من المؤسف أن نرى قيادية مثل هنادي فضل، التي تزعم الانتماء لليسار وللماركسية، تتكئ على حكايات الحبوبات المشحونة بالرمزية، ثم تسندها بروايات المخابرات الاستعمارية المصرية والإنجليزية، لتخرج لنا صورة مشوهة للتاريخ لا تخدم سوى الانقسام العرقي. الحكايات التي ترويها عن غارات التعايشي على الشمال النيلي، وعن نساء فضّلن الموت في النيل على العار، أو عن نزوح الأسر من ضفاف النهر إلى الجزيرة، جزء من الذاكرة الشعبية بلا شك، لكن الخطر يبدأ حين يجري تقديمها كتوثيق موضوعي بينما هي في جوهرها محمولة على سرديات الاستعمار التي عملت لسنوات على تشويه المهدية وتصويرها كحركة همجية لا مشروع لها.
عبدالله التعايشي لم يكن كما تصفه هنادي فضل “مجرم مليشياوي” على شاكلة الجنجويد، بل كان رأس دولة وطنية سودانية هي أول محاولة فعلية لبناء سيادة مستقلة بعد قرون من الوصاية التركية ـ المصرية. نعم، وُجدت تجاوزات وأحداث دامية كما في كل التحولات الكبرى، لكن اختزال مشروع المهدية في هذه الانتهاكات الفردية هو ترديد أعمى لما أراد البريطانيون والمصريون ترسيخه لتبرير إعادة احتلال السودان. حين تسقط قيادية يسارية في هذا الفخ بعد أكثر من قرن، فإنها لا تقدم قراءة علمية للتاريخ، بل تعيد إنتاج خطاب الاحتلال نفسه.
الأدهى من ذلك أن هنادي فضل تقدم خطابها وكأنه تفسير ماركسي، بينما هو في حقيقته ارتداد صريح إلى خطاب إثني بائس. فهي تزعم أن الماركسية إطارها الفكري، لكنها تسقط في مقولة ضمنية مفادها أن العرق أقوى من الماركسية. أي عبث مفاهيمي هذا؟ الماركسية، كما هو معلوم، تقرأ التاريخ في ضوء البنية الاقتصادية والاجتماعية، وتضع الصراع الطبقي في قلب التحليل. أما تحويل التاريخ السوداني إلى ثأر دموي بين التعايشة وأهالي الشمال فهو نقيض الماركسية تماماً، بل هو انزلاق إلى مستنقع الخطاب العرقي الذي تستثمر فيه الرجعية المركزية واليمين الإثني.
الذاكرة الشعبية لا يمكن تجاهلها، لكن لا يجوز التعامل معها كمصدر حصري للتاريخ أو مقياس للحقائق الموضوعية. وظيفتها أن تعبّر عن المعاناة وتجسد رموزاً للصمود، لكن حين يجري وضعها جنباً إلى جنب مع وثائق المخابرات الاستعمارية ثم تُقدّم لنا كتوثيق “علمي”، فإننا أمام وعي زائف لا يختلف عن البروباغندا الاستعمارية ذاتها. الماركسي الحقيقي يفكك هذه العملية ويفضحها، لا أن يتبناها ويستثمرها في خطاب سياسي مريض.
إن ما تفعله هنادي فضل ليس سوى إسقاط شخصي على التاريخ، واستغلال الذاكرة الأسرية لتبرير خطاب معاصر يقوم على إثارة النعرات. لكن خطورة هذا المسلك أنه يعيد إنتاج الأكاذيب الاستعمارية، ويختزل الصراع السوداني في ثأرات عرقية، ويُفرغ الماركسية من مضمونها الطبقي والتحرري. لذلك نقول بوضوح: التاريخ لا يُقرأ بعقد الانتقام الأسري، والذاكرة الشعبية لا تختزل في وثائق الاستعمار، والماركسية ليست غطاء لتمرير نزعات إثنية. ومن يصر على أن “العرق أقوى من الماركسية” لا يحق له أن يتحدث باسم اليسار ولا باسم الشعب، لأنه ببساطة خان الماركسية وخان جوهرها التحرري.
hishamosman315@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم