وَحِّدُوا الحُرِيَّةَ والتَغْيّيِر قٌبْل فَوَاتِ الأوَانِ!

وَحِّدُوا الحُرِيَّةَ والتَغْيّيِر قٌبْل فَوَاتِ الأوَانِ!
!Unite FFC Before It’s Too Late

بروفيسور مكي مدني الشبلي

المدير التنفيذي، مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية

  1. تبعات فشل “قحت” في التدرج والتسلسل في معالجة التناقضات الجوهرية والثانوية
    مع اشتداد الحرب في السودان واستمرار المأساة الإنسانية التي يعيشها الملايين، يطرح كثيرون سؤالاً جوهريًا: هل يمكن للقوى المدنية أن تقوم بدور حقيقي في وقف الحرب وصناعة مستقبل مختلف؟ الجواب، ببساطة، يرتبط بوضع قوى الحرية والتغيير “قحت”، التي مثّلت منذ ثورة ديسمبر الأمل الأكبر في الانتقال الديمقراطي.
    لكن الحقيقة المؤلمة أن الانقسامات داخل (قحت) الناتجة عن عدم فهم التسلسل في معالجة التناقضات الجوهرية والثانوية، والصراع حول السلطة أضعفتها وكشفتها أمام المجتمعين المحلي والدولي كجسم عاجز عن اتخاذ موقف موحّد. وهذا الضعف فتح الباب واسعاً أمام طرفين يعرفان كيف يستغلان الفراغ: العسكريون، الذين يقدّمون أنفسهم كـ”ضامنين للاستقرار”، والإسلاميون، الذين يحاولون العودة تدريجياً من الباب الخلفي عبر التحالف مع مراكز القوة داخل الجيش والدولة العميقة.
  2. الانقسام المدني… خسارة مضاعفة
    الانقسام بين القوى المدنية ليس خلافاً داخلياً عابراً، بل خسارة مضاعفة. فهو أولاً أحبط الشارع السوداني، الذي فقد ثقته في قدرة السياسيين على تجاوز صراعاتهم الضيقة للاستئثار بالسلطة. وهو ثانياً أعطي المجتمع الدولي مبرراً لتجاهل المدنيين والاعتماد أكثر على العسكريين في صياغة التسويات. والنتيجة أن أي مبادرة خارجية، مثل مبادرة الرباعية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، الإمارات)، تبقى بلا شريك مدني قوي يتجاوز إمكانات “صمود” يمكن أن يملأ الفراغ ويقود المرحلة القادمة.
  3. الوحدة لا تعني الذوبان
    عندما نتحدث عن وحدة الحرية والتغيير، لا نقصد إذابة الخلافات الفكرية أو توحيد الأحزاب في كيان واحد. المطلوب ببساطة هو الاتفاق على برنامج حد أدنى يشمل القضايا الكبرى: وقف الحرب فوراً، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، والشروع في بناء مسار ديمقراطي جديد قائم على مدنية الدولة وإصلاح المؤسسات.
    هذا البرنامج هو ما يمكن أن يمنح القوى المدنية المصداقية داخلياً وخارجياً، ويعيد لها القدرة على التأثير في المعادلة السياسية. ومن دونه ستظل المبادرات الدولية مجرد بيانات، وستبقى آمال السودانيين معلقة في الهواء.
  4. مبادرة الرباعية… فرصة مشروطة
    مبادرة الرباعية قد تكون نقطة تحول، لكنها مشروطة بمدى جاهزية القوى المدنية. فإذا دخلت القوى المدنية إليها وهي منقسمة، فلن تكون سوى أداة لإعادة إنتاج السيطرة العسكرية والإسلامية. أما إذا تمكنت من تقديم نفسها كحاضنة مدنية عريضة وموحّدة، فإن المبادرة يمكن أن تصبح بداية فعلية لوقف الحرب وفتح صفحة جديدة.
    وهنا تكمن المسؤولية: الحرية والتغيير لا تدافع فقط عن موقعها السياسي، بل عن حق الشعب السوداني في أن تكون له قيادة مدنية مسؤولة تعبّر عن تطلعاته.
  5. دروس من ثورة ديسمبر
    من المهم أن نتوقف عند أخطاء التجربة السابقة حتى لا تتكرر. فقد دفعت ثورة ديسمبر ثمناً باهظاً بسبب بعض القرارات والخطوات التي لم تُحسَب بدقة من جانب قحت. فعلى سبيل المثال، التمادي في الاعتصام أمام القيادة العامة دون استراتيجية واضحة لإدارة المخاطر، فتح الباب أمام مجزرة 3 يونيو، التي لم تكن مجرد جريمة، بل لحظة كسرت ظهر الحركة الجماهيرية وأعادت العسكر والإسلاميين إلى موقع المبادرة.
    كذلك، فإن المفاوضات مع المجلس العسكري أظهرت ارتباكاً كبيراً. فقد كان المدنيون يتنقلون بين الشعارات القصوى، مثل “مدنية كاملة”، وبين التنازلات الكبيرة التي أحبطت الثوار واستنكروا إهدار دماء الشهداء. وهذا التذبذب أفقد قحت زمام المبادرة، وأعطى العسكر وقتاً ومساحة لتعزيز مواقعهم، بينما بقي الشارع في حالة إحباط وتردد.
    كما أن غياب فهم التدرج والتسلسل في معالجة التناقضات الجوهرية والثانوية بين القوى المدنية نفسها أدى إلى انقسامات متكررة. ففي الوقت الذي كان من الممكن الاتفاق على برنامج حد أدنى لإدارة المرحلة، انشغلت بعض القيادات بالصراع على التفاصيل داخل قحت، ما جعل الوحدة هشة وقابلة للاهتزاز مع كل منعطف. وأدى ذلك تشرذم قحت في المجلس المركزي والميثاق الوطني، ثم تقدم والكتلة الديمقراطية، ثم صمود وتأسيس، ثم انسلاخ بعض قيادات صمود بتخليها عن العمل على وقف الحرب بانضمامها لمعسكر استمرار معركة الكرامة.
    إن الاعتراف بهذه الأخطاء ليس جلداً للذات، ولا هضماً لقدر من النجاحات حققتها قحت، بل خطوة ضرورية لبناء مسار سياسي أكثر نضجاً. فالتجربة علمتنا أن الشعارات وحدها لا تكفي، وأن العمل المدني يحتاج إلى رؤية استراتيجية مرنة، قادرة على التمييز بين ما هو عاجل وما هو مؤجل، وعلى إدارة الخلافات بطريقة تضمن وحدة الصف بدلاً من تفكيكه.
  6. جبهة مدنية أوسع
    أثبتت التجربة أن السياسة لا يمكن أن تُختزل في الأحزاب وحدها. فالشباب ولجان المقاومة والمهنيون ومراكز الفكر ومنظمات المجتمع المدني هم الذين حملوا ثورة ديسمبر على أكتافهم، وما زالوا صامدين في وجه الحرب.
    لذلك فإن توحيد قوى الحرية والتغيير يجب أن يكون مدخلًا لبناء جبهة مدنية أوسع تضم مجموع هذه القوى الفاعلة. وعندها فقط يمكن الحديث عن بديل حقيقي يقنع الشارع السوداني والمجتمع الدولي معاً.
  7. الشفافية أولاً
    لن تنجح أي جبهة مدنية إذا استمرت في تكرار أخطاء الماضي بالمفاوضات الانتقائية والاتفاقات الغامضة. المطلوب اليوم خطاب واضح وشفاف، يضع شعب ديسمبر في قلب العملية السياسية، ويعيد لهم الثقة في أن هناك من يتحدث باسمهم بصدق، لا من يتفاوض في الغرف المغلقة على حصص السلطة.
  8. نحو برنامج حد أدنى متوافق عليه
    بعد أكثر ست سنوات من الانقسام غير المبرَّر بين مكونات الحرية والتغيير، لا بد من آلية واقعية وعاجلة لتجاوز الخلافات. ويمكن أن تبدأ هذه الآلية بـ تشكيل لجنة مشتركة مصغّرة تضم ممثلين متوازنـين من مختلف الكتل، على أن تعمل وفق جدول زمني قصير (شهر واحد مثلاً) لوضع وثيقة برنامج حد أدنى.
    ولضمان نجاح اللجنة، من الضروري تعيين ميسّر وطني مستقل يحظى بالقبول العام، يمكن أن يكون شخصية وطنية مشهود لها بالحياد أو مؤسسة فكر مستقلة، تتولى تنظيم الحوار، وإدارة الخلافات، وصياغة المخرجات بلغة جامعة. فوجود ميسّر محايد يمنع سيطرة أي طرف على العملية ويحول دون تكرار الصراعات التي عطلت التوافق سابقاً.
    إن برنامج الحد الأدنى المطلوب لا يسعى إلى إذابة الخلافات الفكرية أو توحيد الأحزاب، بل يركّز على أولويات عاجلة تشكل أساسًا للعمل المشترك:
  9. وقف الحرب فوراً والدفع نحو هدنة شاملة تحت رعاية إقليمية ودولية.
  10. حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية بعيداً عن الأجندات العسكرية أو السياسية.
  11. إطلاق عملية انتقالية جديدة قائمة على مدنية الدولة، مع إصلاح مؤسساتها الأمنية والاقتصادية.
  12. إشراك القوى الحية من لجان المقاومة والشباب والمهنيين والمجتمع المدني إلى جانب القوى السياسية.
    هذه الصيغة، بقيادة لجنة مصغّرة وميسّر مستقل، يمكن أن تعيد للحرية والتغيير مصداقيتها أمام الشارع والمجتمع الدولي، وتضع حداً لدوامة الانقسامات التي أضعفتها وأفقدتها دورها الريادي.
  13. الخلاصة
    إن وحدة قوى الحرية والتغيير ليست ترفاً سياسياً ولا مجرد مناورة تكتيكية. إنها شرط استراتيجي لإنجاح مبادرة الرباعية، ولإعادة بناء مسار سياسي يقوده المدنيون. ومع اقتراب اجتماع الاتحاد الإفريقي والإيقاد مع بعض القيادات المدنية في أكتوبر 2025، لا تستطيع قوى الحرية والتغيير أن تدخل الساحة وهي منقسمة. حوار قصير وحاسم، تُيسّره مراكز فكر سودانية مستقلة، كفيل بأن ينتج برنامج حد أدنى: وقف الحرب، حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، واستئناف المسار الديمقراطي. أي تقاعس يعني تسليم زمام المبادرة مجدداً للعسكريين والإسلاميين. حوار أكتوبر الإفريقي يجب أن يكون لحظة اختراق لا محطة جديدة للهدر والانقسام.
    فإذا نجحت القوى المدنية في تجاوز خلافاتها حول السلطة والاتفاق على برنامج الحد الأدنى، فإنها ستمنح السودانيين الأمل في مستقبل مختلف، وستثبت للعالم أن السودان ليس رهينة للبندقية أو لأجندات الإسلاميين. أما إذا فشلت، فإنها تترك الباب مفتوحاً أمام صراع دموي بلا نهاية، وتضيّع على البلاد فرصة تاريخية قد لا تتكرر.
    melshibly@hotmail.com

عن بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

بروفيسور/ مكي مدني الشبلي

شاهد أيضاً

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟

”تَأسِيْسٌ أمِ ابْتِنَاءٌ“؟ فِي خَطَلِ مُصْطَلَحِ ”تَأسِيْسِ“ السُوْدِانِ وَإشْكَالِيَّةِ مَحْوِ التَارِيْخ فِي خِطَابِ السِلَاحِ Against …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor