وقفة مع الذات السودانية! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
24 أبريل, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
43 زيارة
لو شئنا الصراحة.. لقلنا إننا نفتقر إلى الشعور بتكامل أقاليم الوطن في مجموعها، ولا نكاد نشعر في ما نسميه (المركز أو الوسط) بأوضاع وظلامات أهل الأقاليم بالقدر الكافي؛ وهذه (قصة طويلة) لا يمكن أن نغمض عيوننا عنها فتصبح غير موجودة! وقد كانت مأساة دارفور واحدة من الأمثلة الموجعة التي كشفت لنا هذا النقص والقصور، فقد تسبّبت في هذه الأزمة (بلاوي حاضرة) نتيجة للسياسات المعتلّة والشخوص المريضة ولكن كانت هناك أيضاً أخطاء قديمة! فقد ظللنا طوال سنوات الحكم الوطني وفترات (ديمقراطياته القصيرة) و(عنجهياته الطويلة) نفتقر إلى البصر الحكيم والبصيرة النافذة في إعداد المناهج والسياسات الإدارية والإقتصادية والتعليمية والثقافية التي تبني الشعور الوطني المتكامل الذي يجعل دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل والأزرق وشرق السودان وأقصى الشمال أقرب إلينا من فسطين ومن تلال (البوسنة والهرسك)!
وعندما نقول ذلك لا نغفل عن الحق الفلسطيني والحقوق التاريخية ولا الواجب الديني ولا المشاعر الإنسانية والواجب الاخلاقي في مناصرة التحرر والوقوف إلى جانب المظلومين ومناهضة الهيمنة في كل مكان، ولكن نحن نتكلم عن حقوق الوطن علينا.. والبداهة الغريزية والفطرية تقول أن الوطن هو الأولى بالإهتمام والولاء والأولوية، ثم بعد هذا تنساب الدائرة للجوار والإقليم والمنطقة والشركاء في المصير الإنساني. ولكننا (نعكس الآية) بل نجلب علينا السخرية؛ فقد جعلت بعض مناهجنا وإعلامنا أبناءنا وبناتنا صغارهم وكبارهم يجهشون بالبكاء وينظمون القصائد ويسرعون بالتبرعات عندما تأتي (سيرة غزة) ولكنهم لا يهتزّون لمأساة مواطنيهم في أطراف السودان وهم يتعرّضون لنكبات أكبر مما يتعرّض له الآخرون! (بالمناسبة: نسبة الأمية في فلسطين 3%)!
ونشهد كثيراً من المفارقات حيث نرى الحماسة في جمع الغذاء والكساء والدواء لإرساله (خارج الحدود) بل بناء المشافي لأقطار أخرى! في حين أن أهل الدار هنا يحتاجون بإلحاح أكبر الي الغذاء والكساء والدواء والمشافي؛ ولا تقل لي أن هذا هو الإيثار الإنساني و(الكرم الفياض) فهذا ما لا تقره العقلانية ولا حتى الشرائع الدينية والوضعية التي تجعل الأولوية في كل الحالات (وحتى في الزكاة) لمن حولك من الأهل والأقارب وأهل الحي وشركاء الوطنية؛ خاصة عندما يكون الوطن وأهله أحوج الى مواردهم من الآخرين! مع العلم بأن هناك أكثر من مليوني مواطن من أهل دارفور يعيشون خارج ديارهم، ولا تزال مناطق أخرى في السودان تفتقر إلى الأمن وإلى أسباب الحياة، ولا يزال شرق السودان يعيش وكأنه في (غياهب العصور الوسطى)! ودع عنك من كانوا يتحدثون بإسم الشرق بالأمس ثم اندغموا في (رفاهيات المركز) واشتغلوا بافتتاحات المهرجانات وتزيين أسوار المدن الرياضية في الخرطوم!
القضية كبيرة لأنها تتعلق بالتكامل الوطني والتجانس القومي وتمتين الوحدة الوطنية التي تجعل كل إقليم سوداني وكل مجموعة سودانية في بوتقة واحدة، إذا تداعى منها جانب تداعت له الأخرى بالسهر والحمى.. وغفر الله للإعلاميين والصحفيين الذين يصرّون على أن قضية دارفور قد إنتهت و(طويت صفحتها) وهم يعلمون بأن قطاعات غالبة من مواطنيها بنسائهم وأطفالهم يتشردون ويترعرعون ويكتهلون ويموتون في متاهة المعسكرات!
murtadamore@yahoo.com