في مدينة كوستي ، ومنذ الصغر ، اكتشفت أنني مشجع غير متعصب على الاطلاق وأنني أشجع اللعبة الحلوة أحياناً واتعنصر أحياناً أخرى لجذوري الأفريقية أولاً ثم لجذوري العربية ثانياً فأشجع أي فريق أفريقي إذا لعب ضد أي فريق عربي ، وأشجع أي فريق من أمريكا الجنوبية إذا لعب ضد أي فريق أوربي ، واشجع أي فريق عربي إذا لعب ضد أي فريق أوربي ، ذات يوم قررت أن أكون مشجعاً لفريق الرابطة كوستي لأنه كان يلعب بطريقة قتالية وأن لا اشجع فريق مريخ كوستي رغم أن أخي صلاح كان يلعب مهاجماً بفريق مريخ كوستي وكانت فنايل وكدارات مريخ كوستي تملأ رأس وأقدام الحمار في بيتنا لكن ذات يوم انقلبت على فريق الرابطة وشجعت فريق آخر لا أذكر إسمه كان يلعب ضد الرابطة لأنني شعرت بتعاطف شديد مع ذلك الفريق فرغم أنه كان الفريق الأضعف إلا أنه كان فريقاً شجاعاً ومكافحاً وعندما انتهت المباراة 4/0 لصالح الرابطة شعرت بغضب شديد وتوقفت نهائياً عن تشجيع فريق الرابطة! على المستوى القومي ، كان اولاد حي النصر بمدينة كوستي ينقسمون إلى مشجعين هلالاب ومشجعين مريخاب فقط لا غير ، أما أنا فقد كنت اشجع الهلال عندما يلعب داخل السودان وأشجع المريخ عندما يلعب خارج السودان أما إذا لعب الهلال ضد المريخ فكنت أشجع الموردة التي لم يكن يشجعها أحد!
عندما سكنت في داخلية عطبرة (أ) بجامعة الخرطوم لمدة 4 سنوات ، لم تطأ قدماي أي استاد رياضي في الخرطوم أو أمدرمان أو بحري ولم أشاهد أي مباراة حية أو ميتة ! وفي أحد الأيام اضطررت للذهاب إلى استاد الخرطوم بدعوة مالية كريمة من صديقي عصام عبد الله الحسن وصديقى يحى حسن لمشاهدة مباراة بين الفريق القومي السوداني والفريق القومي النيجيري لكنني عندما رأيت سحب الغبار العالق الهائلة وبوليس السواري وهو يمتطي الخيول الضخمة ويطارد ويدفع الناس بقسوة انسحبت بسرعة قبل دخول الاستاد وطرت عائداً على جناح السرعة إلى الداخلية الآمنة! أثناء دراستي في جامعة الخرطوم ، كان هناك فريق موحد يمثل كلية الآداب وكلية القانون وكان يُسمى فريق الآداب ، بعد سنة واحدة من دخولنا لكلية القانون انفصل فريق القانون من فريق الآداب وكان عصام عبد الله الحسن هو قائد الانفصال ومدرب فريق القانون المولود حديثاً ، كنت أنا من أشد المحتفلين بحركة الانفصال التاريخي (ولعلها نزعة عرق جنوبية) ! وعندما لعب فريق القانون في دوري الجامعة تخصصت في التشجيع ضد فريق الآداب، وكان هتافي المفضل هو (كوم تراب ولا الآداب) ! وفي كل مباراة كنت أشجع بأعلى صوت وأهتف (قون ضروري يا عتموري) ، وكان اللاعب جمال عتموري (ود كوستي) لا يخيب الظن أبداً فكان يشق دفاعات الفرق المنافسة كالاسد الهصور ويحرز القون أو يصنعه، وكاد فريق القانون أن يفجر مفاجأة تاريخية كبرى ويفوز بالكأس في أول مشاركة له في دوري الجامعة لكنه خسر المباراة النهائية وفاز فريق الهندسة بصعوبة 1/0، في تلك الليلة الحلومرة، اكتشفت أنني ما زلت ذلك المشجع المتقلب الأهواء فقد كنت أشجع كل لاعبي فريق القانون جهراً وبعض لاعبي كلية الهندسة سراً!
في السنوات الأخيرة، توالت الهزائم الكروية على الفريق القومي السوداني وعلى فريقي الهلال والمريخ واختفت اللعبة الحلوة، وصارت كل الفرق السودانية ملطشة لفرق المغرب العربي وفرق غرب أفريقيا بالذات ومن ثم قررت الدخول في اضراب مفتوح عن تشجيع الفرق السودانية في أي مباريات رسمية أو ودية داخلية أو خارجية حتى اتفادى حرق الدم وحرق الأعصاب فإنا ، وبكل صراحة، قد فقدت روحي الرياضية خصوصاً بعد سنوات الاغتراب الطويلة ولم أعد أتقبل مشاهدة أي هزائم كروية سودانية وصرت اتبنى سياسة النعامة وأقوم بدفن رأسي في رمال المقاطعة بدلاً من أن أشاهد أي فريق سوداني يُهزم بالثلاثة أو الأربعة!
بالأمس ، اخبرني صديقي المحامي/عبد المجيد بوقوع مفاجئة كروية سودانية مدوية، وقال لي إن المريخ السوداني قد بلغ ربع نهائي دوري أبطال أفريقيا عندما أطاح بمضيفه فريق الترجي التونسي رغم خسارة المريخ 1-2 في إياب ثمن النهائي نظراً لأن المريخ كان قد تقدم 1/صفر في الخرطوم ، وقال أيضاً إن الهلال السوداني تأهل لنفس الدور بعد أن هزم سانجا الكونجولي في عقر داره 1/صفر ، عندها شعرت بفرحة مزدوجة فها هي الكرة السودانية تنتفض وتحقق انتصاران كبيران في ليلة واحدة بعد طول صيام عن الانتصارات! الآن يحق لي العودة لممارسة هوايتي القديمة التي كانت تحرق أعصاب الجميع وهي تشجيع الهلال والمريخ معاً، الآن تذكرت واقعة طريفة حدثت في جامعة الخرطوم ، فذات يوم دخلت كلية القانون وسمعت مناقشات حامية بين الهلالاب والمريخاب واكتشفت أن السبب هو أن الهلال فاز على المريخ ، وعندها انتهزت الفرصة ومارست هوايتي الحربائية وتحول لوني من الأحمر إلى الأزرق وقمت بسلخ أحد الطلاب وكان مشجع مريخابي متعصب حتى كاد يشتبك معي في مضاربة حامية لولا تدخل بعض الطلاب العقلاء ، بعد فترة فاز المريخ على الهلال ، وراح صاحبنا المريخابي المتعصب يبحث عني حتى يقوم بسلخي على سبيل الانتقام لكنه فؤجي تماماً عندما وجدني أقوم بسلخ أحد الطلاب الهلالاب بصفتي مشجع مريخابي على السكين وعندها صاح المريخابي المتعصب في وجهي وهو في قمة الدهشة : يا زول هوى انتا هلالابي واللا مريخابي؟! لم أرد عليه وواصلت سلخ الهلالابي المسكين ، وعندها انسحب المريخابي المتعصب بفردة واحدة من خفي حنين ولسان حاله يقول: بالله شوف الزول العجيب دا، ياخي كرهتنا التشجيع ذاتو ، والله حقو بعد دا الواحد يعتزل التشجيع نهائياً ، ياخي انعل ابو الكورة وانعل ابو التشجيع ذاتو!!!
مذكرات زول ساي/ فيصل الدابي/المحامي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم