وداعٌ خلف غمام المواجع “ليه غيبتي يالقمرة؟”

محمد صالح محمد
تتحجر الكلمات في الحناجر حين يصبح الليل وطناً ممتداً من الصمت وحين يغدو الأنين هو اللغة الوحيدة التي يتقنها القلب. هناك في ركنٍ منسيٍّ من أطراف الوجع يقف “زول” أتعبته المسافات وكسرته خيبات الزمن يرمق السماء بعينين ذبلتا من فرط الانتظار يسائل غياباً لا يرحم.

انكسار الضوء في روحٍ متعبة …
لم يكن غياب القمر مجرد ظاهرة فلكية بالنسبة له بل كان انطفاء لآخر شمعة في دهاليز روحه المظلمة. هذا الرجل الذي حمل على عاتقه جبالاً من الصبر السوداني الأصيل وجد نفسه فجأةً في عراء الفقد يواجه وحشة الطريق بلا رفيق.

كانت “القمرة” له أكثر من ضياء؛ كانت الأمل الذي يغزل منه أحلامه والسكينة التي تضمد جراح كدحه اليومي.
عندما اشتدّت العتمة لم يجد سوى صدى صوته يرتدّ إليه محملاً بمرارة السؤال الصادق والعميق “ليه غيبتي يالقمرة؟”.

حوار مع العدم …
في كل نأمة ريح وفي كل سكونٍ موحش يرتسم طيف الغائبين. يقولها بلسانٍ مثقل بالآه:
“يا قمرة هل ضاقت بكِ سماواتي فأثرتِ الرحيل؟ أم أن حزني كان من الكثافة بحيث غطى نوركِ القدسي؟”

إنها صرخة مبللة بالدموع تخرج من جوف إنسان عركته الدنيا حتى انحنى ظهره ليس كبراً بل حملاً لما لا يطيقه بشر. لقد فقد بوصلته وصار يتخبط في “عتمة” لا يكسر حدتها سوى ذكريات باهتة لوجوهٍ غابت وأمكنةٍ تبدلت وحياةٍ لم يبقَ منها سوى هذا النداء الحزين.

لماذا يوجعنا الغياب؟
الحزن العميق في قوله “ليه غيبتي” لا يكمن في السؤال نفسه بل في اليقين بأن الفجر قد يتأخر وأن الظلمة قد تصبح قدراً. هو حزن “الزول” الذي يرى عوالم أُلفته تتساقط واحداً تلو الآخر حتى لم يتبقَ له سوى القمر ليعاتبه وحين غاب القمر تساوى عنده الوجود بالعدم.

إن هذا النداء ليس مجرد استعطاف للضوء بل هو مرثية لروحٍ قررت أن تعتزل الضجيج وتكتفي بمناجاة السماء لعلّ خلف السحاب بصيصاً من أمل يعيد له وجه “القمرة” التي ضاعت في ليل التغريب والأسى.

الارتماء في حضن الصمت الأخير …
لم يعد هناك صدىً يُسمع سوى حشرجة الأنفاس المتعبة وهي تذوب في ليلٍ لا مطلع له. لقد جفّت المآقي حتى لم يعد للدمع مسار وبقي السؤال “ليه غيبتي يالقمرة؟” معلقاً كتميمةِ وجعٍ على جدار الروح المتشققة.

لم يكن رحيل القمر مجرد غيابٍ للنور بل كان إعلاناً صريحاً بأن العتمة قد استوطنت الدار وأن “الزول” الذي كان يقتات على ضوئها قد اختار أخيراً أن يغمض عينيه للأبد؛

ليس لينام بل ليهرب من حقيقة أن السماء لم تعد تعرف وجهه وأن القمر الذي كان يناجيه قد مضى إلى سماءٍ أخرى تاركاً وراءه حطام إنسانٍ وقصيدةً لم تكتمل وسؤالاً سيبقى يتردد في جوف الليل الموحش إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

لقد غابت القمرة وانطفأ معها آخر خيطٍ كان يربطه بالحياة ليصبح هو والظلام شيئاً واحداً.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

سَديمُ اليقينِ والمَسافة عن إحساسِ مَن يعبدُ رباً لم يَرَهُ

محمد صالح محمدثَمّة نوعٌ من الحزن لا يُشبه البكاء بل يُشبه الوقوف الطويل في محطةٍ …