هَلْ تَغْيِير التَسْمِيَةِ يُنْقِذُ الإسْلَامِيينَ مِنْ حُكْمِ الشَعْبِ والعُقُوبَاتِ والتَارِيْخِ ؟

Will Changing the Name Save the Islamists from the Judgment of the People, Sanctions, and History?

بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
في كل مرة يواجه فيها المشروع الإسلامي في السودان أزمة سياسية عميقة، يظهر اقتراح يبدو للوهلة الأولى بسيطاً: تغيير الاسم. واليوم، مع تصاعد الحديث عن العقوبات الأمريكية وتصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً، عاد بعض الإسلاميين إلى طرح الفكرة الساذجة نفسها: حل الحركة الإسلامية شكلياً، وإعادة الظهور تحت مسمى جديد. لكن هذا الاقتراح لا يعكس فقط محاولة للالتفاف على العقوبات، بل يكشف أيضاً عن سوء فهم لطبيعة الأزمة التي يواجهها المشروع الإسلامي في السودان، فالمشكلة التي يواجهها الإسلاميون اليوم ليست في اسم التنظيم، بل في تجربة سياسية كاملة حكمت السودان ثلاثين عاماً وتركت وراءها إرثاً ثقيلاً من الاستبداد والحروب وتآكل مؤسسات الدولة. ولهذا فإن تغيير الاسم لن يغيّر شيئاً من حكم الشعب السوداني والتاريخ على تلك التجربة التي أضاعت خمسة أجيال سودانية على مدى مائة وخمسين سنة.
تاريخ طويل من تغيير الأسماء وثبات المشروع
من المفارقات أن فكرة تغيير الاسم ليست جديدة في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية. فمنذ نشأتها في منتصف القرن العشرين، انتقل التنظيم بين عدة مسميات مختلفة، بينما بقي المشروع السياسي نفسه ثابتاً إلى حد بعيد. بدأت الحركة تحت اسم جبهة الميثاق الإسلامي في ستينيات القرن الماضي، متأثرة بفكر جماعة الإخوان المسلمين العالمية. ثم تطورت لاحقاً إلى الجبهة القومية الإسلامية التي قادت انقلاب يونيو 1989 واستولت على السلطة في السودان. بعد الانقلاب، تم حل التنظيم شكلياً وأُنشئت واجهته السياسية الجديدة باسم المؤتمر الوطني، الحزب الذي حكم السودان طوال فترة نظام الإنقاذ. وعندما وقع الانقسام الشهير داخل الحركة عام 1999 بين حسن الترابي وعمر البشير، انقسم التنظيم إلى جناحين: المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي. لكن رغم كل هذه التحولات في الأسماء، ظل المشروع السياسي واحداً السيطرة على الدولة عبر التنظيم وإعادة تشكيل مؤسساتها وفق مشروع التمكين الأيديولوجي. لقد تغيرت اللافتات، لكن المنهج بقي كما هو.
التمكين والإرهاب: جوهر المشروع
المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في الاسم، بل في المنهج السياسي الذي تبنته الحركة الإسلامية بعد وصولها إلى السلطة. فمنذ الأيام الأولى لانقلاب 1989، بدأت عملية إعادة تشكيل الدولة عبر سياسة عُرفت باسم التمكين. وقد قامت هذه السياسة على استبدال معايير الكفاءة المهنية بمعايير الولاء التنظيمي، وإقصاء آلاف الكفاءات من مؤسسات الدولة والجامعات والخدمة المدنية. لم يكن الهدف مجرد السيطرة على السلطة، بل إعادة بناء الدولة نفسها لتصبح أداة في يد التنظيم. وبمرور الوقت، أدت هذه السياسة إلى تراجع المهنية في مؤسسات الدولة، وتوسع شبكات الفساد السياسي والاقتصادي، وهجرة أعداد كبيرة من الكفاءات السودانية إلى الخارج. وهكذا لم تتآكل الدولة فقط، بل تآكل أيضاً رأس المال البشري الذي تقوم عليه.
حكم الشعب قبل حكم العقوبات
حين خرج السودانيون بالملايين في ثورة ديسمبر 2018، لم يكونوا ينتظرون قراراً من واشنطن أو عقوبات دولية. لقد أصدر الشعب السوداني بنفسه حكمه على تجربة حكم الإسلاميين. كانت تلك الثورة حكماً شعبياً واضحاً على نظام قام على الإقصاء واحتكار السلطة وادعاء تمثيل المجتمع باسم الدين. ولهذا فإن محاولة تصوير الأزمة الحالية على أنها نتيجة للعقوبات الدولية فقط تتجاهل الحقيقة الأساسية: المشروع الإسلامي فقد شرعيته داخل السودان قبل أن يواجه الضغوط الدولية.
وهم تغيير الاسم
من هنا تبدو فكرة حل الحركة الإسلامية شكلياً وإعادة تأسيسها تحت اسم جديد محاولة سياسية سطحية وساذجة. فالعقوبات الدولية لا تُفرض على الأسماء، بل على السلوك السياسي والشبكات التنظيمية التي تقف وراءها. كما أن المجتمع السوداني نفسه أصبح أكثر وعياً بتجربة العقود الماضية، ولن تنطلي عليه لعبة تغيير اللافتات، فتغيير الاسم لا يغير طبيعة المشروع. وعليه فإن هذا الطرح لا يكشف فقط عن سوء تقدير سياسي، بل عن سوء فهم لطبيعة الأزمة نفسها.
الدرس الذي ينبغي استخلاصه
ربما يكون الدرس الأهم الذي ينبغي أن تستخلصه الحركة الإسلامية من تجربتها في الحكم هو أن السيطرة على الدولة ليست الطريق لإصلاح المجتمع. لقد حاول الإسلاميون إعادة تشكيل السودان عبر السلطة، لكن النتيجة كانت إضعاف الدولة نفسها وتآكل مؤسساتها وتدمير جزء كبير من رأس مالها البشري ممثلاً في خمسة أجيال على مدى مائة وخمسين سنة. إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جديد يقوم على بناء الإنسان والمؤسسات، لا على إعادة إنتاج الصراعات الأيديولوجية تحت مسميات بديلة.
فالولايات المتحدة والمجتمع الدولي تنظر عند فرض العقوبات إلى الكيانات الفعلية التي تمارس السلطة أو تؤثر فيها، وإلى طبيعة علاقتها بالتنظيمات المصنفة، وليس إلى الاسم الذي تحمله تلك التنظيمات في لحظة معينة. ولهذا فإن الادعاء بأن حل الحركة الإسلامية شكلياً سيقنع المجتمع الدولي بأن حكومة بورتسودان منفصلة عنها هو في الحقيقة تبسيط ساذج لطبيعة آليات العقوبات الدولية.
أما الإسلاميون أنفسهم، فإن الطريق الأكثر واقعية أمامهم ليس تغيير اسم الحركة، بل مراجعة حقيقية لتجربتهم السياسية والاعتراف بأن المشكلة لم تكن في اللافتة التي حملها التنظيم، بل في المشروع الذي مثّلته تلك اللافتة. فالتاريخ لا يُخدع بالأسماء. وما لم يتغير المنهج، فإن تغيير الاسم لن يكون سوى محاولة أخرى للهروب من الحقيقة.
إن حلّ الحركة الإسلامية على الورق وتغيير اسمها لن يخدع أحداً. فحكم الشعب السوداني والعقوبات الدولية لا تُفرض على اللافتات، بل على المنهج والسلوك والشبكات التي تدير السلطة من خلفها. لقد جرّب السودانيون هذا الأسلوب من قبل حين تبدلت الأسماء من جبهة الميثاق إلى الجبهة القومية ثم المؤتمر الوطني، بينما بقي مشروع الإرهاب والتمكين كما هو. ولهذا فإن محاولة إقناع الشعب السوداني والعالم بأن المشكلة انتهت بمجرد تغيير الاسم ليست سوى إعادة إنتاج ساذجة للخداع السياسي نفسه. فالمجتمع الدولي، وقبله الشعب السوداني، لا يحاسب الأسماء، بل يحاسب التجارب. والتجربة التي دمّرت الدولة وأضاعت خمسة أجيال على مدى مائة وخمسين سنة لا يمكن أن تُمحى بلافتة جديدة أو بقرار تنظيمي سطحي.
melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

الجَبْهَةُ المَدَنِيَّة لابْتِنَاءِ السُودَانِ: مِنْ إدَارَةِ التَنَاقُضَاتِ الثَانَوِيَّةِ إلَى بِنَاءِ الدَوْلَةِ

الجَبْهَةُ المَدَنِيَّة لابْتِنَاءِ السُودَانِ: مِنْ إدَارَةِ التَنَاقُضَاتِ الثَانَوِيَّةِ إلَى بِنَاءِ الدَوْلَةِ The Civil Front for …