وقفات مع سيرة حريز وآله 2/2

بقلم: خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com

لعلّ أول ما يلاحظه القارئ في هذا الكتاب من أول وهلة، هو ذلك المنهج الأكاديمي الصارم الذي ألزم به الكاتب نفسه في تأليفه. ولعلّ تفسير ذلك هو غلبة صنعة التدريس الجامعي، وعالم البحث الأكاديمي الذي ظل المؤلف منغمسا فيه إلى أخمصه لعقود طويلة.
يدلّك على ذلك أنّ المؤلف قد جعل لمذكراته مقدمةً، وختمها بخلاصة وتوصيات في نهايتها، كما أثبت فيها قائمةً بالمراجع، إلى جانب ثبت بأسماء الأماكن، وآخر بأسماء الأعلام التي وردت فيها.
إنّ ذلك الصنيع – على حسنه -ليس بالمعهود حقاً في كتابة المذكرات الشخصية على كل حال، ولكنه يظل معطىً إيجابيا يُحسب للمؤلف، لأنّ من شأنه أن ييسر على القراء والباحثين، أمر البحث والاستقصاء عن أية أشياء معينة قد يريدونها في الكتاب.
ولكن هل جاء ذلك على حساب التداعي الحر، والإسماح والأريحية في السرد، التي تسم أسلوب المذكرات عادةً ؟.
وبهذه المناسبة، أذكر أنني قد نشرت مقالاً من عدة حلقات، بعد فراغي من مطالعة مذكرات الشيخ بابكر بدري 1861 – 1954م، على إثر صدورها لأول مرة في مجلد واحد، من الدار السودانية للكتب بالخرطوم قبل بضعة أعوام. وقد أعربت عن أملي، بل دعوت بالفعل في مقالي ذاك، إلى قيام هيئة من باحثين أكفاء متعددي التخصصات، لكي ينهضوا بأمر تحقيق ذلك السفر الجليل، بل تلك الموسوعة الضخمة، تحقيقاً شاملاً، لغوياً، وتاريخياً، وإثنولوجياً ، وفولكلورياً، وسيرياً ، أي بمعنى التعريف وتسليط الأضواء على أسماء الأعلام الكثيرين الذين ذكرهم بابكر بدري في مذكراته، والترجمة لهم بصورة وافية، لما في ذلك من فوائد علمية وبحثية جمّة ومؤكدة. كما أذكر أنني قد كررت ذلك الرجاء نفسه لاحقاً، للعميد الحالي بروفيسور قاسم بدري، متعه الله بالصحة والعافية.
عقد المؤلف فصلاً، هو الفصل الأول من هذا الكتاب، للحديث عن الاسم العائلي ” حريز ” داخل السودان وخارجه، ومضمون هذا الفصل هو أن الكاتب صاحب السيرة، قد لاحظ وجود اللقب ” حريز “، منتشراً على نطاق واسع داخل السودان وخارجه كذلك، في بلدان مثل مصر، وبعض دول شمال إفريقيا، ودولة الإمارات العربية المتحدة التي عمل بها واحتك ببعض أهلها.
بيد أنّ المؤلف لم يشأ أن يستقصي لنا ، عما إذا كانت هنالك علاقة قربى سلالية ورحمية مؤكدة، تؤيدها بينات موثقة يُركن إليها مع أولئك الحريزيين أو الحريزات الآخرين، أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد اشتراك عرضي في اللقب ” حريز ” بوصفه اسماً عربياً علماً، يجوز أن يكون موجوداً في عدد من البلدان، وداخل عدد من المجموعات العربية، مثله مثل حسن وحمد وغانم، التي كثيرا ما تنسب اليها أسماء عشائرية تتشابه إلى درجة التطابق بين الأقطار العربية، دون أن تكون بينها صلات قربى رحمية بالضرورة. وهكذا قد تجد حساونة او حسنات وحوامدة او حمدة وغنيمية او غوانمة على التوالي مثلا، وبنفس الصيغة في أكثر من بلد عربي، دون أن يكونوا أقارب ضربة لازب. وتلك لعمري واحدة من المسائل التي ينبغي أن يتنبه لها الباحثون في مجالي التاريخ والاثنولوجيا عموما.
على أنّ من المستغرب حقاً، ألاّ يذكر المؤلف – ولو عرضاً – أن الحريزاب هم بطنٌ من بطون قبيلة الجموعية، كما يقول المهتمون بالأنساب في السودان، لكي ينطلق من ذلك فيشير مثلاً، وعلى سبيل الاستطراد والتوسّع، إلى أن سكان خرطوم ما قبل المهدية، كانوا يتألفون من ثلاث قبائل رئيسية بصفة أساسية هي: المحس، والجموعية، والزنارخة البكريين أو المشايخة. وأن هذه المجموعات الثلاث، متداخلة ومتصاهرة ومتجاورة في السكن. تجدهم معاً في الفتيحاب، وأبو سعد، وتوتي ، والبراري، والجريفات إلى يوم الناس هذا.
وبالطبع فقد التحقت بهم مجموعات سكانية كثيرة أخرى، من شتى أصقاع السودان ومن خارجه أيضا لاحقا.
وربما كان السبب من وراء إضراب المؤلف صفحاً عن ذكر خلفيته القبلية خاصة بالتفصيل، علاوةً على طبعه الذي يتسم بالتواضع والحياء جبلة فيه، وبعده عن صفات الغرور والتبجح عموماً، هو كونه شخص مدينيّ متحضر، لانه نشأ وترعرع في حي بُري العريق بالعاصمة الخرطوم، في أسرة أرستقراطية من الطبقة المتوسطة العليا، راسخة في المدنية والتعليم. ولذلك فلعله لا يهتم بما يهتم به أبناء الأرياف والبوادي، بما يعرفون به عادةً من فضول وإلحاح، وتنقير مفرط في مثل هذه الأمور في معظم الأحيان.
لقد ذكّرني بيان المؤلف لما تمتلكه عشيرتهم ” الحريزاب ” ببري، من ضياع وأراضٍ وأملاك وعقارات وجروف ومزارع وأطيان في منطقة الخرطوم الكبرى وغيرها، بما في ذلك على سبيل المثال: الجرف الواقع شمال فندق غرين فليدج، والجرف شمال كلية الهندسة والعمارة بجامعة الرباط الوطني، والجرف شمال واجهة وزارة التربية والتعليم المطلة على شارع النيل وخلافه ، ذكّرني بما سبق أن حدثني به صديق لي ” برّاوي ” عريق أيضاً، وواسع العلم والاطلاع في مختلف ضروب المعرفة، بما في ذلك دقائق حقائق التاريخ الاجتماعي للعاصمة المثلثة وأريافها، هو الأخ الأستاذ حسن غفاري، حفظه الله وأسرته حيثما كانوا، وهو من أبناء بُرّي اللاماب، من أنّ الساقية المواجهة للقصر الجمهوري نفسه، تقوم على أرض جدّة له اسمها ” الست بتّ نقر الشول “. وأظنه ذكر أن نقر الشول هو لقب لأحد أولياء المحس القدامى بالخرطوم.
ومن حسن غفاري – والشيئ بالشيء يُدكر – علمت أن اللاماب وهم رهطه، هم قبيل من الرباطاب، قدم سلفهم محمد اللام من دار الرباطاب بشمال السودان إلى الخرطوم الكبرى، فسكن مع أهلها الأقدمين وجاورهم وأصهر إليهم، فخرجت من سلالته عشيرة اللاماب المذكورة.
تطرق المؤلف إلى ملمح سوسيولوجي مهم، ألا وهو ارتباط سكان البراري عموماً، بالمصالح الحكومية تاريخياً، وانخراط الكثيرين من أبنائها بالعمل فيها، وذلك بحكم الجوار والقرب الجغرافي بصفة أساسية. ويشار من بين ذلك خصوصأ إلى كلية غوردون التذكارية، وثكنات الضباط والجنود البريطانيين ( البركس )، وغيرهما من المصالح والمرافق الحكومية، على نحو ما فصّل الكاتب ذلك تفصيلاً ضافياً في المذكرات.
وهنا تحضرني معلومة أفادني بها أحد أعمامنا من سكان أم درمان القدماء، مفادها أن الكثيرين من أهل البراري في السابق، من فرط احتكاكهم وتعاملهم مع الإنجليز، في العمل والسوق وخلافهما، كانوا يتحدثون الإنجليزية بطلاقة مذهلة، من دون أن يتعلمها معظمهم في المدارس. فهل يا ترى تأثر أستاذنا بروف سيد بهذا المناخ الانجلوفوني الغامر، الذي اكتنفه منذ زمان مبكر، فدفعه إلى أن يكون من دارسي اللغة الإنجليزية والمبرزين فيها في كلية الآداب بالجامعة لاحقا ؟.
شدّني للغاية، السرد المشوّق الذي وصف به المؤلف، رحلته وهو طالب في مطلع مسيرته بجامعة الخرطوم إلى جنوب السودان، ومن هنالك إلى العاصمة الأوغندية كمبالا، رفقة زميليه وصديقيه الحميمين، أستاذنا الدكتور علي عبدالله عباس، وأستاذنا البروفيسور أحمد عبد الرحيم نصر، حياهما الله ومتعهما بموفور الصحة والعافية، واستوقفني فيها بصفة خاصة، اهتمام مسؤولي الإدارة المحلية بالجنوب آنئذٍ بهم، وحرصهم على سلامتهم وراحتهم. ولعل تعليل ذلك، هو قلة عدد الطلاب الجامعيين في السودان في ذلك الوقت من أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن الماضي، وهو الأمر الذي جعلهم يتبوؤون مكانة سامية داخل المجتمع، حتى أنهم كانوا كثيراً ما يوصفون بأنهم صفوة الصفوة، أو The cream of the cream كما كان يدللهم أساتذتهم !.
وأما معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، الذي أفرد له المؤلف مساحةً واسعةً في مذكراته، فلقد كان وما يزال بالنسبة لي لحسن الحظ، بمثابة معهد أم درمان العلمي بأم درمان بالنسبة للشاعر العبقري: التيجاني يوسف بشير الذي قال في حقه:
هو معهدي ومحطّ عهد صبايَ
من دارٍ تَطَرّقُ عن شبابٍ نابهِ
فبه درست ما شاء الله لي أن أدرس، وفيه عرفت خيرة الأساتذة، وخيرة الزملاء والزميلات، والموظفين والعاملين والإداريين، آخرهم أخونا الفاضل ، وابن دفعتنا الإداري المرموق الأستاذ محمد القاسم حاج موسى، مدير قاعة الشارقة قبل بضعة أعوام.
كما شهدت بذلك المعهد العريق، وخصوصاً بقاعة الشارقة التي خصها المؤلف بمجال ملحوظ في مذكراته أبضاً ، عدداً كبيراً من الفعاليات العلمية والثقافية والفنية، متابعاً ومشاركاً لسنوات عديدة.
وهكذا يمضي بنا المؤلف في استعراض مسيرته الباذخة والثرية حقا، متوقّفاً وقفاتٍ مليّة ومتأمّلة، في جميع تلك المعالم والمحطات التي اتخذ منها عناوين جانبية لفصول سفرة المفيد والممتع معاً.
على أنّ من حق أستاذنا علينا في الختام، أن ننبهه إلى بعض الهنات والأخطاء الطفيفة، التي لاحظناها هنا وهناك في بعض المواضع بالكتاب، مثل الخطأ في الاسم الرسمي لجمهورية السودان، الذي ظهر في أكثر من فقرة هكذا ” جمهورية السودان الديموقراطية “، وهو كما هو معروف، الاسم الذي أطلق على البلاد منذ قدوم حكومة الخامس والعشرين من مايو 1969م، وانتهى وبطل استخدامه بسقوطها في السادس من أبريل 1985م، حيث أستعيد الاسم الرسمي القديم للدولة منذ استقلالها ” جمهورية السودان ” فقط وما يزال، من دون إضافة أي نعت أو صفة.
كذلك لاحظت خطأ في كتابة تاريخ ثورة أكتوبر المجيدة، ذلك بأنه قد كُتب على أنه 21 أكتوبر 1969م، بينما الصحيح هو 21 أكتوبر 1964م، فكأنه قد تم الخلط والالتباس بين ثورتي أكتوبر 1964م، و25 مايو 1969م.
وإلى جانب ذلك، هنالك أيضا بعض الأخطاء الطباعية والتنسيقية القليلة الأخرى، التي ينبغي الانتباه إليه في الطبعات القادمة بإذن الله، بإعادة إخضاع النص للمراجعة والتدقيق مجدداً ، وذلك حتى يخرج هذا العمل الجليل في أبهى حلة ممكنة، والله وليُ التوفيق.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

بقى ليك بمبي

د. خالد محمد فرح ما اشتهر مقطع من الغناء السوداني على مستوى العالم في تقديرنا، …