بعد اغتراب 33 سنة رجعت للسودان، وهي سنة الحياة (مهما طال الغياب لابد من الرجوع للأهل والصحاب ). وتعجب كثيرون من الاهل والصحاب للعودة المبكرة، هذا قياسا على بعض اغتراب الذين ابتلعتهم بلاد الاغتراب، ونسوا الأرض والتراب والأهل والصحاب. المهم السؤال كان عن كيف حالة ودرجة الاستقرار بعد تلك المدة الطويلة. والاجابة واضحة وضوح الشمس لا تحتاج الى شرح او ذكاء. فحالة الاستقرار صارت مرتية، بعيدة المنال، لا سيما في الظروف الحالية التي سميتها حالة الاستغراب، وهي مرحلة تسبق الاستقرار. فالسودان بعد تلك السنوات التي قضيناها في ترابه (الموحد) اختلف كثيرا، ولعل السنين قد عملت عملتها في (البيئة) السودانية الاصيلة، وعوامل كثيرة بدأت تعري السودان من هيئته السابقة التي عهدناها وخبرناها عنه. سودان اليوم لم يعد كسودان الامس الذي عرفتموه يا سادة، وبخاصة انتم اهل الاغتراب الذين طالت غيبتهم عن التراب، فالتراب لم يعد التراب اولا كما اسلفنا. والناس ليسوا هم الناس، واسلوب الحياة لم يعد هو نفس الاسلوب وقيم واخلاق السودانيين وعرفهم ونبلهم الاصيل كثير من ذلك شرف (احمد شرفي والبكري وفاروق وحمد النيل) وغيرها من المدافن، وذهب مبكيا علىه وعلى شبابه، بل ربما لم يجد من يبكي عليه ويستغفر له او يدعو له بدعاء.
لعنة كبيرة اصابت السودان وأهل السودان وتراب السودان وقيم السودان واخلاق السودان، السودان الذي اصبح (عفريتة) مشوهة المعالم، مسخا ممسوخا. ما هو ذلك السودان الذي عهدنا به لمن فضل الاقامة و (الصمود) فيه. حالة استغراب شديدة اعترتني مذ وطأت قدماي ارض الوطن الكسيح، الذي يتخبطه مس (الانسان) وليس مس الشيطان، وتذكرني مقولة شيخ طاعن في السن قال لي معلقا لما ابديت من حالة الاستغراب:
الجن بيتداوى كعب الاندراوة
ولو كان حال السودان مس من الشيطان فالدواء والعلاج من مس الشيطان معلوم ومقدور عليه ومتوفر، لكن حال السودان مس من مس الانسان. الانسان السوداني الذي تغيرت عنده المعايير والقيم والعرف، فكفر بما كان متعارف عليه من تلك القيم والمعايير والأعراف والخصال والاخلاق الحميدة. وعندما نتحدث عن الانسان السوداني فان المقصودين هم اولئك من (ارتدوا) عن تلك القيم وليس المقصود بشعب السودان الذي قد تأثرت فئات كثيرة منه بتلك التغييرات التي احدثتها تلك الفئة التي اصابت السودان بمسها وسحرها.
ستجد نفسك ايها المغترب غريبا في وطنك، ستجد اناسا من بني جلدتك وجنسك، يتحدثون لغتك وفي كل شئ مثلك الا ان تعاملهم ولهجة تخاطيهم وفكرهم وطريفة تفكيرهم ومعالجتهم للامور تختلف تماما عن منهجك الذي الفته واسلوبك الذي عرفته طريقتك التي اتبعت وعرفك الذي خبرته وتعارفت مع الناس عليه، لهجة غريبة في كل شئ في الحساب والجغرافيا والتاريخ والاقتصاد واقتصاد السوق ، فضلا عن السياسة و (التسييس). ستجد عملتك غريبة الجنيه الذي الفته الذي كان في ما مضى خادما مطيعا بين يديك، تجده قد استعصى وتأبى وعاجزا عن تلبية طلباتك، دائما مقهور في السوق وفي كل المحافل الاقتصادية،في المحال التجارية وفي سوق الأراضي، سوق السيارات، العقارات، التعليم والعلاج وفي كل اقتصاديات السوق. ستجده عاجزا عن خدمتك وتلبية رغباتك وتحقيق امنياتك، ومهما حملت حقائبك من اموال فانها بمعيار وحساب اليوم لا تساوي شيئا. كم تركت سعر الاراضي وكم تركت سعر العربية (السيارة)، كم تركت سعر البيوت وسعر الشقق؟؟؟؟؟؟ كم وكم، ومهما اوتيت من قوة الحساب فانك لن تستطيع استيعاب الأرقام الفلكية الجديدة التي خلقها وخلفها مس الانسان للسودان.
اما المعيشة فحدث ولا حرج، فالاستغراب ثم الاستغراب ثم الاستغراب، تنظر الى الارفف في البقالات والسيوبر والهايبرماركت ترى العجب (لا معدوم في سوق الخرطوم) وكانك في قلب الرياض حاضرة السعودية لا رياض السودان. فالارفف مكتظة ومكتنزة بكل ما لذ وطاب من السلع الاجنبية المستوردة بالدولار، وترى الناس (فئات معينة ومحدودة) تتسوق بكل يسر تحسب معه ان الاسعار عادية، ولكن للمواطن العادي فان (قدر ظروفك) هي الاقتصاد الذي يعرفه، وأبسط سلعة هي حليب البودرة الذي يساوي كيس عبوة 2250 جرام حوالى 160 جنيها (160 ألف جنيه)، وفي مراكز البيع المخفض (وهي اشاعة) يباع للمواطن (فلت) بالرطل الذي لايزال يكال ويوزن به رغم ان العمل بالكيلو قد بدأ منذ مدة ليست بالقصيرة. عموما صارت (قفة الملاح) بالنسبة للمواطن ذي الدخل المحدود (المهدود) هما كبيرا، وصار الناس يتهكمون من مقولة (السودان سلة غذاء العالم العربي)، وهم على حق، لأنه لابد ان يتحقق الامن الغذائي والاكتفاء الذاتي و يشبع الناس حتى يتمكنوا من تصدير الفائض الى دول الجوار.
هذه نظرة للواقع في السودان بحذافيره وليس فيها مبالغات او مغالاة، أو مثقال ذرة من التشاؤم، وهي الصورة الحقيقية لما يجري في السودان، سميت هذه المرحلة بالنسبة لي مرحلة الاستغراب. وهي تشبه الصدمة الحضارية، الا أنها عكسية بدون شك. فالسودان قبل 33 عاما كان بحمد الله افضل بكثير من دول الاغتراب من نواح عدة أولها الحالة الاقتصادية والمعيشية، فضلا عن مسألة القيم والاخلاق والمثال الرفيع والقدوة الحسنة. وسأوالي لكم باذن الله كتاباتي عن حالة الاستغراب التي يعيشها كل سوداني غاب كثيرا عن وطنه وعاد بنية الاستقرار في ارض الجدود.
aliahmayd@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم