كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
الموردة نسيج وحدها، ينهل تفرده من مدلول الاسم والشعار؛ فالموردة، والهلب، والقراقير ليست مجرد مفردات، إنها عصارة لمزيجٍ متكامل، تستشعر طعمه حين تسمعه، وتراه متجسداً أمام ناظريك: الضفة، والموجة، والمركب، والسمك. موكب مهيب، لا يعدل به أهله ما يهفو إليه المرء في المدن الحديثة حيث العمائر والمنابر والملاهي الحالمات الغارقات في ينابيع الأنوار.
لأنه موكب الروح، وحنين الضفاف، وذاكرة الماء والطمي، حضارة تُدرك بالقلب قبل العين، وانتماء يتعمق مع الزمن.
في ذاكرة الموردة ما لا يُمحى، حكايات لا يعتريها البِلى، وأسماء عبرت النادي وحفرت حضورها في سجلات تاريخه، كما حفر هو في وجدانها. أسماء خالدات، تتردد أصداء ذكراهم منذ ستينيات القرن الماضي، كأيقونات ترسم ملامح مجدٍ استعصى على النسيان، وتُشعل في القلوب جذوة الانتماء جيلاً بعد جيل.
الموردة موجة لا تنتهي، تتقدم نحو الشاطئ في حنوٍّ عتيق، تتراجع قليلًا ثم تعود، كأنها تُولد من نفسها. تتنفس في دورة أبدية لا تعرف الفناء. في كل لثمة بين الموج والشط رعشة حياة، ونداء قديم يتجدد، عهدٌ لا ينفصم بين الماء والأرض.
هكذا هو عشق المورداب: لا يتوقف ولا ينحسر، قد يهدأ لحظة ثم لا يلبث أن يعود بإندفاع أعظم، كأنه يسري في الدماء مثل هدير النيل، لا تضبطه حدود الجغرافيا ولا تقيده المسافات. فمن كان موردابيا، حمل الموردة معه أينما ارتحل، كما يحمل النهر سرَّه في جوفه الغويط.
الانتماء للموردة ليس مجرد علاقة بنادٍ رياضي؛ إنه انتماء لمكان، لحارة يعرف كل منعطفاتها، لأزقة تحمل رائحة بيوتها، لشوارع تختزن ذاكرة الأجداد، لأصوات مألوفة، لصخب الأمواج، للقرقور الذي يقاوم الحياة والموت معاً.
القرقور، ذلك السمك الصبور، رمز للموردابي في قدرته على البقاء، في تشبثه بالحياة حتى وهو بعيد عن مائه، مثل مشجع الموردة حين يبتعد بجسده عن المكان، لكنه يظل حيّاً بروحه، تصله الذكرى بعروق الحياة حتى يعود، كأن الموردة هي نفخة الروح التي ترد إليه أنفاسه.
وعندما تقول “الموردة”، فأنت لا تقصد نادياً رياضياً فحسب، بل حضارة كاملة. هنا، الجد والأب والحفيد يجلسون في صفٍّ واحد، لا ليشاهدوا مباراة فحسب، بل ليحتفلوا بوجودهم نفسه. ويا لغرابة ذلك العشق، فالهلالابي في الموردة موردابي، والمريخابي فيها موردابي، لأن الموردة سابقة على الانتماء الكروي؛ هي الأصل الذي يسبق كل اختيار.
وحين عُزف على أوتار الانقسام، كانت الموردة قد سبقت اللحظة وجدلت ضفائرها على نسيج متفرّد، شعارُه الانصهار وجوهره الجذب. وحين تعالت صيحات الحرب بالتهميش و”دولة الجلابة” وما إليها من فجاجة ممجوجة وافتئات على دولة (٥٦)، كانت الموردة قد تجاوزت ذلك منذ عهد بعيد، فلا عُرفت فيها قبيلة ولا عرق ولا أصل ولا ملل ولا نحل ولا لغة، فغدت إحدى ممسكات اللُحمة الوطنية، وصرحاً يتسامى فوق الضجيج في زمن التفتت.
في الموردة، الشعار ليس مجرد قميص، إنه الهلب الذي يرسو به المركب على الشاطئ. رمز للبقاء والعودة، إعلان بأن هذا المكان هو المرفأ الأخير مهما بعدت الرحلة. رفع الهلب يعني الانطلاق، وغرسه يعني الرسو، وكلاهما يختصران حكاية الموردابي مع ناديه: سفر وعودة، قدرية وولاء، كما لو أن الشعار نفسه مرساة تثبت الروح وسط أمواج الحياة. إنه دفتر حضور دائم يوقِّع فيه الموردابي عشقه بدمه.
الموردة ليست كالفرق الأخرى. فالأندية الأخرى لا تعدو أن كيانات رياضية محضة، قوامها إدارات وكشوفات لاعبين يأتون ويذهبون، فرق يمكن أن تنتمي إليها من أي مدينة: كسلا، الأبيض، سنار، نيالا، حلفا، أو كوستي أو من أي فج، تماما كما تختار أي فريق عالمي كبرشلونا والأرسنال واليوفي ومانشستر إن كان ستي أو المتحد أو الملكي أو ما ملكت يمينك من الاختيارات الحرة.
أما في الموردة، فأنت لا تختار، إنما تُولد موسّماً بالشعار. فالانتماء إليها ليس قراراً عقلياً ولا ميولاً رياضياً، بل قدر يسري فيك مع أول نسمة تحمل رائحة النيل وعبق الطمي. الفريق هنا ليس مجرد لاعبين يتبدلون مع المواسم، بل امتدادٌ لأهلك وحيّك وبيتك. وإن غابوا عن الملعب، ظلوا في وجدانك، لأنهم يتشربون المكان ذاته الذي يسكنك.
عشق الموردة لا يُقاس بالبطولات. فأنت لا تشجع لتنتصر، بل لتبقى حاضراً في محفل يتجاوز النتيجة، حيث يصبح الفوز والهزيمة مجرد تفاصيل عابرة. المشجع الموردابي لا يغني لأنه يتوقع كأساً، وإنما لأنه يجد نفسه بين أهله، مردداً أهازيج تحكي عن أصالته، وعن حكايات يتردد سجع صداها مع انكسارات الموج على الضفاف.
وحين يرتفع الهلب على كتف المركب، وتُفرد الأشرعة لتمخر عباب النيل، وحين تستخف بيوت الطين بها نسائم الحنين إلى ماضٍ تليد، هناك فقط تتبدى الموردة أكثر من نادي رياضي. هناك يتبدى الانتماء كنشوة أبدية، عصارة كأس يحتسيه النُدامى على مهل. فيسكرهم بصحو متجدد، حضور في الملاعب، وشعار يختال على المستطيل الأخضر ليؤكد أن الهوية ما تزال نابضة، وأن الموردة، كقلعة، ما زالت قائمة، شاهدة على هذا الولاء العتيق.
الموردابي حين يغني، يرفع صوته ليوقظ ذاكرة المكان، مرددا أهازيج تعانق هدير الموج، فيغدو الهتاف صلاة دنيوية، في محراب تبتل أبدي. ودعاءً جماعيا لحفظ الموردة وبقائها.
الموردة، في جوهرها، ليست فريق كرة قدم، بل حياة كاملة. هي موج النيل ورائحة السوق، وأغنيات المشجعين، ودفء البيوت الحانيات. هي الحنين الجارف، والذاكرة التي لا تُمحى، وحكايات لا يعتريها البِلى عن أسماء وأحداث ومشاهد خالدة. هي الموجة الأولى التي ما زالت تعود في دورة لا تنتهي، كأنها تعيد للعالم في كل مرة قصة عشق لا يزول.
الموردة مشروع حياة أكثر من كونها نادياً. هي الوعاء الذي يحمل ذاكرة الأجداد وأنفاس الآباء وأحلام الأحفاد. الموجة التي لا تنكسر. التي تعيد الحكايات لتُروى من جيل إلى جيل، بنفس الإيمان، ونفس الهلب المغروس في جوف الطين، كمرساةٍ تثبت أركان الكون.”
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم