وفاة 5 لاجئين سودانيين في مقار الاحتجاز المصرية خلال أشهر

القاهرة ـ «القدس العربي»: شهدت مصر خلال الفترة الماضية وفاة 5 لاجئين سودانيين أثناء احتجازهم في سياق حملة أمنية موسعة استهدفت اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، حسب ما قالت «منصّة اللاجئين في مصر» التي أعربت عن قلقها إزاء ذلك، ودعت إلى إجراء تحقيقات.

مطالبة بتحقيق عاجل

وجاءت حالة الوفاة الأخيرة، حسب المنصة، لملتمس اللجوء السوداني راشد محمد عباس، التي وقعت عقب فترة من احتجازه، وطالبت المنصة النيابة العامة بفتح تحقيق عاجل وشفاف وشامل في ملابسات وفاته التي وقعت في 23 مارس/آذار الماضي، وفق ما ورد في إفادات أسرته وعدد من المصادر الحقوقية.
وحسب المنصة، الإفادات الدقيقة التي جمعتها من عائلة عباس، وأصدقائه، ونشطاء حقوق الإنسان من المجتمع السوداني، لفتت إلى أنه كان مسجَّلالدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر بصفة ملتمس لجوء، قبل أن يتم إيقافه في الأسبوع الأول من مارس/آذار الماضي خلال حملة أمنية موسعة، في وقت كان خارج المنزل لشراء بعض الاحتياجات الأساسية لأسرته.
وفقًا للمصادر، جرى اقتياده إلى جهة غير معلومة دون أي تواصل مع ذويه أو محاميه، في مخالفة صريحة للضمانات القانونية الأساسية للمحتجزين بموجب القانون المصري والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها مبدأ الاعتراف بالشخصية القانونية، وحق الإبلاغ عن القبض، وحق الوصول إلى محامٍ.

ورم وجروح

وتفيد شهادات الأسرة بأن راشد كان يتمتع بصحة جيدة تمامًا قبل احتجازه، دون أي شكوى صحية ملحوظة أو معاناة من أمراض مزمنة أو حالات صحية معروفة، وأنه لم تُسجَّل أي حالة مرضية تُبرر تدهوره السريع لاحقًا.
وعند تسلّم الجثمان وفحصه المبدئي، لاحظت أسرته وذووه تورمًا واضحًا في يده وقدمه وجروحًا متفرقة في أنحاء الجسد، إلى جانب ضمادات ملفوفة حول قدمه اليمنى دون توضيح سبب هذا التضميد أو ظروفه، وهذه الآثار الجسدية المُصوَّرة تتماشى مع إفادات الأسرة والناشطين، وتدعم شبهة تعرضه لسوء معاملة وتعذيب في أثناء احتجازه، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية السريع في ظل حرمانه من أدنى أشكال الرعاية الطبية الملائمة.
وبينت أن السلطات المصرية لم تخطر أسرة راشد بوضعه الصحي أو ظروفه إلا بعد وفاته، دون أن تُبلَّغ مسبقًا بنقله إلى مستشفى أو توضيح حالة طارئة، ولا أن تُمنح فرصة لمرافقته أو متابعة وضعه العلاجي، كما لا تزال أسرته تجهل مكان الوفاة بدقة، إذ لا توجد تقارير موثقة توضح إن كانت الوفاة حدثت في مقر الاحتجاز نفسه، أم أثناء نقله إلى المطار لترحيله قسرا تحت مسمى «العودة الطوعية» أم داخل مطار القاهرة، بينما أشارت ما تسمّى بـ«لجنة الأمل للعودة الطوعية» إلى أن الوفاة وقعت في مطار القاهرة في أثناء ترتيبات رحلة ترحيلية إلى السودان، وهو ما تناقضه رواية الأسرة وغالبية المصادر الحقوقية التي تشير إلى تعرضه للتعذيب في مقر الاحتجاز قبل نقله.

منصة اللاجئين تطالب بالتحقيق… ووقف حملات الاستهداف

ولفتت المنصة إلى أن الأدلة والصور التي جرى تبادلها تشير إلى وجود كدمات واضحة على جسد الفقيد، وحالة الجروح وطريقة التضميد توحي بإجراءات عنيفة تعرض لها خلال فترة احتجازه، وليست بحالة مرض عرضية، وإلى إصدار النيابة العامة المصرية أمرًا بفحص الجثمان من الطب الشرعي قبل إصدار تصريح بالدفن، إلا أن الأسرة لم تحصل حتى الآن على تقرير كامل وشفاف يوضح سبب الوفاة، أو يوضح إن كان هناك تأثير مباشر لسوء المعاملة أو التعذيب، ما يعزز الشبهات الجدية حول ظروف احتجازه وملابسات وفاته، ويُضعِف الثقة في إجراءات المتابعة والشفافية.
وشددت على أن هذه الوقائع تمثل نمطًا مقلقًا من الانتهاكات بحق اللاجئين وطالبي اللجوء، بما فيها الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، وحرمان الأسرة من التواصل أو الزيارة، وغياب الرعاية الصحية، واحتمالات التعرض للتعذيب، ثم الوفاة في ظروف غامضة.
ونقلت عن ذوي عدد من اللاجئين وطالبي اللجوء المحتجزين في مراكز وأقسام مختلفة، ما يفيد بحرمانهم من التواصل مع أسرهم أو تمكينهم من الزيارة، وأحيانًا لم يُفصَح للأسر عن مكان الاحتجاز الدقيق، ما يثير شبهة وجود ممارسات تنطوي على قيود غير مشروعة على حقوق المحتجزين.
وقالت إنه لا يمكن قراءة واقعة وفاة راشد محمد عباس بمعزل عن الحملة الأمنية غير المسبوقة التي انطلقت في ديسمبر/كانون الأول الماضي واستمرت بتصاعد حاد خلال الربع الأول من العام الجاري.
وأظهرت أعمال الرصد والتوثيق التي قامت بها المنصة خلال هذه الفترة أعدادا ضخمة من حالات التوقيف خلال مدد زمنية قصيرة وصلت لأكثر من عشرة آلاف حالة في الربع الأول من العام الجاري، ضمن حملات أمنية موسعة استهدفت اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، دون مبرر قانوني واضح، ما يضعف الحماية القانونية المقررة لهم وفق القانون المصري والاتفاقيات الدولية التي لها حكم القانون بنص المادة 151 من الدستور المصري.

توقيف عشوائي

وتناول تقرير المنصة كيف توسعت السلطات في التوقيف العشوائي القائم على معايير عنصرية وتمييزية، من خلال استهداف الأفراد بناءً على المظهر العرقي أو الجنسية، وخاصة السودانيين الفارين من النزاع المسلح، دون مراعاة لوضعهم القانوني بوصفهم لاجئين أو ملتمسي لجوء، وكيف يستمر احتجاز ملتمسي اللجوء واللاجئين رغم صدور قرارات قضائية بإخلاء سبيلهم، بذريعة إحالة القرار النهائي لـ«الجهة الإدارية» ما يؤدي عمليًّا إلى الالتفاف على قرارات الإفراج ويحوّل أقسام الشرطة إلى أماكن احتجاز غير قانونية، ويشكل خرقًا صارخًا للضمانات الدستورية المتعلقة بالحرية الشخصية والحقوق القانونية للمحتجزين، والتفافًا على قرارات الإفراج عنهم.
وتناول حالات الوفاة التي سبقت واقعة وفاة راشد عباس، ففي 5 فبراير/شباط الماضي توفي اللاجئ السوداني مبارك قمر الدين أبو حوة داخل قسم شرطة الشروق، بعد احتجازه في ظروف وصفَتها الأدلة بالمُهينة وغير الإنسانية، مع ورود مؤشرات قوية على إهمال طبي جسيم وعدم تلقيه الرعاية اللائقة رغم معاناته من أمراض مزمنة، وفي 12 من الشهر نفسه توفي المراهق السوداني النذير الصادق داخل قسم شرطة بدر بعد احتجازه لمدة قاربت 25 يومًا.
وحسب المنصة، شهد يوم 27 فبراير/شباط الماضي، وفاة الطالب الغيني أبوبكر سافاني داخل أحد مراكز الاحتجاز في العاصمة المصرية القاهرة، وشهد 14 مارس/آذار الماضي، وفاة حالة أخرى، «ص.م» لاجئ سوداني، الذي كان محتجزا بقسم شرطة بولاق الدكرور.
وكانت النيابة العامة قد أصدرت قرارًا بإخلاء سبيله، إلا أن الجهة الإدارية أصدرت قرارًا بترحيله، ما ترتب عليه استمرار احتجازه حتى تاريخ وفاته في 14 مارس 2026، وكان المحتجز يعاني من مرض السكري، وقد تدهورت حالته الصحية أثناء فترة احتجازه، إذ أصيب بخُرَّاج في يده، ولم يتلق الرعاية الطبية اللازمة في الوقت المناسب. ورغم نقله إلى المستشفى قبل وفاته، إلا أن حالته الصحية كانت قد تدهورت بشكل بالغ نتيجة عدم حصوله على العلاج اللازم خلال فترة احتجازه، قبل أن توافيه المنية. هذا إلى جانب حالات سابقة أخرى، مثل وفاة اللاجئ السوداني مجاهد عادل محمد أحمد داخل قسم شرطة ثالث أكتوبر (المعروف بقسم شرطة الأهرام) مساء الجمعة 8 أغسطس/آب 2025، في ظل ظروف مشابهة من الاحتجاز المطول وغياب الرعاية الطبية، كما وثَّقته التحقيقات السابقة الصادرة عن «منصة اللاجئين في مصر»
وطالبت المنصة بالتحقيق في واقعة وفاة راشد محمد عباس، وفتح تحقيق جنائي شامل في ملابسات التوقيف والاحتجاز والوفاة، مع استدعاء مأمور القسم المختص والضباط المسؤولين عن القوة الأمنية التي قامت بالضبط.
كما دعت إلى ندب لجنة من مصلحة الطب الشرعي لإجراء تشريح دقيق للجثمان، مع التركيز على آثار التعذيب أو الإصابات البدنية التي قد تكون نتجت عن سوء المعاملة، وتحديد مدى وجود إهمال طبي في تقديم الرعاية العاجلة. وطالبت بالمراجعة الفورية لجميع حالات اللاجئين وطالبي اللجوء المحتجزين تحت مسمى «الجهة الإدارية» بعد صدور قرارات إخلاء سبيلهم من النيابة، وإطلاق سراحهم فورًا ما لم تثبت إدانتهم في جرائم جنائية، وتفعيل دور أعضاء النيابة العامة في إجراء تفتيشات دورية ومفاجئة على أقسام الشرطة (خاصة الأقسام التي تقطن فيها مجتمعات اللاجئين بأعداد كبيرة) للتحقق من مطابقة ظروف الاحتجاز للمعايير الإنسانية الواردة في الدستور وقانون السجون.
وطالبت المنصة بإصدار تعليمات مشددة لجهات الضبط بضرورة الاعتداد بوثائق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين باعتبارها إثبات شخصية قانونيا يحمي صاحبه من الاحتجاز التعسفي، والتحقيق في وقائع مصادرة أو إتلاف هذه الوثائق، والوقف الفوري لكافة إجراءات الترحيل القسري للسودانيين إلى مناطق النزاع، التزامًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية والاتفاقيات الدولية المنظمة لحقوق اللاجئين.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة يلتقي بقائد قوات الدعم السريع حميدتي في نيروبي، ومنسقة الشؤون الإنسانية تعود للخرطوم

قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بيكا …