ويستمر مسلسل الرعب المصري !

مناظير الخميس 25 فبراير، 2026
زهير السراج
manazzeer@yahoo.com

كتبتُ وكتب غيري من السودانيين وبعض نبلاء مصر عن الانتهاكات الفظيعة التي ترتكبها السلطات المصرية ضد اللاجئين السودانيين وطالبي اللجوء بل وحتى المقيمين بشكل قانوني، وما يتعرضون له من مطاردات وحملات قمعية واعتقالات واحتجازات وترحيل في ظروف بالغة السوء لا تمت للانسانية بأي صورة من الصور، وأدانت الكثير من المنظمات الدولية وعلى رأسها “منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس وتوش” هذه الجرائم الوحشية، ورغم كل ذلك لا تزال السلطات المصرية تواصل سلوكها الوحشي الاجرامي تجاه السودانيين المقيمين واللاجئين على أرضها، وكأنهم وحوش ضارية او مجرمون فارون من العدالة!

  • أحدث هذه المآسي اعتقال ابن الفنان السوداني المعروف (عاطف عبد الحي)، الذي يقيم بصورة قانونية، ويحمل إقامة رسمية وكرت مفوضية اللاجئين، ومع ذلك اقتادته السلطات المصرية بكل قسوة وعنف ورحَّلته إلى مدينة وادي حلفا على الحدود المصرية السودانية، تاركة خلفه والدين كفيفين لا عائل لهما سواه، بلا ادنى اعتبار للظروف الإنسانية، أوالقانون الدولي والمصري اللذين يمنعان معاملة المقيمين واللاجئين بصورة غير كريمة وترحيلهم الى مناطق النزاعات والصراعات التي أتوا منها!
  • يحدث كل ذلك رغم ان الدولة المصرية لا تزال تصم آذاننا منذ عشرات السنين بشعارات الأخوة الأزلية، وتتغنى بوحدة المصير المشترك ووادي النيل، فأين ذهبت تلك الشعارات والخطب الشاعرية، أم انها مجرد كلمات جوفاء للاستهلاك الإعلامي وغطاء لممارسة الغطرسة والتعالي على السودانيين إلى حين استعمارهم للسودان وضمه الى مصر، كما فعلوا مع مثلث حلايب وشلاتين وابو رمادة من قبل، باعتبار ان السودان كان جزءا من مصر في يوم من الايام وهى حقيقة خاطئة، فالسودان لم يكن ولن يكون جزءا من مصر في يوم من الأيام وسيكون لي عدة مقالات في هذا الموضوع في قادم الأيام باذن الله، حتى يعرف المخدوعون بتبعية السودان لمصر أنها مجرد معلومة خاطئة رسخها السياسيون المصريون في عقلية الشعب المصري، إما لتغطية أخطائهم أو البحث عن مصالح وهمية لم ولن تكون لهم في يوم من الأيام بالطريقة التي يبحثون عنها !
  • والغريب أن الحكومة المصرية تجني فوائد ضخمة من وجود السودانيين على أراضيها، سواء من مليارات الدولارات تتدفق إلى اقتصادها عبر تحويلات السودانيين إلى أسرهم في مصر، ومليارات أخرى تتلقاها من الدول والمنظمات الدولية مقابل استضافة اللاجئين، وبدلاً من رد الجميل، تمارس القمع والاعتقال والترحيل، وكأنها تقدم للسودانيين خدمات مجانية، لا تتلقى مقابلها شيئاً!
  • كما أن القانون الدولي يلزم مصر وغيرها من الدول بمعاملة اللاجئين بكرامة، ويمنع ترحيلهم إلى مناطق الصراع، أم أن “أم الدنيا” تعتقد أنها فوق هذه القوانين ولديها حصانة خاصة تعطيها الحق في ممارسة ما تشاء من صلف وغرور وعنصرية وجرائم تربأ الوحوش عن ممارستها !
  • المفارقة المؤلمة أن السودان لم يغلق أبوابه أمام المصريين قط في أصعب أو أسهل فترات مصر. فعندما اشتعل الصراع المصري الإسرائيلي، فتح السودان أرضه للمصريين، عسكريين ومدنيين واحتضن الكلية الحربية المصرية والقواعد العسكرية المصرية، وعاش المصريون بين اخوتهم السودانيين بكل عزة وكرامة، ومنحهم في السنوات اللاحقة وحتى اليوم حق الدخول بلا تأشيرات، وحق الاقامة، وحق التملك، وحق العمل، وحق التنقل والسفر لأى مكان في السودان مثلهم مثل اى سوداني، بل فاقوا السودانيين في الإمتيازات التي منحتهم لها الحكومات السودانية مِن اعفاءات جمركية وضريبيبة وتخفيض في الرسوم الحكومية لتسجيل الاراضي والعقارات وغيرها .. عملوا، وتملكوا، وتنقلوا، وتمتعوا بكافة الحقوق، ولم يسألهم أحد عن أوراق، ولم يطاردهم أحد في الشوارع، ولم يُعاملوا أبدا كغرباء، بل ظلوا دائما ضيوفا وأشقاء معززين مكرمين!
  • لم يعاملهم السودان بهذا السلوك الراقي لأن القوانين الدولية تجبره على ذلك، بل لأن أخلاق السودانيين وتربيتهم وخصالهم الحميدة التي يعرفها ويشيد بها كل من يقيم بينهم أو يتعامل معهم، هى التي دعته الى ذلك، ولان السودانيين شعب يعرف معنى الكرم، ومعنى الشهامة، ومعنى الاخوة ومعنى الإنسانية.
  • ونقول لسلطات مصر: انه رغم كل ما يحدث اليوم للسودانيين من إذلال وقسوة وعنصرية، فإن السودانيين لن ينحدروا اطلاقا الى المستوى الذي تعاملت به السلطات المصرية معهم، وإذا اضطر المصريون يوماً للجوء إلى السودان، أو جاءوا لزيارة السودان والإقامة فيه لاي سبب من الأسباب، فلن يجدوا سوى الترحيب والكرم والأمان، لأن السودانيين أوفياء للقيم التي تربوا ليها ولاخلاقهم وخصالهم الحميدة، ولن يتنكروا لها في أي يوم من الأيام مهما كانت قسوة الظروف الحياتية التي يواجهونها!
  • لكن يبقى السؤال الذي لن نمل من تكراره: إلى متى ستستمر هذه الوحشية ضد السودانيين في مصر، وإلى متى سيظل السودانيون يُعاملون كمجرمين ووحوش ضارية و”عبيد”، وإلى متى ستظل مصر تتحدث عن الأخوة بلسان رطب، وتمد يدها الغليظة بالضرب والاهانة للذين لاذوا واستجاروا بها، فغدرت بهم !
  • وإلى متى ستستمر المفارقة المذهلة بين الشعارات المعسولة عن “وحدة وادي النيل” و”العلاقات الأزلية”، وبين واقع قاسٍ مليء بالإهانات والمطاردات والترحيل القسري؟!

عن د. زهير السراج

د. زهير السراج

شاهد أيضاً

متى تفيق الحمير؟!

مناظير الثلاثاء ٣ فبراير، ٢٠٢٦زهير السراجmanazzeer@yahoo.com كان الحمار والنمر يسيران في الغابة فتجادلا حول لون …