هوغو.. من حواري غزة إلى حديقة البيت الأبيض

بعد أن قررت إدارة حديقة الحيوان في غزة، في لحظة يأس، فتح الأقفاص إيذانًا بمغادرة ما تبقى من الحيوانات إلى مصيرها، خرج الكلب هوغو. خرج كمن يخرج من مقبرة لا من قفص، يجر جسده لا روحه، وقد بان عليه الهزال حتى بدت عظامه كخطوط خارطة طريق سياسية لا يُعرف لها بداية من نهاية. جلده دبّ فيه الجرب، وعيناه غارتا في محجريهما حتى بدتا كخرزتين قديمتين مطمورتين في طين. اصفرّ لسانه حتى بدا كقطعة جلد ذابلة لا تصلح لذوق ولا نباح. كان يجرّ أقدامه التي بالكاد تقوى على حمل جسده الضامر، يلتفت ببطء يمينا وشمالا، كأنه يبحث عن مكان لم يعد موجودًا… أو عن إجابة لا أحد يملكها.
لم يكن يعرف إلى أين تسوقه أقدامه، ولا من بقي في هذه المدينة ليراقب خطاه الأخيرة. لكنه لم يكن يعلم، وهو يشق طريقه منهكًا في حواري غزة، أن كاميرا هاتف، بالصدفة، قد التقطت مشهده ذاك، وبثّته على الإنترنت.
في دقائق معدودة، تحوّل هوغو من كلب ضائع في غزة إلى قضية رأي عام عالمي. تصدّر المشهد، واشتعلت المنصات بهاشتاج:
أنقذوا_هوغو
Save_Hugo
انهالت التعليقات من كل فجٍّ رقميٍّ عميق، وتقاطرت رسائل التضامن. وفي تصريح عاطفي مشحون بمشاعر نبيلة، أعلنت الممثلة الشهيرة جوان بيترسون — الحائزة على الأوسكار ومالكة أكبر ملجأ للكلاب في العالم — عن استعدادها التام لتكفُّل كافة مصاريف إنقاذ هوغو. بل وأعلنت على حسابها في إنستغرام (في بثٍّ حي تابعه 34 مليون متابع)
“لقد قررتُ إرسال طائرة خاصة إلى غزة لإنقاذ هوغو. سأضمن له كل الدعم النفسي والجسدي حتى يعود كلبا سعيدا كما يجب أن يكون الكلب.”
وقبل أن تحط الطائرة عائدة بالمطار، كان فريق الرعاية قد وصل واستعدّ: طبيب نفسي بيطري من أمستردام، أخصائي تغذية من كوبنهاغن، ومدلّك محترف من ميونيخ، لإعادة تأهيل هوغو نفسيًا، عاطفيًا، وغذائيًا.
لم يمضِ وقت طويل حتى أصبح هوغو، بفضل شعبيته الرقمية الجديدة، حديث النخبة السياسية ومجلات الرفق بالحيوان في العالم. وفي مزادٍ خيري لصالح ملجأ الكلاب، اقتنته السيدة الأولى في أمريكا مقابل مبلغٍ خرافي، باعتباره “أيقونة الكلاب التي تم إنقاذها من غزة”.
وبينما كانت عيناه تحدّقان في نوافذ الفراندا ذات الزجاج المذهب المطلة على الحديقة، كانت السيدة الأولى تدلّك برفق على ظهره أمام ضيوفها، قائلة بابتسامة فخورة:
هذا هو الكلب الذي تم إنقاذه مؤخرا.”
وكان هو، بالمقابل، يلعق ساقها بين الفينة والأخرى، ويهزّ ذيله بنشوةٍ طروبة.
د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …