وهم “النموذج الأمريكي”
د. فؤاد زكريا ونقد أساطير النهضة الجاهزة
د. محمد عبدالله
حين نعيد قراءة العرب والنموذج الأمريكي للراحل الدكتور فؤاد زكريا اليوم، لا نطالع كتابًا في “صورة أمريكا لدى العرب” فحسب، بل نصًا يقترح، بهدوء محسوب، تفكيك واحد من أكثر الأوهام رسوخًا في وعينا الحديث: أن ثمة نموذجًا جاهزًا يمكن استعارته، أو استنساخه، أو حتى اللحاق به عبر تقليد متأخر.
زكريا لا يبدأ من الحكم، بل من السؤال. كيف نشأت هذه القوة التي نُسميها أمريكا؟ ولماذا تبدو، في المخيال العربي، أقرب إلى المثال منها إلى التجربة التاريخية؟ هنا، تتبدد اللغة الحماسية، ويحل محلها تحليل بارد، يكاد يكون جراحيًا.
يذكّرنا الرجل بأن الولايات المتحدة لم تولد في ظروف قابلة للتكرار. لقد نشأت في قارة مفتوحة — “بكر” بالمعنى الاستعماري — وفي لحظة كان فيها العالم القديم يستهلك نفسه. بعد الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، خرجت أوروبا منهكة، فاقدة لتوازنها التاريخي، بينما وجدت أمريكا نفسها في موقع لم تصنعه بقدر ما ورثته من انهيار الآخرين. تلك ليست “قصة نجاح” بالمعنى المدرسي، بل نتيجة ظرف دولي نادر، أقرب إلى الصدفة التاريخية منه إلى الوصفة القابلة للتكرار.
من هنا، يصبح حديث “النموذج” مضللًا. فالنماذج تُحاكى، أما الظواهر الفريدة فلا تُعاد. والتجربة الأمريكية — كما يصر زكريا — ليست مجرد منظومة مؤسسات أو اقتصاد متقدم، بل حصيلة شروط استثنائية: وفرة في الموارد، اتساع في الجغرافيا، وتدفق بشري متواصل أعاد تشكيل المجتمع باستمرار. لذلك، فإن محاولة نقلها إلى سياق آخر تبدو، في أفضل الأحوال، تبسيطًا مخلًا.
لكن زكريا لا يكتفي بتفكيك الشروط الموضوعية، بل يذهب إلى ما هو أبعد: إلى الجانب المسكوت عنه في السردية الأمريكية نفسها. فخلف خطاب الحرية، ثمة تاريخ أقل بريقًا. اقتصاد في طوره المبكر استفاد من العمل القسري، ومن أنماط السخرة والاستعباد التي وفّرت طاقة إنتاجية شبه مجانية. هذه ليست ملاحظة أخلاقية عابرة، بل عنصر تأسيسي في فهم كيف تراكمت الثروة، وكيف تسارعت وتيرة النمو.
ثم يطل الوجه الأكثر قتامة: الإبادة الواسعة للشعوب الأصلية، ما يُعرف بالهنود الحمر. لا يوردها زكريا بوصفها صفحة سوداء في كتاب قديم، بل كجزء من منطق التأسيس ذاته: إقصاء كامل للآخر لصالح مشروع جديد. عند هذه النقطة، يفقد تعبير “أرض الفرص” براءته، ويصبح سؤالًا معلّقًا: فرص لمن، وبأي كلفة؟
ومن الملاحظات اللافتة التي يمرّ بها زكريا — دون ضجيج — تلك المقارنة بين منطق التوسع في التجربة الأمريكية وبعض سرديات الاستيطان الحديثة، حيث تتكرر الحجة ذاتها: الأرض لمن يُحسن استثمارها، لا لمن كان عليها. إنها فكرة، في ظاهرها اقتصادية، لكنها تحمل في عمقها تبريرًا قاسيًا للإقصاء.
بهذا المعنى، لا يكتب زكريا ضد أمريكا بقدر ما يكتب ضد تبسيطها. هو لا يدعو إلى رفضها، ولا إلى الإعجاب بها، بل إلى فهمها خارج الأسطورة. فالإعجاب الأعمى، في رأيه، لا يقل خطورة عن الرفض الأعمى؛ كلاهما يعفي العقل من عناء التفكير.
وفي واحد من أكثر فصول الكتاب دقة، يتوقف عند طبيعة الانبهار العربي بالنموذج الأمريكي. لا يراه ظاهرة واحدة، بل طيفًا من المواقف: مصالح مباشرة، انبهار استهلاكي، خبرات شخصية غير ناضجة، وتأثير إعلامي طاغٍ. وفي كل هذه الحالات، تغيب الرؤية النقدية، لتحل محلها صورة لامعة، مكتملة، تكاد تكون خيالية.
ومع ذلك، لا ينتهي زكريا إلى موقف عدمي. فهو يميز بوضوح بين الفهم والتقليد. يمكن أن نتعلم من التجربة الأمريكية — من مؤسسيتها، من احترامها النسبي للقانون، من ديناميكيتها الاقتصادية — لكن هذا التعلم يفقد معناه إذا تحول إلى استنساخ. فالتقليد، في غياب شروطه، لا ينتج سوى نسخة مشوهة.
في العمق، يبدو أن نقد زكريا موجّه إلينا أكثر مما هو موجّه إلى الآخر. المشكلة ليست في وجود تجربة ناجحة في العالم، بل في الطريقة التي ننظر بها إليها: إما كحلم مطلق، أو كخصم مطلق. وفي الحالتين، نفقد القدرة على الفهم.
ما يبقى من العرب والنموذج الأمريكي، بعد كل هذه السنوات، ليس حكمًا على أمريكا، بل دعوة إلى التحرر من فكرة “النموذج” ذاتها. أن نكفّ عن البحث عن نسخة جاهزة، وأن نبدأ — ولو متأخرين — في طرح السؤال الأصعب: ماذا نريد نحن؟ وكيف نبنيه بشروطنا، لا بشروط غيرنا؟
ربما لهذا يبدو الكتاب، اليوم، أكثر راهنية مما كان عليه عند صدوره. لأنه لا يقدّم عزاءً، ولا يبيع وهمًا، بل يضع القارئ أمام حقيقة بسيطة وقاسية في آن: أن التاريخ لا يُستورد، وأن النهضة، إن حدثت، لا تأتي على هيئة نموذج… بل على هيئةتجربة تُخترع من الداخل.
في أحد مكاتب الخدمة العامة في الخرطوم، لا تسير المعاملات دائماً وفق الدور. هناك طريقان: واحد طويل ومكتظ بالانتظار، وآخر أقصر بكثير، لكنه غير مكتوب على الجدران. لا يحتاج الأمر إلى لافتة؛ يكفي أن يهمس لك أحدهم: “الأمر بسيط”. في تلك اللحظة، لا تكون أمام مخالفة فردية بقدر ما تكون أمام نظام كامل يعمل بصمت.
من هنا تبدأ الحكاية.
ليس من المبالغة القول إن الفساد في السودان لا يقل فتكاً عن الحرب الأهلية، بل لعله أكثر خبثاً. فالحرب تُرى وتُدان، أما الفساد فيعمل في الظل؛ يقتل ببطء، ويقوّض الدول من الداخل بينما تبدو واقفة على قدميها. يتسلل في هيئة إجراء إداري، أو توقيع رسمي، أو صفقة لا يُسأل عن مصدرها. وفي الحالة السودانية، لم يعد الفساد استثناءً، بل أصبح قاعدة شبه مستقرة، أقرب إلى نمط حكم غير معلن.
تشير بيانات منظمة الشفافية الدولية إلى أن السودان يقبع في ذيل قائمة الدول الأكثر فساداً، مسجلاً نحو أربع عشرة نقطة فقط من مائة في مؤشر مدركات الفساد، ومحتلاً مرتبة متأخرة تقارب الخامسة والسبعين بعد المائة من أصل مائة وثمانين دولة. هذا الرقم لا يعني فقط ضعفاً إدارياً، بل يعكس تآكلاً عميقاً في فكرة النزاهة العامة نفسها، حيث تغدو الرشوة والوساطة وتسييس المؤسسات جزءاً عادياً من تفاصيل الحياة.
ولم يتشكل هذا الواقع فجأة. فالفساد في السودان هو نتيجة تداخل طويل بين السلطة والثروة. غابت الدولة المؤسسية، وضعف الجهاز البيروقراطي، وتراجعت الشفافية، ففُتح الباب واسعاً أمام التلاعب بالمال العام. ومع الوقت، لم يعد الاقتصاد مجالاً مستقلاً، بل امتداداً مباشراً للسلطة، تُوزع فيه الفرص وفق معايير الولاء، لا الكفاءة.
لكن الأخطر من حجم الفساد هو التعود عليه . فالمساءلة نادرة، وأحياناً غائبة تماماً. المسؤول الفاسد لا يُحاسب في الغالب، بل قد يُعاد تدويره في موقع جديد. وعلى هذا الأساس، لا يمكن ردّ الظاهرة إلى جهة واحدة، إذ هي شبكة متشابكة من المصالح: عسكريون يسيطرون على قطاعات اقتصادية واسعة خارج الموازنة، وإسلاميون رسخوا خلال سنوات حكمهم سياسة “التمكين”، وأجهزة أمنية تجاوزت دورها التقليدي لتصبح لاعباً اقتصادياً وسياسياً، فضلاً عن جهاز شرطي لم يسلم من مظاهر الرشوة في التعاملات اليومية.
في هذا السياق، لا تبدو الحرب الدائرة في السودان حدثاً منفصلاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل. فالفساد يضعف الدولة ويفكك مؤسساتها، ويدفع مراكز القوة داخلها إلى التنافس بدل التكامل. ومع تضارب المصالح، تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع. هكذا تتغذى الحرب على الفساد، ويتغذى الفساد على الحرب، في دائرة مغلقة.
ومع ذلك، لا تفتقر التجربة الإنسانية إلى أمثلة معاكسة. فقد نجحت دول عدة في الحد من الفساد، لا عبر الشعارات، بل عبر إجراءات واضحة: قضاء مستقل، أنظمة رقمية تقلل الاحتكاك المباشر، إعلام حر قادر على الكشف، حماية للمبلغين، وفصل حقيقي بين السلطة والثروة. هذه ليست وصفات مثالية، بل أدوات مجرّبة.
أما في السودان، فإن الخروج من هذا النفق لا يمكن أن يتم بقرارات فوقية أو حملات موسمية، بل بإعادة تأسيس الدولة نفسها: مؤسسات مستقلة لا تتبع للأفراد، رقابة مدنية على النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، تفكيك شبكات التمكين لا استبدالها، وتشريعات صارمة تضبط تضارب المصالح، إلى جانب إطلاق يد القضاء والصحافة.
يبقى أن كل ذلك مرهون بإرادة سياسية حقيقية — وهي، حتى الآن، العملة الأندر. فقد تنتهي الحروب بتوقيع اتفاق، لكن الفساد لا ينتهي إلا حين تتغير القواعد التي تسمح له بالازدهار.
وفي السودان، يبدو ان المعركة الأعمق يجب الا تُخاض فقط في الميدان، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدأ بهمسة: “الأمر بسيط”… وتنتهي بدولة تُنهب على مهل.
muhammedbabiker@aol.co.uk
////////////////////////
تفكيك التمكين.. استرداد الدولة من مخالب “اقتصاد الحرب”
بقلم: عاطف عبد الله
تعود لجنة “تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو” لتستأنف نشاطها في لحظة تاريخية بالغة التعقيد، حيث يمر السودان بمنعطف وجودي فرض على اللجنة العمل من خارج الحدود. تأتي هذه العودة بعد أن أفلحت القوى المتضررة من التفكيك في إعادة بسط نفوذها على مفاصل دولة منهكة ومشروخة، مستغلةً أجواء الحرب لملاحقة رموز اللجنة وتصفية مشروعها في سياق أمني ضاغط يعكس طبيعة السلطة القائمة.
التفكيك كضرورة دولية ومحلية
هذه العودة لا تحدث في فراغ سياسي، بل تتقاطع مع تحولات دولية كبرى، لا سيما مع تصاعد الخطاب العالمي الرامي لتصنيف جماعات الإسلام السياسي وواجهاتها الاقتصادية. إن هذا المناخ يفتح نافذة استراتيجية لإعادة طرح مشروع التفكيك، ليس فقط كآلية قانونية لتصحيح تشوهات الماضي، بل كمدخل حتمي لتفكيك “اقتصاد الحرب” نفسه. فإضعاف المحركات المالية للصراع هو الطريق الأقصر لكسر شوكة الحرب وفتح مسارات جادة للمحاسبة والعدالة.
من الإجراء الإداري إلى العملية التاريخية
يتخذ عمل اللجنة اليوم طابعاً سياسياً بامتياز، مسنوداً بأدوات قانونية واقتصادية تهدف إلى استعادة الدولة من قبضة “شبكات المصالح” التي اختطفتها لعقود. إن الواجب الأول للجنة الآن هو إعادة تعريف مفهوم “التفكيك”:
التفكيك ليس مجرد إجراء إداري لاسترداد عقار أو فصل موظف، بل هو عملية تاريخية شاملة تستهدف بتر العصب الرابط بين السلطة والثروة والسلاح.
إن اللجنة تمثلني لأنها تعبر عن تطلعات السودانيين في رؤية عدالة ملموسة؛ تبدأ بتعقب الأموال المنهوبة، ومراجعة صفقات “الخصخصة المشبوهة”، وهدم الشركات الواجهة التي مثلت العمود الفقري لنظام التمكين.
مواجهة “استثمار الدم”
تمثلني اللجنة لأنها تضع “اقتصاد الحرب” في مرماها؛ ذلك الاقتصاد الطفيلي الذي يتغذى على الفوضى ويستثمر في الدم السوداني. إن كشف شبكات التمويل وفضح العلاقات المعقدة بين الفاعلين المحليين والإقليميين هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي الحروب. فالحرب في السودان لم تعد نزاعاً داخلياً فحسب، بل هي منظومة مصالح عابرة للحدود، لا يمكن كسرها إلا بتكامل الجهود السياسية والقانونية.
المحاسبة لا الانتقام
تقف اللجنة في الضفة المقابلة لسياسة “الإفلات من العقاب”. ومن هنا، فإن دعمها ينبع من الإيمان بأن السلام المستدام لا يقوم على المحاصصات، بل على المحاسبة التي تضع حجر الأساس لدولة المواطنة. المحاسبة هنا لا تعني التشفي، بل تعني إرساء قواعد الشفافية وضمان عدم عودة “دولة الغنيمة” مرة أخرى.
معركة الوعي والشرعية الدولية
يتجاوز دور اللجنة في هذه المرحلة الجغرافيا السودانية، ليصبح جزءاً من “معركة وعي” عالمية. هي مطالبة اليوم ببناء خطاب قانوني رصين يخاطب المجتمع الدولي بملفات موثقة، لدعم مسارات الملاحقة الدولية واسترداد الأصول المنهوبة عبر القنوات القانونية العالمية، وهو ما يتطلب انفتاحاً على الخبرات وتنسيقاً وثيقاً مع القوى المدنية والحقوقية.
التفكيك كفكرة وخلاص
في الختام، تمثلني اللجنة كفكرة قبل أن تكون مؤسسة؛ فهي تمثل الإرادة الجماعية لكسر “الحلقة الجهنمية” التي يدور فيها السودان منذ استقلاله: (سلطة فاسدة، فحرب، ثم إعادة إنتاج لنفس السلطة بوجوه جديدة). هي الرهان الأخير على إمكانية بناء دولة تُدار بالقانون لا بالولاء، وبالمؤسسات لا بالميليشيات.
ولكن، لكي يكتمل هذا الحلم، على اللجنة أن تستفيد من دروس الماضي، فتعيد بناء نفسها على أسس من المهنية الصارمة والشفافية المطلقة، وأن تنفتح على النقد لتتحول من “أداة صراع” إلى مشروع وطني شامل.
إن لجنة تفكيك التمكين تمثلني.. لأنها ببساطة تمثل معركة استرداد الوطن.
atifgassim@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم