خالد البلولة
(١)
اثار ملتقى الإعلام الذي انعقد في الخرطوم، ضحة كبيرة واعترض بعض الإعلامين على انتقائية المشاركين ،أن يحتمع الإعلاميين السودانيين، لمناقشة ما أحدثته الحرب من تمزق في الحباة السودانية أمر مهم وضروري.ومن أخطر المهام التي تقع على عاتق الإعلام السوداني،توثيق ما حدث في السودان؟؟
بعيدا عن أعين كاميرات القنوات الفضائية،هناك قرى ومدن ومؤسسات خدمية دُمرت،ومواطنون قُتلوا أو نزحوا،وممتلكات فقدت، ومرافق صحية وتعليمية وخدمية تعرضت للدمار والتخريب. وهناك انتهاكات وقعت في مناطق مختلفة،من السودان خاصة في قرى الجزيرة من ود النورة والهلالية وقرى تميول وجبل موية والفاشر والجنينة والابيض والكرمك وسنجة ومعسكرات النزوح في الدبة وغيرها ،كلها تحتاج إلى توثيق مهني دقيق يحفظ الوقائع والأسماءوالشهادات والصور والوثائق. فالاحداث الجسيمة التي وقعت في هذه الحرب. اذا لم توثق بصورة مهنية ،قد تتحول غداً إلى روايات متضاربة تضيع تفاصيلها،وقد يسعى البعض لإنكار ما حدث لتغيير الحقيقة أو إعادة صياغتها وفقاً لمصلحته..
(٢)
كنت أتمنى أن يكون من أهم مخرجات الملتقي (توصية عملية) بتبني مشروع وطني مهني مستقل لتوثيق مآلات الحرب، يشارك فيه كل المهتمين بالتوثيق في المؤسسات الإعلامية والصحفيون والمصورون والباحثون،ويتم ذلك تحت اشراف وتمويل الدولة لجمع وأرشفة كل ما يمكن جمعه من شهادات ووثائق وصور ومقاطع فيديو ومعلومات، لتوثيق الانتهاكات الممنهجة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع.
فمن واجب الإعلام أن يوثق كل ماحدث من انتهاكات وكل أشكال الدمار، الدي طال الحياة السودانية وأن يميز بين المعلومة الموثقة والادعاء،وبين الشهادة والدعاية.
في ظني (وبعض الظن خير) هناك تقصير أو تغافل رسمي عن توثيق كثير من الأحداث التي وقعت في المناطق التي اجتاحتها قوات الدعم السريع. ولا أعرف هل يرجع ذلك إلى ضعف الإمكانات والخبرة، أم إلى عدم إدراك أهمية التوثيق، أم إلى أسباب أخرى… (لست ادري) .فالدولة التي تريد أن تقدم روايتها عن الحرب، وتدافع عن مؤسساتها ومواطنيها، تحتاج قبل كل شيء إلى أرشيف موثق للحرب..
(٣)
ولعل تجربة د. عبد اللطيف البوني مع آخرين في توثيق «نكبة شمال الجزيرة» إلى تسجيل شهادات الناس ورصد ما جرى، تقدم نموذجاً مهماً لما يمكن أن يفعله الإعلام والمثقفون في هذه المرحلة…
لقد التقط البوني قفاز المبادرة،وبدأ في توثيق ما حدث،فلماذا لا نلتقط الحكومة القفاز نفسه ونذهب إلى القرى والمدن التي اجتاحتها الحرب، فتوثق ما تبقى من آثارها، ونسجل شهادات أهلها،وتدون أسماء الضحايا والنازحين،وتوثق المؤسسات التي دُمرت المستشفيات والمدارس ومرافق المياه والكهرباء والأسواق ودور العبادة، ونكتب قصص الأماكن التي تغيرت بفعل الحرب…هناك شهود عيان شاهدوا الحرب بام اعينهم اذا لم ندركهم ستموت شهادات برحيلهم …
اعتقد الأموال التي تنفق على ترتيب الحوار الجاري الأن والملتقى الاعلامي. كان اولى بها تنفيذ مشروع التوثيق او أن تخصص الحكومة جزء من عائدات الذهب (٢ مليون دولار) لتوثيق ما حدث؟ ،،فتكلفة التوثيق اليوم،مهما بلغت،أقل كثيراً من تكلفة فقدان الذاكرة الوطنية لما حدث..!
(٤)
فالمدينة التي خرجت من حرب بهذا الحجم تحتاج قبل الاعمار الي توثيق الدمار الذي طالها وحولها الي مدينة اشباح يجب تاجيل معالجة آثار الحرب، الي أن يتم الرصد والتوثيق.
ليس مطلوباً من الإعلام أن يرسم صورة سوداء عن السودان، كما أنه ليس مطلوباً منه أن يرسم صورة وردية لا تتطابق مع الواقع،.مهمة الإعلام أن يقول: هنا كانت قرية، وهنا كان مستشفى، وهنا كانت مدرسة، وهنا حدثت واقعة، وهنا فقد أناس حياتهم، وهنا نزح مواطنون،وهنا دمرت مؤسسة خدمية.
وأن يجمع الشهادات قبل أن يرحل أصحابها، وأن يحفظ الصور قبل أن تختفي، وأن يوثق المكان قبل أن تتغير معالمه.
ستنتهي الحرب يوماً ما ..لكن السؤال:
ماذا حدث في ١٥ ابريل في السودان ؟ ومن سيدفع ثمن الحقيقة إذا لم نوثقها اليوم؟؟
