والسياسي: مقدمات (١-٤)

يمكن النظر السياسي و المثقف إليها من عدة زوايا اولا من من حيث الدور فالسياسي يسعى إلى السلطة، إدارتها، والحفاظ عليها. اهتمامه عمليّ ونفعي بالدرجة الأولى، مرتبط بتوازنات القوة والواقع اما المثقف فهو بشكل عام يبحث عن الحقيقة والمعنى، وينتج الأفكار والقيم والمعرفة. اهتمامه نقديّ وتنظيري، يميل إلى المبادئ الكلية والبعد الأخلاقي.

ومن حيث طبيعة العلاقة فقد تكون علاقة تكامل: المثقف يمد السياسي بالأفكار، والرؤية، والأفق التاريخي؛ والسياسي يترجم هذه الرؤى إلى سياسات عملية؛ او علاقة صراع حين يرى المثقف أنّ السياسي يفرغ الأفكار من مضمونها أو يستعملها لأغراض سلطوية، وحين يرى السياسي أنّ المثقف يعيش في برج عاجي بعيد عن الواقعية؛ او علاقة تبعية: أحيانًا يتحول المثقف إلى “مستشار دعائي” للسياسي، فيفقد استقلاليته ويصبح مجرد أداة تبريرية او علاقة نقد ومراجعة: في بعض التجارب الديمقراطية، يحافظ المثقف على موقعه المستقل كصوت نقدي يراقب أداء السلطة.

تاريخيا راينا في أوروبا تحالفات وصراعات، مثل دور “المثقفين العضويين” عند غرامشي الذين يخدمون طبقة اجتماعية أو مشروعًا سياسيًا. اما في في العالم العربي: العلاقة اتسمت غالبًا بالالتباس وكمثل فعبد الناصر اعتمد على مثقفين لتبرير مشروعه القومي، لكن كثيرًا منهم انقلبوا ضده بعد 1967. في العراق وسوريا، استُخدم المثقف كأداة بروباغندا للأنظمة. أما في تونس أو المغرب، فقد ظهر مثقفون نقديون لعبوا دورًا معارضًا مستمرًا.

هناك إشكاليات في هذه العلاقة أهمها الاستقلالية فهل يستطيع المثقف أن يبقى حرًا وهو قريب من السياسي؟ وبعدها الشرعية فمن يمنح المشروعية للآخر؟ هل الأفكار تبرر السياسات، أم أن السلطة تشرعن الأفكار؟ كما هناك المسؤولية الأخلاقية فالمثقف يُسأل عن صمته أو تواطئه، والسياسي يُسأل عن استغلاله للفكر.

العلاقة بين السياسي والمثقف ليست ثابتة، بل تتأرجح بين التحالف والصراع، بين الاستقلالية والتبعية. المثقف يحتاج السياسي لإيجاد مجال تطبيقي لأفكاره، والسياسي يحتاج المثقف لمنح شرعية ورؤية لمشروعه. لكن التوازن الدقيق يكمن في أن يحافظ المثقف على مسافة نقدية، بحيث يشارك في الشأن العام دون أن يتحول إلى بوق للسلطة.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …