يا انقاذيون الدين النصيحة .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل

mustafabatal@msn.com

كمحاضر سابق وطالب مستديم في العلوم السياسية، وكملازم متقاعد في حاشيات الطغاة والديمقراطيين من الرؤساء، لدى أهتمام خاص بتقاليد ومناهج وآليات تشكيل الحكومات. كما أنه من الطبيعي ان يكون لدي ذات الاهتمام بأداء السلطتين التنفيذية والتشريعية اجمالا.
من أجهر مثالب النظام الحالي في السودان التناقض الصارخ بين مظهره الذي تحب العصبة المنقذة أن تكون عليه في أنظار الناس، ومخبره الذي يحدث عن نفسه من خلال الممارسة الراتبة لمسئوليات الحكم السياسي.
ذات مرة كتب حبيبنا الاستاذ فيصل محمد صالح معاتباً البرلمان لأنه أجاز الموازنة العامة خبط عشواء، بعد أن تجاوز عن سيئاتها وزكّاها وجمّل صورتها. وكان الظن، بحسب  فيصل، أن يقوم البرلمان (بدوره) في نقد الميزانية وكشف عيوبها. قلت لفيصل في حوار خاص بعد ذلك أنه أفرط في إحسان الظن ببرلماننا. ثم، وهذا هو الأهم، ان مطلبه لم يكن مشروعاً من وجهة القانون الدستوري، إذ أن ما ترجاه من برلمان الانقاذ ليس في الواقع مما تقوم به البرلمانات في كامل هيئاتها. بل هو دور موصوف للمعارضة تحديداً وتخصيصاً.
البرلمان في كل الانظمة السياسية، باستثناء الشمولية منها، يضم فريق الحكومة الحاكم وفريق المعارضة المعارض. وبحسب الاصول المستقرة فإن فريق الحكومة، أو الحزب الحاكم، ليس مطلوبا منه ان ينتقد، بل ان دوره الاساسي هو ان يدافع ويساند ويؤيد يحفز ويجيز الميزانيات وغيرها من المشروعات التي يتقدم بها الجهاز التنفيذي. والتي تطبخ وتعد في مطابخ الحزب ومؤسساته، وتعبر – افتراضاً- عن سياساته وقناعات أعضائه ومؤيديه. أما النقد وكشف المثالب وتعرية النواقص فتلك مهمة المعارضة.
المشكلة أن نظام العصبة المنقذة لديه برلمان بدون معارضة. المعلوم ان انتخابات ابريل 2009 أفرزت برلماناً اكتسحه حزب المؤتمر الوطني من قمة رأسه وحتى اخمص قدميه. وقد كان من مؤدى ذلك أننا انتهينا الى نظام ديمقراطي في شكله الخارجي، ولكنه في تجاويفه وتضاعيفه ينضح بالشمولية.
الحقيقة النجلاء هي ان برلماننا الحالي انما هو صورة طبق الاصل من برلمان المخلوع حسني مبارك الذي استولدته انتخابات 2010 سيئة الصيت، والتي منحت (499) مقعداً للحزب الوطني الحاكم وحلفائه من المستقلين، من أصل (518) مقعداً. فكان ذلك بحسب المحللين الدوليين والمحليين هو القشة التي قصمت ظهر بعير النظام المباركي. أما في حالتنا السودانية فالواضح أن ظهر بعير النظام الانقاذوي (جامد أوي) بحيث يستعصي على القصم، أو ان العصبة المنقذة ليس لديها بعير أساساً، اذ ربما تخلصت من كل البعير – تحسباً – في مرحلة باكرة عقب تسلمها مقاليد السلطة، التي اقسم بعض قادتها الا يسلموها من بعدهم الا لعيسي المسيح (قال أحد أقاربي انه رأى في ما يري النائم عيسي المسيح وقد ظهر، ثم ذهب الى دار المؤتمر الوطني طالبا تسليمه السلطة، فخرج له الدكتور نافع على نافع وقال له: “ألحس كوعك”)!
هذا ما كان من أمر برلمانات الانقاذ الشمولية المظهر والمخبر. أما مناهج تشكيل حكوماتها فلم أتعرف عليها الا بعد ان قرأت خبراً تداولته الصحف مؤخراً فهمت منه ان أمانات حزب المؤتمر الوطني هي التي تبتدر عملية تشكيل مجالس الوزراء عبر اختيار وترشيح عدد من الشخصيات لنيل حقائب وزارية. نشرت الصحف تصريحاً للاستاذة أنصار أبوناجمة أعلنت فيه أن أمانة المرأة رفعت ترشيحاتها للتعديل الوزاري القادم، ومن بينها وزارة سيادية ووزارات اخرى بالاضافة الى حقائب وزراء دولة. السؤال الذي يطرق على رأسي في هذه اللحظة هو: اذا كان أمناء الأمانات هم الذين يرشحون الوزراء، فمن الذي يرشح أمناء الأمانات؟ لا يهم.
أنا عندي اقتراح لأحبابي من رجال العصبة المنقذة ونسائها. ربما كان من الأفضل في هذا المنعطف الحرج من تاريخ السودان تشكيل حكومة جديدة على قمتها رئيس وزراء. مقدار علمي أنه ليس في الدستور الحالي ما يمنع تعيين رئيس وزراء. ماذا لو دعا حزب المؤتمر الوطني القوى السياسية المعارضة ذات الوزن المقدر الى صلاة جامعة، يتم في أعقابها الاتفاق على برنامج شامل لإعادة تأهيل الجهاز التنفيذي ومؤسسات الدولة. كما يتم تحديد أولويات السياسات العامة في المرحلة المقبلة واستراتيجيات وخطط التنفيذ، ومعايير وأساليب تقويم الانجازات في نهاية الفترة الزمنية الموقوتة للبرنامج. على أن يكون رئيس الوزراء مسئولاً عن أداء الحكومة أمام البرلمان، ثم أمام رئيس الجمهورية.
ستكون الصورة اكثر إشراقاً لو أن حزب المؤتمر الوطني تنازل مشكوراً فاستشعر مسئولياته تجاه التحديات المزلزلة التي تواجه الامة، فوافق على اسناد منصب رئيس الوزراء الى شخصية قومية غير حزبية من النابهين وأهل التجارب. على أن يتم اختيار مجلس للوزراء تكون اليد العليا فيه للحزب الغالب، مع تمثيل راجح للقوى السياسية المغايرة والشباب. بالتأكيد سيكون من ضمن مهام وواجبات الحكومة الجديدة السعي لخلق مناخ سياسي حر ومعافى، وتهيئة البلاد لانتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، يخوضها حزب المؤتمر الوطني مع الخائضين، في تجرد وندية واستقامة، ودون خوف على ظهر السيد البعير!
هل نطلب كثيراً؟ لا أعتقد. نحن فقط نعيد تقديم خارطة طريق، سبق أن طرحها غيرنا، تخرج بالسودان، تدرجاً لطيفاً متهادياً، من ضيق الواحدية الغشيمة الى سعة التعددية الرحيمة، ومن حرج التسلط الحزبي الأعمى الى فرج التلاحم الوطني الأسمى.
يا انقاذيون: عينكم في راسكم تعرفوا خلاصكم!

نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)

عن مصطفى عبد العزيز البطل

مصطفى عبد العزيز البطل

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً