هل يقابل البشير المعارضين وحملة السلاح سرا ؟ .. بقلم: حسن محمد صالح

رغم الضمانات التي أعلن عنها  الرئيس عمر البشير للمعارضين وحاملي السلاح بالحضور والمشاركة في جلسات الحوار الوطني ثم العودة إلي مواقعهم إذا لم يتفق المتحاورون  إلا أن هذه الطريقة لم تفضي إلي عودة هؤلاء المعارضين علي كثرتهم وتعدد مشاربهم  مما يقتضي البحث عن وسيلة أخري لإقناع حاملي السلاح والمعارضين بالمشاركة في ما هو مطروح من حوار وطني والذي أعلن حاملو السلاح عن موافقتهم عليه من حيث المبدأ كحل لمشكلات البلاد المستعصية ووقف الحرب وتحقيق السلام ووإستدامة النظام الديمقراطي بالسودان وبعد الموافقة المبدئية تبقي الطريقة التي يشارك بها المعارضون في الحوار أو إقناعهم بأي صيغة أخري للحل الوطني ولن يكون ذلك علي حساب الحوار ولا خصما عليه .
و طالما لم تفلح الدعوات المتكررة من جانب رئيس الجمهورية للمعارضين بالعودة والتي أعلن عنها في أكثر من مناسبة آخرها كانت مناسبة الإحتفال بالذكري رقم 59 للإستقلال المجيد فليس هنالك من خيار غير مقابلة رئيس الجمهورية للمعارضين سرا وبعيدا عن الأنظاروتلبية مطالبهم وشروطهم للعودة والمشاركة في بناء الوطن وفي الحوار . ووخيار المقابلات السرية يتطلب  وجود رجال خلص ومخلصين لوطنهم ووحدة أراضيه وإستقراره وتحقيق السلام في ربوعه وفي ذات الوقت لهم تأثيرهم الوطني وإحترامهم لدي كافة الأطراف بما في ذلك المعارضين أنفسهم علي ان يظلوا بعيدين عن أضواء الإعلام  ومناكفات السياسة وويحفظون السر ويقومون بالمهمة خير قيام ر ويمتلكون المهارة اللازمة في إجراء الإتصالات بالمعارضين والتي تتطلب السرية الكاملة من بداية المشوار حتي نهايته كما تتطلب معرفة المداخل والشخصيات القريبة من المعارضين والتي تمتلك التأثير عليهم وإقناعهم بالحوار بدلا عن حمل السلاح .
ولنا في تجربة المصالحة الوطنية بين نظام مايو وقادة الجبهة الوطنية خير مثال علي أهمية العمل السري والمبادرة من قبل النظام بالإتصال بالمعارضة حتي لا تتمادي في الحرب ضد الوطن بإسم إسقاط النظام … وكان التفكير الجاد في المصالحة الوطنية قد بدأ مع فشل  حركة  2يوليو 1976م المعروفة بالمرتزقة وإتجاه قادة الجبهة الوطنية للدولة البديلة للإنطلاق منها وغزو السودان من جديد وكان خيار التحرك قد وقع علي إثيوبيا بدلا من ليبيا التي فشلت منها المحاولة الولي للغزو الخارجي  ولكن نظام مايو بدأ الإتصال السري بالمعارضة ولم ينقضي عام علي أحداث يوليو 1976م حتي تحققت المصالحة علي أرض الواقع  .
وكان عضو مجلس قيادة ثورة مايو 1969م مأمون عوض أبو زيد هو اول رسول لنميري لمقابلة قادة الجبهة الوطنية وعلي رأسهم السيد الصادق المهدي رئيس الجبهة الوطنية وفي ذلك اللقاء يقول الراحل الدكتور عبد الخميد صالح في مذكراته  : إن الجبهة الوطنية قد وضعت شروطا للمحادثات مع النظام أهمها : تحقيق الديمقراطية والعدالة وحرية التعبير في نظام إسلامي يكفل تحقيق كل هذه الشروط السبعة في مجملها .وتعرف مأمون عوض أبو زيد علي الشروط ووعد بأن ينقلها إلي نظام مايو ( نميري )وسوف يرد النظام سريعا ولكن مامون عوض أبو زيد لم يعد مطلقا . وبعدها بمدة وجيزة وصل إلي لندن السيد إبراهيم منعم منصور كما وصل إلي لندن أيضا السيد فتح الرحمن البشير وإتصل كل علي حده بالدكتور عبد الحميد صالح (( كاتم أسرار الصادق المهدي )) وأبديا الرغبة في الحديث عن المصالحة الوطنية وكان كل من إبراهيم منعم منصور وفتح الرحمن البشير يقول أنه موفد من الرئيس نميري . ويقول الراحل عبد الحميد صالح في هذا الوقت صارحت فتح الرحمن البشير أنني أتشكك في جدية هذا العمل وانه ليس من المعقول أن يرسل الرئيس جعفر نميريمبعوثين للتفاوض معنا وطلبت منه أن يكون المبعوث واحدا فقط وفعلا أخذ السيد فتح الرحمن البشير هذا الحديث وسافر إلي الخرطوم وعاد بحطاب موقع عليه من الرئيس نميري بأن مبعوثه هو فتح الرحمن البشير وأستمرت اللقاءات مع السيد فتح الرحمن البشير وفي آخر المطاف قبل الشروط التي إشترطتها الجبهة الوطنية وكان رأي الصادق المهدي أن يأتي نميري لمقابلته في لندن ولكن نميري الذي كان يحضر مؤتمر القمة الإفريقي في (ليبرفيل ) عاصمة الجابون  أخبر فتح الرحمن البشير بأنه يفضل أن يكون اللقاء في السودان وخصيصا في مدينة بورتسودان .ويقول الراحل عبد الحميد صالح في مذكراته : بعد أن اخبرنا فتح الرحمن البشير بأن اللقاء سيكون في بورتسودان كان هناك نوع من القلق والشكوك وأبديت مخاوفي ولكن فتح الرحمن البشير أكد لي بأنه لن يحدث شئ وإذا تعرض الصادق المهدي لأي خطر فسأكون أنا أول من يجابه هذا الخطر ويقول نميري في كتابه النهج الإسلامي لماذا :إنه عندما إلتقي الصادق المهدي في بورتسودان أخبره المهدي : أن أهله الذين كانوا حوله حيث يقيم قد ودعوه بالبكاء وأحتسبوا فيه الرحمن وودعوه وداع راحل لن يعود .. حاولوا طوال أيام أن يثنوه عما إعتزم … حاولوا بالمنطق… حاولوا بالدموع ولكنه .. أصر علي ما إنتواه ويقول نميري سألت الصادق المهدي والفجر يطل علينا بعد ليل ساهر … وأنت ألم يهتز يقينك وشككت مجرد الشك بأنه من الممكن أن لا تعود ؟ ويقول الصادق المهدي مطلقا ونميري يسأله لماذا؟ يقول : لأننا سودانيون ، وقد يبلغ بنا العداء صدام الدم ولكننا وأبدا لا نخون العهد ولا نقدس من قيم الحياة أكثر من فضيلة الوفاء .. وعادالصادق المهدي بعد لقاءبورتسودان  إلي لندن عبر روما (إيطاليا )وبصحبته فتح الرحمن البشير كما يقول عبد الحميد صالح إن الصادق عكس له روح المودة التي وجدها من نميري في لقاء بورتسودان وهو يحاطبه ولم يكن الصادق المهدي يتوقع هذه الروح من جانب الرئيس نميري وكان نميري قد أخبر الصادق المهدي عندما بدأ اللقاء(( أنه إذا إتفقنا أو لم نتفق فسترجع سالما إلي مكانك))  وإبداءا لحسن النية قال نميري إنه سيطلق سراح المعتقلين السياسيين. ويقول نميري أنه لم يعلن رسميا عن خبر اللقاء إلا أن الناس تناقلته كإشاعة إستبعد صحتها الجميع وإن ظل اللغط حولها نشطا . وفي توقيت اردته كما يقول نميري : أعلنت النبأ للناس في لقاء المكاشفة الشهري . وكان رد فعل أعوان نميري قد جاء منسجما ورأي الحكام في المعارضين والخائفين علي موقعهم ونفوذهم وما أكثرهم في كل وقت وحين . قال نميري يصف ردة الفعل لدي أعوانه بعد أن أعلن النبأ : منهم من صبر ومنهم من صمد ومنهم من عارض ومنهم من إعترض وأحدهم طلب أن يعفي من تحمل مسئولياته لأنه في ظل الظروف الجديدة لا يستطيع …. وخلف الستار كانت إجتماعات تعقد وشباب يعبأ ومواكب تنظم ومظاهرات يخطط لها للإعلان عن الإحتجاج ويقول نميري أيضا : صور بعض الناس لبعض أن ما حدث كان تراجع الجديد أمام القديم هو إستسلام بعد النصر وتلك شر ألوان الهزيمة تراجع عن كل ما تحقق وعودة للضلال القديم تعدد الأحزاب ، عودة الطائفية ردة عن مكاسب إنتزعها الناس بالدم .ويضيف الراحل نميري في كتابه المشار إليه : مرت الأيام عاد الرجل إلي وطنه واتسعت ساحة المشاركة وتجمع الناس وتحاوروا واتفقوا واختلفوا ولكن في إطار الشرعية ومؤسساتها ووفق ضوابطها ((والشرعية هنا المقصود بها تنظيم الإتحاد الإشتراكي السوداني وهو الحزب الوحيد في نظام مايو  )) ويقول نميري إلتقيت بالرجل ((الصادق المهدي )) مرات ومرات تواصل بيننا الحوار وتواصل .. إتفقت رؤانا حينا وإختلفت توجهاتنا احيانا ولكنه دائما وأبدا خلاف حول التفاصيل … ويقول نميري ويسألون عن كلمة السر فيما حدث أقول : هي جملة سياق حديث نقلها عنه من كان ينتقل بيننا بوساطته الحميدة قبل اللقاء ، نقل عنه قوله : فليكن الخلاف بيننا ما يكون ولكن الأيام أثبتت أن مكمن الخطر فيه أن يفتح الطريق واسعا لتدخل الغريب. هي كلمة السر كما يقول نميري ودلالة الصدق ومدخل إتسع واجتاح كل سدود الخلاف . هي أصالة السودان وأصالة السودانيين يتلاحمون صداما ولكن عيونهم دائما علي مداخل كرامتهم فإذا بهم يتلاحمون عناقا حتي لا تنفذ من خلالهم اطماع الغريب . 
لقد كانت المصالحة الوطنية ثمرة من ثمارذلك العمل السري المتواصل  وكانت للمصالحة نتائج مباشرة في ذلك الوقت أهمها إطلاق سراح السجناء السياسيين وإسقاط الاحكام التي حكمت بها المحكمة العسكرية بعد 2 يوليو 1976م وتكوين لجنة برئاسة الدكتور عبد الحميد صالح لإزالة الضرر عن المواطنين وكان كثير منهم قد أضيروا إبان تلك المرحلة . 
ومن أجل الحوار وإتمام المصالحة الوطنية بين أبناء السودان هل يقابل الرئيس البشير الأمين العام للحركة الشعبية الشمالية  ((سرا )) داخل السودان أو خارجه ؟ وهل يبعث البشير الرسل إلي عبد العزيز الحلو  ومالك عقار لمقابلته (( سرا)) وفي أي مكان داخل السودان أو خارجه  ومن الممكن إسقاط حكم المحكمة بالإعدام في مواجهة كل من عقار وعرمان ؟ وبذات القدر من السرية يلتقي الدكتور جبريل إبراهيم قائد حركة العدل والمساواة ومني اركو مناوي قائد حركة تحرير السودان وعبد الواحد نور قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان ؟ وهل يقابل السيد الصادق المهدي داخل السودان أو في القاهرة أو مكة من أجل التصافي وعودة الوئام من جديد وقبل اللقاء لابد من معرفة شروط المعارضين التي يشترطونها من اجل العودة إلي حضن الوطن ومن الحسنات أن المؤتمر الوطني لا يجعل من نفسه المؤسسية والمرجعية التي تستوجب الإلتزام بها كما هو الحال مع الإتحاد الإشتراكي السوداني الذي فرض علي أعضاء الجبهة الوطنية الذين صالحوا النظام الدخول في مؤسساته وكان الصادق المهدي قد تم تعينه في المكتب السياسي للإتحاد افشتراكي وعين الدكتور عمر نور الادائم والصادق بله والصادق أبو نفيسه أعضاء في مجلس الشعب وتم تعيين أعضاء من الطيف السياسي الذي كان يشترك في المعارضة أما في الناحية التنفيذية فقد تم تعيين بكري احمد عديل حاكما لكردفان وشريف التهامي وزيرا للطاقة ، فالمؤتمر الوطني اليوم هو مجرد حزب من الأحزاب وغير مطلوب منه ومن رئيسه اكثر من تهئية المناخ امام القوي السياسية للإحتكام للشعب السوداني عبر إنتخابات حرة ونزيهة بعد إلغاء القوانين المقيدة للحريات ووضع دستور دائم للبلاد يعبر عن دولة ديمقراطية تعددية خالية من العنف والحروب والنزاعات كما ثبت من خلال التجارب السودانية أن السلامة الشخصية للمعارض هي فوق كثير من الإعتبارات والضمان للسلامة الشخصية أن تتعدد اللقاءات السرية لكسب الثقة بين الأطراف ومنوتطبيع الأوضاع وأول من يدافع عن نوايا الحاكم أو الرئيس هو المعارض كما فعل لصادق المهدي مع نميري ..

elkbashofe@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً