يروض هذه القوى الحزبية الضعيفة، وآخرها كان ترويضه للعراب الأكبر الذي أقسم جهد ايمانه أن لا يضع يده على يد البشير الذي أغلق في وجهه باب البرلمان وطرده وأهانه وسجنه، لكن نزعة رموز الأحزاب القديمة تجاه العسكر نزعة ماسوشوستية تتلذذ بالقهر العسكري والتقاط الفتات الذي يقذف به الجنرالات أمامهم.
بعد الفصام الذي حدث بين القويين المدنيتين “صمود” و”تأسيس” وذهاب كل واحدة في طريقها، يرى المراقبون أن “صمود” هي الأقرب للخضوع لطرح العسكر، بما أن “تأسيس” قد قطعت شوطاً في بناء الدولة بطريقتها المختلفة عن طرائق حلفاء النظام القديم، سوف تنحى بعض مكونات “صمود” منحى مصافحة العسكر للمرة المليون، هذا ما يخبرنا به كتاب الصراع حول السلطة بين كيانات دولة 56، التي لم تكن جادة في يوم من الأيام في أن تعزز الحكم المدني الديمقراطي، لقد جرب الشعب هذه الكيانات في أكتوبر وأبريل الأولى والثانية، فكسرت الحربة في الدواس، وانكسرت هي أمام أعين العسكر الحمر المتوهجة بالشرر، نعم إنّه كتاب دولة 56 الذي ظلت تقرأ منه النخبة المدنية ثم تنافق وتداهن العسكر منذ فجر تاريخ الدويلة المشؤومة نوفمبر1958م، فلا يجب أن يأمل السودانيون الأحرار في ” صمود” كمتعهدة بصون أهداف ثورة ديسمبر، وكما رأينا مريم المنصورة قد يممت وجهها شطر بورتسودان، توقع أن ينخرط في هذا الماراثون كل من الدقير وسلك وعرمان ووجدي، فماعون بورتسودان يسع جميع رموز 56 ، ولا يغرنك حلو الحديث وفخيم العبارة، لقد جربهم الشعب السوداني في جميع مراحل حكومات الدولة الست وخمسينية، ففشلوا وأدمنوا الفشل، ومدمن لعق أحذية العسكر أبشع من المدمن اللاعق لبدرة الأفيون، لقد فعلها حادي ركبهم حمدوك بأن عاد لحضن البرهان بعد أننقلب عليه وأغلق عله غرفة نومه قبل أن يحرره الفريق عبد الرحيم من قبضة البرهان.
أول الغيث قطرة، وسوف تنهمر هاطلة ماطرة قريباً، ويتبلل المدنيون المداهنون للعسكر بأمطار بورتسودان المالحة، وهنا ستبرز أكبر خيانة في التاريخ الحديث، ولن يقدر أحد من هؤلاء المداهنين أن ينفث ببنت شفة فيما يتعلق باسترداد حق وكرامة شهداء باب القيادة، ذلك القميص العثماني الذي ظلت هذه القوى تلوح به في كل مناسبة ومحفل، وحينها سينحصر البيض الفاسد كله في سلة واحدة يسهل ركلها إلى مكب نفايات التاريخ، لتكتب بجانبها يافطة تقول هنا دفن المنافقون المهادنون والسماسرة الذين خانوا الدماء وانبطحوا ليمشي على ظهورهم العسكري كسّار الجبور، الذي ما زال حياً يمشي بين الناس في أسواق بورتسودان ولم تحاكمه القبور، كما وعدنا الرومانسيون من هذه النخبة في ليالي الخرطوم المخملية، قبل أن ينشر في أذقتها الفتى البدوي القطط الضالة ، وقبل أن تصرخ هذه المدينة الباذخة تحت وطأة الأشاوس معلنة عن انفضاض آخر ما كانت تتعلق به من أجل كرامة كذوبة وعدها بها العسكر الذين مكثوا تحت مجاريها شهور أربعة، لقد كتب على السودان القديم أن يبقى قديماً، لأن المثقف الصفوي هناك لا يريد حكماً تتشاركه جموع السودانيين، ويفضل دائماً أن يشارك العسكر على أن يتيح المجال لأمثاله من البيئات البعيدة عن المركز الموبوء بنرجسية التحكم والانقضاض على أي سيمفونية ذات عزف منفرد لا تنسجم مع أذن الرمز النخبوي مركزي الهوى والهوية.
إسماعيل عبدالله
ismeel@hotmail.com
